ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 16 فبراير 2017 .

عنصرية في يوم صيف

كانت ألمانيا تتحول صيفا إلى ما يشبه مدن الأحلام و عوالم الرسوم المتحركة المتخيلة ، تتحول مدنها ، بشموسها الساطعة و مساحاتها الخضراء الشاسعة إلى أنهار من الجمال ، كمثل عجوز تراكمت التجاعيد على ساحات وجهها ، و فجأة تراجع بها عمرها حتى أضحت أميرة من أميرة الأساطير ! و كان تأثير فصل الصيف بجوه المنعش و نسيمه العليل ، على نفوس الجرمان ، تأثيرا إيجابيا جدا ، حيث تمتلئ المساحات الخضراء و المرافق الطبيعية بالزوار ، و يلجأ الأطفال الذين لم يغادروا البلاد للسفر إلى المسابح البلدية التي توفرها الدولة بثمن بخس ، فكانت ألمانيا تلتحف ثوب الجمال و السحر .

و كان يعقوب بطبيعته عاشقا لهذا الجو و هذا الفصل ، كونه ينحدر من قارة أغلب مناخها يميل إلى معاشرة الشمس و النور و النسيم الدفيئ ، و لا تعاني كثيرا من ويلات القر كما يعاني منها هذا البلد ، فكان حينما يخرج من باب العمارة التي فيها يقطن على الساعة السادسة ، تستقبله نسائم الصيف الحبيبة ، فيقفل عينيه لثوان ، و يترك نفسه لذلك الإحساس اللذيذ الذي يستولي على كل شعوره ، ثم يعرج على الحديقة القريبة من مقر سكناه بدراجته الهوائية ، فيلقي التحية على السيد فرانتس الذي يمارس هوايته اليومية في المشي كل صباح في مثل هذه الساعة منذ أصبح الطقس ملائما و مشجعا على ذلك ثم يشق طريقه نحو مقر عمله ، و الحقيقة أنه بفضل احترام جل اصحاب السيارات لمستعملي الدراجة الهوائية لم يكن يخشى شيئا في طريقه ، بل كان في كثير من الأحايين يسوق دراجته الهوائية بدون استعمال يديه ، و هو يستمع في نفس الوقت إلى إذاعات الراديو عبر جهاز هاتفه ، أو إلى أناشيد أو دروس في مشغل أقراصه ، كان أصحاب الدراجات في ألمانيا يفرضون سطوتهم على كل مستعملي الطريق ، حتى أن المرء المتقدم لاختبار السياقة ، يمكن أن يرسب فيه لمجرد أنه لم يعط الأسبقية لمستعمل دراجة ، أو أنه لم يتوقف توقفا كاملا من أجل أن يمر . من أجل ذلك كان استعمال الدراجات الحل الأمثل في فصل الصيف ، خاصة أن نسبة حوادث السير في المدار الحضري تكاد تكون منعدمة .

كان من أوائل الذين وصلوا إلى مقر العمل ، فوجد ديتمر في انتظاره ، ألقى عليه التحية و بادره قائلا :

ـ أهلا بعلاء الدين ، كيف حالك أيها الشقي !

ـ الحمد لله بخير ، همم أعرف أنك يا ديتمر صريح إلى درجة كبيرة ، و أنا بخبرتي أعرف أنك متغير المزاج هذا الصباح ، و أخمن من نبرة إلقاء تحيتك أنني سبب في هذا التغيير ، فأرجوك لا تخفي عني شيئا ! قال يعقوب ضاحكا

ـ الحقيقة يا جيكوب ، لا أعلم من أين أبدأ ، حسنا ، اعلم ، أنه قد وصلتني شكاية في حقك !

ـ شكاية ؟ ممن ؟

ـ من سيدة تقول إنك عاملتها بشكل سيء في الشارع أثناء تأدية عملك !

ـ أوه ، دعني أتذكر .. هممم لا أستطيع أن أخمن صراحة ، و لا أعتقد أنني أسأت معاملة أحد إذا أسعفتني الذاكرة ، متى كان ذلك ؟

ـ بالأمس ! تريد مساعدة من أجل أن تتذكر ؟

ـ طبعا ، تفضل !

ـ تقول إنك كدت أن تصدمها بدراجتك ، و حينما صرخت في وجهك ، و لم تجبها قالت لك : سوف اشتكيك لمديرك في مكتب البريد ، فقلت لها : إذا كان هذا يرضيك سيدتي فافعلي !

ـ أوه نعم ، قال يعقوب بشكل عفوي ، نعم يا ديتمر ، أتذكر تلك السيدة العجوز ، و الحق يا ديتمر أني لم أظلمها ، لقد كانت تسير في ممر الدراجات ، و حينما نبهتها بمنبه الدراجة ، بدأت تصرخ في وجهي ، فلم أجبها ، و لكني قلت لها : إذا أردت أن ترفعي شكواك إلى مديري في البريد فأنا لا أمانع

ـ أنت تعرف يا جيكوب مكانتك في قلبي ، و لكن هذا الأمر لا يجب أن يتكرر ، يجب أن نعامل الزبناء و الناس بشكل عام بمنطق أن الزبون ملك ، نحن تجار ، و يجب أن نصبر على لأواء الناس !

ـ حسنا يا ديتمر ، أنا أعتذر منك ، لن أفعل هذا مرة أخرى !

ـ لا عليك يا جيكوب ، هيا ، إنس ما قلته لك ، هيا اذهب إلى عملك

استأذن يعقوب ، و ذهب إلى مكتبه ، و عاد إلى عمله بشكل عاد ، ثم استأنف محادثاته الصباحية ، و الضحكات العالية التي يسببها دخول ماورو إلى المكتب ، و الحق أن كلام ديتمر لم يخلق في دواخله ذلك الإمتعاض الذي يخلقه كل لوم و عتاب يتلقاه ، لا يدري لماذا ، و لكنه لم يحس بشيء في دواخله ، ربما لأن ديتمر من ألطف الناس الذين قابله في ألمانيا ، أو لأنه ساق عتابه بشكل لطيف جدا ، فمر مرور النسيم البارد في يوم صيف ، بالإضافة إلى أن ديتمر كان يعتبره شخصا اساسا في فريق عمله ، و يدل على ذلك كلمة علاء الدين التي تدل بشكل غير مباشر على سرعته في تنفيذ مهمته ، و الحق أن يعقوب ما كان يريد أن يفسد يومه الصيفي الجميل بما فعلته تلك السيدة العجوز ، خاصة و أنها هي التي كانت تمثل الطرف الخاطئ في هذه المعادلة .

ودع زملاءه في العمل ، بحكم أنه إلا أن يقع طارئ ، فلن يجد أحدا منهم في المكتب بحكم أن أصبح ينهي مهمته أولا ، متفوقا بذلك على قدماء العاملين في هذا المكتب في تلك المنطقة ، حمل صندوق بريده المليئ بالرسائل ، حمله على دراجته الهوائية ، ثم وضع سماعات قارئ أقراصه في أذنيه و أطلق ساقيه للريح ...

كانت الشوارع في الساعة الثامنة في شمال المدينة ، تستعد للعمل كخلية نحل ، بدأ دورته المعتادة ، فقصد مكتبة المدينة الكبيرة أولا ، و أدخل الجرائد لمساعدة المدير ، التي وجدها تستعد لشرب قوهوتها الصباحية المعتادة ، ما إن رمقته حتى قالت بنبرة ضحوكة معاتبة :

ـ تأخرت هذا الصباح يا علاء الدين !

ـ الحقيقة لم أتأخر إلا لسبب طارئ ، كنت أحتسي الشاهي المعتق .. قال يعقوب بضحكة مقتضبة .

ـ هذه الأشياء لا يعلم لذتها و المتعة التي تهديها لمستعمليها إلا من جرب أن يعيشها ، و أشارت بأصبعها إلى قهوتها و علبة الشاهي في المكتبة الصغيرة المجاورة !

ـ هممم أتفق معك بالنسبة للشاهي نعم ، و لكني لا أعلم إلى الأن ، كيف لأحد أن يستطعم شرابا مرا مثل القهوة ! أي لذة في ارتشاف شراب مر يا جينيفر ؟

ـ أنت لا تفهم يا علاء الدين ، هذه اشياء لا يفهمها إلا من يعلم كنهها .

ضحك يعقوب ضحكة عالية ، و قال مستعدا للخروج :

ـ على العموم ، هذه هي جرائد اليوم ، سأذهب الآن ، هيا إلى الغد

ـ انتظر يا جيكوب .

استدار يعقوب نحوها ، فناولته قلم ريشة حبر جميل منقوش عليه اسم مكتبة المدينة ، تناوله يعقوب ، شاكرا و فضحته عيناه في سؤاله عن سبب الهدية فبادرته جينيفر قائلة :

ـ لا يجب أن يكون هناك سبب من أجل تبادل الهدايا بين الأصدقاء ، اليس كذلك يا جيكوب ؟

ـ طبعا يا جينيفر ، على العموم شكرا جزيلا

خرج يعقوب قاصدا دراجته ، و هو يرمق القلم الهدية ، مبتسما ، ثم قصد المشفى الكبير على الناصية الأخرى من الشارع ، حمل الرسائل و الجرائد ، و دخل إلى مكتب الإستقبال ، ناولها بيتر ، الرجل المكلف بمركز الإستقبالات ثم خرج ، و الحق أن دخوله إلى ذلك المستشفى ، أو كل المستشفيات ، كانت له وطأة كبيرة على نفسه ، حيث أن رائحة المرض تبقى واحدة في كل المستشفيات ، إلا أن جودة المصالح الصحية كانت تخفف شيئا ما من حدة الأمراض و لو نفسيا ، و كان هذا المشفى يقع قريبا من كنيسة صغيرة تقع إلى جانبه ، بل يوجد داخله أيضا كنيسة يقصدها المرضى ، و أهلوهم من أجل التعبد و تنمية الجانب الروحي ، فكانت المستشفيات في ألمانيا مكانا تحترم فيه الكرامة الإنسانية بامتياز ، و يعامل فيها الناس بشكل لا يحط من كرامتهم الإنسانية . بعد أن خرج من المشفى بدأ في جولته اليومية المعتادة و التي تتضمن عمارات سكانية و محلات تجارية مختلفة تجعل من جولته كل يوم جولة متجددة لكونه يقابل أناسا أخر ، و كالعادة لم تدم جولته كثيرا من وقت ، ووصل إلى آخرها ، و أوقف دراجته أمام إحدى المخابز ، و نزل من أجل أن يوصل رسالة إلى صاحبتها ، ما إن دخل حتى رمق امرأة عجوز تنظر إليه بشكل مريب ، أعطى الرسالة لصاحبة المخبزة ، ثم نظر إلى المرأة العجوز و سألها قائلا :

ـ هل لي أن أساعدك أيتها السيدة ؟

نظرت إليه و كانت عيناها كمسدسين موجهان إلى رأسه و قالت :

ـ نعم ، يمكنك مساعدتي و مساعدة جميع الألمان ، بأن تحزم حقائبك و ترحل من هنا و تعود إلى بلادك !

كانت الصدمة بالنسبة إليه كبيرة ، ليس لأنه تفاجأ بهذا الكلام العنصري ، و لكنه لم يتوقعه و داهمه ، بقي مشدوها لثوان ، غير أنه استدرك و قال :

ـ لماذا يا سيدتي ؟ هل بي وباء تخافينه أن ينتشر في بلادكم ؟

و كان القليل من الناس الذين وجدهم داخل المخبزة قد بدا الإمتعاض على وجوههم مما قالت تلك المرأة العجوز ، بل و منهم من ذهب إلى حد الإعتذار منه ، ثم استطرد يعقوب قائلا :

ـ اعلمي يا أيتها السيدة ، أن ما قلته يعاقب عليه القانون الألماني ، و لولا أنك في مثل عمر جدتي ، كان لي معك تصرف آخر ، و سأسامحك هذه المرة ! و اعلمي يا سيدتي أن الأرض لله ، و ليست لشعب معين في منطقة معينة ، و اعلمي أنني هنا بموجب قانون الماني ، و إذا رمت المغادرة فسأغادر قانونيا أيضا ، و اعلمي أنني أعمل من أجل كسب قوت يومي ، و لا أتكفف الناس في مصالح المساعدات الإجتماعية !

أطرقت العجوز لثوان ، و هي متبرمة ، ثم غادرت المحل وسط اندهاش الكل ، حاولت سيدة المخبز أن تعتذر منه عما بدر من السيدة ، فاعتذر لها هو بابتسامة دفيئة ، و اقتنى دراجته ثم انصرف إلى مكتب البريد .. ، اقتنى دراجته الخاصة بعد انتهاء دوامه ، ثم قصد منزله ، و كان الجو في مثل هذا الوقت من الظهيرة حارا ، و بيته الذي يطل على ظلال وافرة من أشجار المساحة الخضراء المجاورة ، كان ينبعث منه نسيم بارد ، قصد السوبر ماركت في طريقه ، ثم اقتنى خبزا و زيتونا و جبنا ، ذهب إلى منزله ، دخل إلى المطبخ و أكل بعضا مما اشتراه .

كان هذا الوقت من اليوم ، هو أجمل أوقاته طيلة الأسبوع ، الثانية زوالا ، و كان مطبخه يحتوي على مساحة مربعة من 3 أمتار مربعة بباب مفتوح ، تتوسطه نافذة كبيرة تطل على أشجار الكرز و البرتقال في الحديقة الخلفية للعمارة التي يقطنها ، و كانت ساورته فكرة من قبل حاول أن ينفذها بالفعل فاقتنى خشبة على مقاس المساحة المربعة ، و عمل على إلصاقها بدعامة خشبية في الوسط بشكل يطل على الحديقة الخلفية فأصبح عنده مكان للتخزين أسفلها ، و عمل على فرشها بأغطية ، و اقتنى وسادة فأصبح لديه مكان للكتابة ، بل و للنوم وقت القيلولة و بالليل أيضا ، و كان هذا المكان هو أحب الأماكن لديه في منزله ، توضأ و صلى ، ثم قصد سريره الخشبي المطل على الحديقة ، و راح في قيلولة لذيذة جدا ، قيلولة بطعم أشجار البرتقال و الإجاص ، و الطيور المهاجرة ، التي تحط هناك .



   نشر في 16 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا