ظل فقيرا حتى رحيله - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ظل فقيرا حتى رحيله

  نشر في 03 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 نونبر 2017 .

بعد منتصف الليل بدقائق يسير بلا هوادة في إحدى أزقة شارع المعز ، كسكير شرَّد به العالم ، كان قد تمكن منه الاكتئاب ، وكان قد ترك المنزل ،يجدد روحه بلسعة من برد الشتاء وعبير هواء ليلي معبق بألحان حلقات الشباب في أروقة الشارع وعلى جنبات الأرصفة ، لم يشعر بقدماه تقودانه إلى شارع خان الخليلي حيث أنهكه السير ، جلس يستريح أمام إحدى محلات الأنتيكات ، ينظر بإسهاب في المصنوعات النحاسية المقابلة له ، جذب تركيزه ولدٌ تحمل ملامحه ما لايزيد عن إثنى عشر عاما يزيدهم غبار العالم ضعفا أو ضعفين ، وتحمل أصابعه "سيجارة" ينفث الدخان كخمسيني أفنى عمره في التدخين ، واليد الأخرى تقبع داخل سرواله ، تغطيه الرقع ، يعلوه جاكتة من الجلد الأسود البال لاتغني ولاتسمن من برد الشتاء، يقف أمام إحدى المشغولات اليدوية ، نظرة لها بتركيز وأخرى لبعض الجنيهات التي يقبض عليها بيده وكأنه يقايضها على الذهاب معه وترك المكان بين رفاقها ، وبين النظرتين يطرح شهيق الدخان في الهواء ، دقيقة أو دقيقتين حتى امتزجت الأعقاب مع أسفلت الشارع ، استجمع أنفاسه وذهب للشيخ -البائع- الذي ارتسمت على وجهه البشاشة ، رحب به بحرارة أب يستقبل ولده بعد غياب ، بضع دقائق وخرج الولد تهلل ملامحه ، المكفهرة مذ برهة ، كمن وضع براثن العالم عن كتفه ،ويده التي كانت تمسك بالعلة قبل قليل تحمل لفافة هدية ورحل الطفل يودعه العجوز بالدعوات يذّكره أن لا يطيل الغياب ،اختفى الولدُ عن الأنظار ولم تختفي معه صورته بل ارتبطت بمثيلتها في ذاكرة الشاب الذي لا يزال متسمرا على الرصيف . دقائق مضت  ، لم يفكر كثيرا ، قد بلغ فضوله غايته ، أو بالأحرى ذكرياته فاضت عن عقله ، دخل المحل وهو على يقين أن أصل الحكاية يكمن عند العجوز..

ألقى السلام عليه ، يسأل عن بعض المعروضات ويسأل عن من يساعد العجوز في المحل ، يحاول استعادة موهبته من الحيلة التي أثقلتها الحياة منذ ضاقت به ذرعا فتركته رضيعا داخل حقيبة العمر في ساحة لميدان البشر ، طفلٌ عمره من الأيام  سبعا يفقد أبواه ويمنحه الزمن الروح ليصارع بذاته مع أطفال الشوارع !

حاول جذب طرف الحديث مع الشيخ لينسل معه باقي الخيط وخاب أمله فعينا العجوز تخبرانه أن هذا الشيب ليس من فراغ ، سلك الخط المستقيم وسأله بشئ من التريث عن ذاك الطفل الذي خرج مذ برهة يحمل لفافة هدايا هل هو أحد أولاده ، ابتسم الشيخ ابتسامة العالم ببواطن الأمور وحكى بفخر قائلا "إنه رجلٌ فقيرٌ لقيطٌ ،يحب حسناء تناصفه فقره تسكن قصرا من قصور الأغنياء وليست أميرة منهم ، هو ساقي الورد وهى وردته ، كل شهر يهديها أغلى ما تمنحه جنيهاته القليلة، يتجمل الحب في براءة طفولتهم ويقبحه العالم." رحل عن العجوز تصدع كلماته في أذنه ، تزيده أسى ، تهاجم ذاكرته نجمته الراحلة ،جمعهم القمر على تشابه تعاستهم  مع الحياة وأذاب لهيب القدر أصابعهم المتشابكة بأيدي بعضهم فاختلطت هى بالأسفلت تحت عجلات سيارة فارهة يملكها من أغدقتهم الحياة حظا وسلبت منهم الإحساس ، غرق في سيرتها ومقت الأغنياء ولم يلحظ الضوء القادم من نهاية الشارع ،غمرته الحياة عطفها ،فامتزج دمه مع الأسفلت يبحث عن حبيبته.




   نشر في 03 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 نونبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا