المدير القائد..حلم أم حقيقة؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المدير القائد..حلم أم حقيقة؟

هل هو موجود؟

  نشر في 05 فبراير 2022 .

في كل مرة اجتمع فيها مع أصدقائي، زملاء عمل أو أفراد من العائلة أو حتى أشخاص جدد لا أعرفهم، يقفز إلى أحاديثنا موضوع متكرر نوعًا ما، ليس الطقس ولا مشكلات الكهرباء وانقطاعاتها ولا أسعار الخبز والبنزين المرتفعة، وإنما عن مدراء العمل.

تأخذ هذه الأحاديث شكل النميمة تارةً أو شكل أخذ النصيحة تارةً أخرى؛ لقد فعل ذلك! لا أصدق أن هناك مديرًا يفعل ذلك! لقد قالت كذا وكذا.. أيعقل؟ ماذا أفعل؟ ماذا يجب أن أرد عليه/ها؟!

لم أكن من أولئك المحظوظين في الحصول على مدير جيد في سنوات عملي برأيي الشخصي طبعًا، واجهت كل أشكال المدراء المتسلطين، غير مبالين، غير متعاونين، غير متفهمين، غير مرنين، وحتى غير أخلاقيين، يميزون بين موظفيهم، لا يستمعون لهم ولا يقدرون الجهود المبذولة، إلى أن اقتنعت بشكل كلي تقريبًا أن هذه النماذج هي النماذج الحقيقية للمدراء ولا يوجد نموذج آخر، لم أحصل ولو مرة على اهتمام أو مساعدة من أحدهم، ولم أكن في موقع قادر على طرح أفكار دون نقد أو رفض، وإذا حاولنا إعطاء أمثلة عن المدير السيئ فقد لا ننتهي، فالقائمة تطول من تنمر وإساءة وكلام مؤذٍ، وعدم تقدير، إضافةً إلى عدم القدرة على تقديم الدعم أو حتى تقديم معلومة مفيدة معظم هؤلاء «المدراء» أصلًا لا يملكون المعلومة ليقدموها، بل يأخذوها عنوة من الموظفين الذين يشرفون على عملهم، ويتعلمون على أكتافهم، وأعتقد أن هناك نسبة كبيرة من الأشخاص الذين عانوا مثلي في مرحلة ما من حياتهم المهنية، وبدون تعميم فإن معظم المدراء الذين يحملون هذه الصفات غالبًا ما يكونون السبب الرئيس في فشل العمل أو المشروع المنفذ، عندما يكون لديك مدير يعاملك باحترام ويحمي ظهرك، فمن المرجح أن تقدم أفضل ما لديك، وتبقى لفترةٍ أطول في المكان الذي تعمل فيه، ولكن عندما يكون لديك مدير سيئ، فمن المرجح أن تعاني من القلق وترغب بالرحيل..

وعلى عكس المدير السيئ يسمي سايمون ساينك الكاتب الأمريكي المتخصص في الإدارة والعمل الريادي المدير الناجح بالقائد، ويصف ساينك القائد على أنه الشخص القادر على التعاطف مع الأشخاص الذين يعملون معه أو لصالحه وامتلاكه رؤية خاصة عن العمل الذي يقوم به، والتعاطف الذي يتحدث عنه سايمون يرتبط بقدرة المدير على الاهتمام بالحالة النفسية والاجتماعية للموظف؛ فيعطي مثالًا بسيطًا يشرح فيه ذلك كأن يوجه المدير السيئ اللوم للموظف «يبدو أن إنتاجك في العمل قد انخفض في الفترة الأخيرة، في حال استمر الأمر على هذا النحو فإننا سنتخذ إجراءات صارمة تجاهك، يمكن أن نخصم من راتبك»، بينما يظهر القائد أمام الموظف ويقول له «يبدو أن إنتاجك في العمل قد انخفض في الفترة الأخيرة، هل أنت بخير؟ هل هناك أمر تريد أن نتحدث به؟»

لاحظتم الفرق؟ لم تحدث معي أبدًا.

وكما يقول ساينك أيضًا القائد الحقيقي ليس في خدمة العمل الذي يقوم به؛ بل هو في خدمة من هم يعملون معه أو لصالحه وهذه نقطة يغفل عنها كثيرون، تبدو التجارب التي مر بها الناس فيما يتعلق بالمدير الجيد أو «القائد» قليلة بل ونادرة فغالبًا ما ينسى المدراء عملهم الحقيقي وينصب اهتمامهم على المنصب الذي يمتلكونه والاستحقاقات التي سيحصلون عليها.

خلال تقرير نشره موقع «Inc» الاقتصادي المتخصص حول أسباب ترك الموظفين لعملهم وجد أن ألفي موظف خضعوا لدراسة حديثة؛ نصفهم قد استقالوا من عملهم خلال ثلاثة أشهر في عام 2021 والنصف الأخر يفكر في ترك العمل العام المقبل والبدء بعمل جديد، وقد وجد التقرير أن السبب الأول في سبب ترك الموظفين لعملهم هو المدير؛ خبر صادم أعرف ذلك!

إن العلاقة مع مدير العمل تلعب دورًا كبيرًا جدًّا في استمرار الموظف في عمله أو تركه له؛ أعرف أشخاصًا رفضوا ترك عملهم (السيئ ماديًّا وتراتبيًّا) لمجرد وجود مدير جيد معهم، بينما يفكر آخرون في إنهاء عملهم في مكان جيد ماديًّا وتراتبيًّا لمجرد العلاقة السيئة مع مديرهم المباشر، وأعرف أشخاصًا قد تحولت حياتهم إلى جحيم بسبب المدير الذي أصبح كابوسًا في أحلامهم والشيطان الذي يخافون لقاءه.

ولا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال أن أتفهم حب الموظفين ودفاعهم عن مدير صارم، ظالم وغير لبقٍ في التعامل مع موظفيه، يرمي الأوراق في وجههم أو يخلق خلافات داخل فريق العمل أو يتصل بهم في عطلتهم ليطلب منهم إنجاز عمل يمكن أن يؤجل تحت طائلة المسؤولية بالتهديد والوعيد ومحاربتهم بحرمانهم من حقوقهم، ولا أعرف لصالح من يحصل هؤلاء الأشخاص على مواقع سلطة وإدارة؛ لأنهم في الواقع يخربون كل ما حولهم ويحدثون ندوبًا قد لا تشفى.

حاول الإعلام في عدة محطات تصوير المدير القائد الداعم لموظفيه وتغيير النظرة السلبية نحو هذا العمل أو على الأقل كانت محاولات يائسة في جعل بعض المدراء يغيرون من سلوكياتهم السامة، ولكن كان تجسيد القائد جليًا في شخصية جاكلين في مسلسل «ذا بولد تايب»، هذه الشخصية الخرافية التي تشبه بابا نويل! يصور المسلسل شخصية جاكلين وهي مديرة ورئيسة تحرير مجلة بارزة تعمل في مجال تمكين المرأة (سكارليت) على أنها قائدة حقيقية تهتم بحياة موظفيها الخاصة، تظهر كمعلم حقيقي وقائد الفريق، لا بل تمنح جاكلين موظفيها الحرية في الإبداع والتصرف بدعم وتشجيع دون أن تحصل على الأضواء على حساب الموظف، يركز المسلسل بشكلٍ كبيرٍ على أنها مديرة وسيدة لموظفات نساء تدفعهن للأمام، بينما تقدم الدعم لهن من خلف الكواليس، وهو أمر يبدو من المستحيلات السبعة، التي يمكن أن نراها عند مدراء الواقع الذين قد يضطرون في بعض الأحيان لقتال موظف يحاول التحليق خارج السرب، وفي المقابل نجد أن جاكلين هي السبب الحقيقي لحب الموظفين لعملهم في المجلة ورغبتهم في تطويرها وإعلاء شأنها.

خلال مسيرتي المهنية لم ألتقِ نموذج جاكلين المتمثل بـ(من الصعب العثور على زعيم عظيم حقيقي، ومن الصعب تركه ومن المستحيل نسيانه)، التقيت بنموذج الأب، ولكنه لا يعدو سوى مدير رحيم بموظفيه أحيانًا، ولا يعني أن يكون عادلًا أو قائدًا أو معلمًا، لكني حتمًا التقيت بالنموذج الشيطان، وتحملت من الأذى الكثير، ولكني على الأقل أعرف أني لست وحدي من عانى من مدير سيئ؛ فهناك الآلاف غيري ممن عانوا، ويعانون بصمتٍ غالبًا خوفًا وليس احترامًا، والآلاف من الممكن أن يفكروا في ترك عملهم بسبب تعرضهم لـ «للمضايقات النفسية» في العمل.

في الواقع، يمكن أن يكون العمل لدى مديرٍ ضار أمرًا مرهقًا للغاية وقد ثبت أنه يؤدي إلى أنواع عديدة من المشاكل الصحية، لذلك ليس من الكماليات أن تطلب من الله أن يجمعك بمديرٍ جيدٍ، أن يكون قائد ومعلم يرشدك ويعلمك كما تطلب زوجة طيبة وأطفالًا جميلين وسيارة فارهة، ليس من الكماليات أن يكون مكان عملك مكان راحة وشغف وإبداع وإنجاز؛ بدلًا من أن يكون عبئًا، وأشبه بكابوس تستيقظ عليه كل يوم، العمل في مجال تقديم الخدمات للآخرين عمل شاق ومتعب نفسيًّا وجسديًّا، وهو ما يغفله القائمون عليه معظم الوقت؛ فتصبح الإجازة حلمًا وغايةً لا تدرك، بدلًا من أن تكون حقًا مشروعًا. ويتحول المستفيدون إلى أرقام والموظفون إلى آلات، والمدراء إلى وحوش، ويضيع الهدف الحقيقي للعمل مع هذه المعركة الخاسرة، ولو عمل المدراء بجانبهم الإنساني، ووضعوا التعاطف قيد العمل لاختلف الوضع ولقدم الموظف ما لديه بحبٍ وتقديرٍ؛ فهل ما نطلبه حلم؟




  • 1

  • Zeina Mkahal
    اعمل في مجال الصحة النفسية و مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي - مدونة مستقلة
   نشر في 05 فبراير 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا