للبدء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

للبدء

  نشر في 24 فبراير 2015 .

كانت الحكاية بالطول الذي يزداد كلما ركضت ناحيته ويتثاقل كلما حاولت التغافل عنه..

مرت الأشهر لا تعرف لأين ولا كيف سبيلها، من فوق ناصيتكَ حتى قدميك، والريح كانت شماليةً لم تزل، والأرض مقصورةٌ غصّت بنا، والسما حبكة الشال المنسدل فوق طاولة البيت العتيق، وما بين عويل الليل والفجر نتدارك أنفسنا..

كانت الرسالة أطول من أن تُقرأ على عجلٍ وجفاف النبع أقوى من أن ينهض بعد الدم، والريق متصلّبٌ في حلقي، والشمس تستدعي الغيم لتخفي وجهها ريثما تنتهي الحكاية أو تكاد..

كنتُ أكبر من التلاشي، وأصغر من فتحة ثقبتها قذيفة جنوبية المصدر لم تعرف سوى الحائط الواقف قرب الشجرة وحيداً منعزلاً عن الشارع، وكنتَ أو تكاد فوق سطح البناء ترقب ما تبقى وترسم الصورة نحتاً على الذاكرة..

البكا لم يكن دليل الحزن بقدر ما كان دليل الوجود؛ كانت النساء يتصبرن بالبكا ويأكلن الدمعات، الصباح رمضانيٌ بحتٌ والقذيفة التي هبطت بين بناءنا وبناء جيراننا كانت قريبةً وبعيدةً وكفيلةً بقفزنا ناحية الوسط وتناثر ريش الحمام، ولحظةً خلف لحظةٍ صار الموت أحب من صرير الصوت الذي يحمله زعيق الأطفال..

قبل السما بخطوتين انقطعت مني حبائل الحلم الأكبر وتراكضت حبائلٌ ماعلمتها ولا علمتني، هذا التخبط كان الأساس ومايليه هرطقة الصدى للمتعبين..

لم يكن من ودعنا ينوي وداعنا حقاً كان يريد ممازحتنا على نحوٍ مثقلٍ فغصّ لهول ما حدق فيه وأسالنا على الأعتاب، والجارة التي أرادت نقل الطعام لم تقصدها الرصاصة؛ كانت تريد الشاب الواقف خلفها حين حمته من موته بموتها!

وحين وجدتَ نفسك في مرمى الرصاص بعد تتبع الطائرة وانهيال حممها كان الرصاص يخشاك ويغترف من الدِما ليغتسل من ناره..

ثم إنّي قبل الصعود للسيارة أفرغت المشاهد كلها في الحقيبة خوف ألا تتسع ذاكرتي لسواها، والتهمت الحفرة المعترضة في وسط الشارع حتى تعبت، ويوم رشّنا القناص الوحيد الهائج خفضنا رؤوسنا نبحث في الأرض عن حفنة حياة لنروي ونحكي ولا نملّ، وعند البدء ودعنا شهيدٌ تبسم طويلاً كما لا يليق بالبشر فانتخبته القذيفة!

وبعد البدء كانت الكتيبة المنتشرة في أبعد الأركان من المدينة تبعدنا بأجسادها عن الأضواء السابقة للقذائف، وبعد أن اصطففنا عشراتٍ ومئاتٍ ضاق ذرعاً بنا المجند فأطلق كومةً من الرصاصات استقرّت في أرجل الماشين..

يحاربنا النفَس والصوت والصدى، ونحارب بالذاكرة والحرف والدِما، تخرقنا الرصاصة ولا تنال منّا ونخترق الدروب ولا تنتهي بنا..

وعينكَ بين السهل والوادي لم تعد ولم توجد.. يحس بنا الموت بعد أن نحس به، ولذا كنتَ أقرب عن ذاك الدوي من أن تصاب وأبعد من أن تظل، وبين الاثنين لم تذهب ولم تبقى.. كما سلاحنا الأخير، كما تمسكنا الوحيد.. يوم اندفعنا حوّطتنا الدعوات، ويوم وصلنا حوّطتكم الدمعات، وما بينهما وبعدهما ظلت حرارة الروح الرسول والمرسل، وظلّ تلعثم الحنين الدليل القلبي على الوجود..



  • 1

  • وئام الشاهر
    من ريف دمشق, مدوّنة وصحفية سورية الثورة نَفَسي وروحي.
   نشر في 24 فبراير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا