إليسيومت - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إليسيومت

ترنيمتي الاولى

  نشر في 18 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

يا فتَاتيِ الصَّغِيرَة اِقْتَرِبي مِني أكثر و لَا تَخَافِي عنَادِي و لَا تَلومِي صبرِي و لَا تَتَقَاسَمِي مَعي أنفاسي رَجَاءًا اِقْتَرِبِي فَقَطْ و لَا تَتَعَثَّرِي بأسمال الْعُمَرْ.. اِحْذَرِي بَطْشَ أيامه كلما دَنَوْتِ مِني أكثر ثم  إياك إياك و لفحة الْهَوَى إذا لَامَسَتْ جَفَنَكَ و شَعْرَكَ و جِلَدَكَ حَتَّى الْعُرُوقِ ..لَا تتمددي طَرِيحَة فَرَاشِهَا و لَا تتأخري دَهْرَا عَلَّيْ أنا الْقَابِعَة هُنَا فِي مَكاني أتحسس ظُلْمَةَ الأوطان أُدندن بِلَا صَوْت عَلَى وَقْعِ فتَاتِ الْخُبْز يَسْقَطُ مِنَ السَّمَاء دَاخِلَ أفواه النَّائِمِين..لَا تُطلِعِي أحدا عَلَى تَرنيمتي يا صَغِيرَتِي و لَا تُحَاوِلِي الْعَبَثَ بأحد أبياتها فتوقظي هَؤُلَاءِ النِّيَام عَلَى مَشَارِفِ الإنسانية لِيَمْنَعَك عَني تَدفُق الْبَلَاهَة المغمسة بِبَقَايَا فَتَّاتِ الْخُبْز.. فيحبس عَنك النَّفس و أفْقِدُ أنا الأمل و لَا تأتي إلي أنا الَّتِي اِنْتَظَرْتك مُنْذُ كَانَ الْمَكَانُ لِي بِجُدْرَانِهِ و أحزانه و بِقُبْلَاتِ الْمَارِّين عَلَى قَارِعَةِ التَّارِيخِ.. كُل أبواب الْكَلِمَات كَانَتْ مَفْتُوحَةٌ عَلَى مصراعيها هنا تتخطف كُلُّ تِلْكَ القبلات إلى أن تأخرت.. و مَا عَادَ مَكَاني لِي أُغلقت كُل أبوابه و أطبقت جُدْرَانَهُ عَلَى ذَاكِرَتِي فَمَا عدتُ اُذُّكرُ غَيْر أني اِجْلِسْ فَوْقَ صَفْحَة شَهْبَاء يكسوها وَاقِع أصم قُبَالَة نَافِذَة زَرْقَاء فَاقِع أكاد أحْسَبهَا السَّمَاءَ كَلَمَّا تَنَاثَر مِنهَا هَتُون الْخُبْزِ الْمُبَلَّلِ و اِرْتَطَمَ بأجساد عَارِيَة كُسِيتْ بأثواب زَيَّنَتْهَا رُسُومَاتُ أفواه بَاسِمَةَ أُغدقت قُوتًا حَتَّى تَمَدَّد أصحابها بِلَا حَرَاكْ.. لَا تسأليني عَنِ ألقاب كُلُّ هَؤُلَاءِ فَقَطْ اُعْبُرِي بينْهُمْ و إن صَادَفَ و أعترضك احدُهُمْ فَقَطْ خُذي قَلِيلَا مَنْ قَوته مِنْ عَلَى احد أفواهه و أطعميه فَسَيُرَدِّيهِ ذَلِكَ قَتِيلًا و هُوَ مِنْ هُوَ.. هُوَ مِنْ تَضَوُّرٍ فِكْرًا مُنْذُ أن اِرْتَدَى كُسْوَةُ الأفواه تِلْك وَراءَ قُضْبَان الصَّمْتِ و الْجُوعِ و الْجُبْنْ.. لَا تَتْرُكِيهِ مُمَددًا عَلَى ظَهْرِهِ يا فتَاتِي فَيَظُنُّ أصحاب الْمَفَاتِيح أنَّهُ اِسْتَيْقَظَ بَعْدَ السُّبَّاتِ..ألقي به مِنْ عَلَى حَافَّةِ الْاِحْتِضَار سَنَلْتَقِي به أنا و أنت لَرُبَّما عَلَى طَاوِلَة فِكْرَة أو عَلَى قَارِعَة وَطَن يُبْنَى فَوْقَ أنْقَاض كُلَّ الأوطان فَهَلّا تَسَرُّعَيْ الْخُطَى.

حَبيبَتي القَادِمَةُ مِنَ الْجَنُوب أحضري لِي مَعكَ قَلِيلا مِنْ مَرهَمِ الأوجاع الْمُعَطَّرَ.. فَمَا عُدتُ اُقْدر عَلَى الْوُقُوفِ و لَا عَلَى الْحَرَاك جَفَّتْ كُلَّ أقلامي حَتَّى صَفَحْتِي هَذِهِ الَّتِي أجْلِسْ عَلَيهَا اصفر لَوْنهَا و تَمَزَّقت أطرافها و فَقَدت مِنهَا كُلّ الثَّنَايَا فَلَا انأ آمَنُ مَنْ كَانَتْ قَبْلهَا و لَا أَجْرُؤُ عَلَى قَلْب الَّتِي تَلَّيْهَا.. تَسَمَّرَتُ مَكَانَيٌّ حَتَّى نَالَتْ الأوجاع مِنْ كَلِي فَقَلِيلُ مِني فَقَط ظَلَّ يَنْبِضُ عَلَى وَقع خطاك بَيْنَ الْمَمَرَّاتِ و النَّكْبَاتِ ..بَيْنَ ذلك النورٍ الخَافِت حَلَّق فَوْقَ عُودكِ الأخضَرِ, حَجَبَ عَنكَ الظُّلَامْ و فَتَح أمام نَاظِرِي سَبِيل الإلهام, كُنتُ أراك كَمَا دَائِمَا عِنْدَ  الممرر تَتَقَدَّمِينَ نَحوي بِكُلُّ مَرَاحِل السَّنُونْ الَّتِي اِلْتَصَقْتِ بِكَ طَفَلْتِي.

رايتك كما يومك هذا تحبين و تتعثرين في أول خطوات الكلام عزف قلبي ألحانا.. بدائية كانت على وقع تلك الخطوات؛ حتى أَجَدْتِ كتابة ما أنت عليه اليوم و أدقنتُ أنا أنا اللَّعب على أوتار سِحرك العربي، كأنثى كما لم تكن من قبل، كسيدة كما كنْتِ منذ بداية الخلق، بل أنتي منذ وقت طويل جدا طفلتي التي لازالت تتعلم النطق كتابة، ترشدني دائما إلى الخلاص كلما حاولوا أن يسرقوا مني الهوية.

هيا تقدمي يا فتاتي لكن بالهُوينة وأعبري الآن هذا التلاشي.. لكن لا تَتَلهي عن ترنيمتي و إن انعدم الصوت، فتشي عنها تحت أنقاض المدن فتشي عنها بين الخراب الذي سكن حديثا جدا كل عواصم رد الاعتبار، أزيحي كل تلك الصخور ورائك لكن ألقي بها فقط ورائك من جديد ستجد طريقها حتما فوق رؤوس الطغاة، لا تجزعي و لا تمليِ حتى تعبري و إذْ عبرتي أغلقي خلفك كل حجرات العجز ٠٠ اتركي ظلمهم يتخبط هناك داخل نفق الرٌَزيةِ ذاك.

انتظري قليلا.. أهذا عويل الجوع يُقَرْقِع الآن داخل جوفك! أجيبي نعم و أحملي إليَّ خبر قدوم الربيع بكل حقائب الصمت التي رافقت غضب الآلهة، إجمعي كل الحقائب التي سقطت على الطريق و غادري فورا مكان الصخب هناك, ألم تألمك أصوات المدافع و القنابل و صفارات الإنذارتَرُجٌُ الحِسَّ رجََا كُلما آلمك وجع الانتظار ، لا تتوقفي و لا تأكلي شيء مِن وجبات الطريق دعي الجوع ينهش أوصال الذاكرة و لا تسمحي لأي عابر سبيل بأن يلقيَ بأحرفه عليك فينال شرف السطر داخل كتابك المقدس٠٠ حاربي جوع المشاعر بصبر الكلمات و قاومي الحَرَّ على طول الطريق بجُود النور القادم من سحابة البيت العتيق و كلما شعرت أن نورك ما عاد غمامة تُظَلِّلُ دربك مدي يديك و تحسسي الجدران ستهتدي إليه هناك بأصدائه التي سكنت كل صدع وشق، إبحثي عنه حتى تحت اللحاء و ضعي أذنك عليه أغمضي عينيك و دندني معي لكن بإِطْرَاق و لا تخجلي من رداءة صوتك داخل ذاك المكان٠٠ جمال الأشياء يا طفلتي يسكن بريق للاقتباس ..أُنظري إلى كفك الآن و لا ترفعي أذنك من على الجدران سترين كل قبسات النور جرت مجرى الحياة في خط الحياة،ها قد أَخَذَتِ شيء من كل تلك الممرات ومن بين كل الحضارات أحضني نورك و أشيعي بنظرك إلى السماء فهل عادت غمامتك !

تابعي جيدائي طريقك الآن نحوي فما عاد يفصل بيننا كثير كلام .. قبل أن أنسي ستسمعين بين كل فينة صراخا كَلُغَتِكِ من أُمَمٍ لرُبما كانت تنتمي إليك، يخرج كأنه المخاض من خلف تلك النوافذ الزرقاء لا تلقي له بالا و لا تسرقي فضولا أي كلمة من فتحة الباب٠٠ فصراخ ما وراء القضبان هو موت خُيِل إليه انه حياة، موت لا يعيش بعده إلا من كتم صوته وحفظ الترنيمة جيدا و علم أن تجمع الأرواح فكر لا يدقنه إلا من محا كل المسافات بين الزنزانة و فتات الخبز و كتب بقلم طويل العمر أن الفتات لا يشبع الذاكرة إذا تاهَ الجسد عن الوطن ، أعلمت الآن أن صبرك على الجوع وطن يسكن بيني و أنت.. عليه نظمت أبيات ترنيمتنا منذ الأزل و عليه ستُلقى آخر أبياتها عند بزوغ شمس فناء الطغاة و لا تخافي ان نفقد منها قافية أو عجز دعي صفحتي الجامدة تخضب كفها بجميلٍ أتى مني و منك، بحروف ما استقرائها صانع الخبز، بحروف لم تخلق من قبل بأسماء لمدن كانت و أخرى ستأتي بأجراس الكنائس ومآذن المساجد بأوتار القانون و الناي و الطبل برائحة البخور القادم من الشرق بأحلام من لا أحلام لهم وبصوت من لا صوت لهم .

تقدمي خطوة أخرى، نعم هناك تحت ذلك الفانوس.. لربما هي شمعة أو مجرد وهم فقط تقدمي و خاطبي ذلك السَّجان صاحب القبعة السوداء سيفهم لغتك و سيرد عليك بتراجم ما عرفتها من قبل أبلغيه أنني أيقظت كل النيام و أنك أحظرت معك كل الجائعين، أُقْلُبي عليه التاريخ بجرة قلم وخذي منه مفاتيح كل المماليك, ادفعي بقوة الصبر كل ما اُقفل من أبواب؛ أرأيت ما حدَّثتك عنه من سماوات ارسمي عليها ضحكات كل من ماتوا جوعا قبل أن تأتي, خوفا من أن شيء من على أرصفة الكلمة الرخيصة يكتب أو أن يستسيغوا لقمة ملطخة بدماء الأبرياء .

إبحثي عنيِ أخيرا سألتقي بك كما وعدت أين وُلدَ فينا النفس أين جمعني بك القدر إسما و شعبا و جسد أين إلتقيتك أول مرة أتذكرين ! لعلي انأ نسيت وكثرة الغافلين حولي لكن لا عليك فما مَنَعْتُ عنكِ النفس و المأكل و المشرب إلا لأراك هنا على ارض أسميتها ارض الهوية ارض حرم عليها فتات الخبر و وزعت فيها أرغفة الكرامة بالتساوي بين أصحاب من حملوا همَّ القضية!

والآن يا ساكنة الأحشاء يا من نُقش أسمها على كل الأزقة المؤدية إلى صفحتي المرهقة هذه٠٠ هل إجتمعنا إذن أم أن لقائنا هو نظرة عابرة مرت علينا هنا في زمان غير الزمان بعين البصيرة عين قارئ حفظ الوصايا وسكن ها هنا على هذا البساط المنمق بالأمل.. أرأيته في الأفق !

أتعلمي امرأ لا يهم ما دامت كل صفحاتنا ستروى منذ البداية بألِسنة من أتو۟ إثرك حبيبتي و طبعوا كلامنا على كل ما لا ينسى في ذاكرة التاريخ.. بلا تواريخ و لا سجلات هي مجرد أعداد أو تعداد أرقام تزداد في حالة جنونية ستتباطأ إجلالا لنا كلما إعترضها رقم به حرف من أحد تلك الأبيات, أبيات ترنيمة الحياة.    

     إليسيومت ( مقتطف من المقدمة)

    مروه زغدود


  • 3

   نشر في 18 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

رائع ..
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا