أوقفوا هذه السحب عن التقدّم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أوقفوا هذه السحب عن التقدّم

  نشر في 15 يناير 2016 .

صحيح أنّهم تعوّدوا على الجفاف، ولكنّ المطر كان يزورهم على الأقلّ مرّة كلّ سنة. مطر خريفي مفاجئ وغزير وخاطف، تسيل معه الأودية بقوّة فتقطع الطرقات وتجرف البهائم والأمتعة، ولكنّ النّاس يفرحون به أيّما فرح مهما كانت خسائرهم. فهو يلطّف الجو وينبت الكلأ وينعش النبات والحيوان والإنسان ويملأ الأحواض والجوابي بالماء ويثبّت التربة وينقّي الهواء من الشوائب.

تحمّل النّاس انحباس المطر سنتين متتاليتين، ولكنّ استمرار انحباسه للسنة الثالثة على التوالي جعلهم لا دأب لهم صباحا مساء سوى مراقبة السماء وحركة الرياح ولا سؤال يطرحونه على العابرين بالقرية أو في مكالماتهم الهاتفية سوى الاستفسار عن المطر عند الآخرين، خصوصا وقد فقدوا ثقتهم بالنشرة الجوّية الرّسمية التي كم مرّة بشّرتهم بالمطر دون أن تفي بوعودها.

لم يسلم من أضرار الجفاف الفقير ولا الغني، وعانى منه الإنسان والحيوان والجماد. تيبّست شفاه البشر وبحّت أصواتهم وفقدوا الرّغبة في الكلام وذبلت نظراتهم وشابها الكدر واخشوشنت بشرتهم وتكسّرت شعورهم وأظافرهم. هزلت الدواب وفقدت صوفها ووبرها، وغدت ثقيلة الحركة يتكدّس على عيونها الدامعة الذباب، فمات الكثير منها حتّى صار النّاس يعجّلون بذبحها ما إن تظهر عليها علامات الموت القريب. تشقّقت الأرض وانتشرت فيها فلول سكنتها العقارب والأفاعي وأنواع غير مألوفة من الحشرات. اصفرّت أوراق الشجر وتساقطت أغصانه فتهافتت عليها الماشية وزاحمها فيها البشر. بهتت زرقة السماء وغدت رثّة كثوب مهترئ فخيّل للناس أنّها ستسقط على رؤوسهم كسقف قديم، وسيطرت على الجدران الألوان الترابية. وانتشرت بين الصبيان أنشودة لا يعرف لها مصدر تتوسّل الرّب أن يفتح حنفية السماء وتؤدّى كالمناحة بإيقاع جنائزي...

"يا رب الأرض والسماء

إحنا محتاجين ماء

يا سيّد النار والجنة

أعطينا المطر نتهنّى"

تنادى الناس إلى صلاة الاستسقاء عند الرّبوة المشرفة على القرية حيث تقع زاوية سيدي البوهالي. تجمّع كلّ الأهالي ولم يتخلّف حتّى المسنّون الذين استعانوا بالحمير والبغال لتوصلهم إلى زاوية سيدي البوهالي. كان يوما أغبر لفعت فيه الرّيح وجوههم وهم ملثّمون بعمائمهم البيضاء ومقرفصين ملوّحين بأكفّهم المفتوحة إلى السماء كما يفعل اليهود في صلاتهم، والنساء يراقبنهم أسفل الربوة بعيون ساهمة وشفاه مرتعشة تتمتم بكلمات غير مفهومة وتعلوها رغوة بيضاء كالصابون. حتّى حمار مسعودة الأجرب بدا كأنّه يتضرّع للرّب وهو يمد عنقه نحو السماء ويطلق نهيقا مرّا غلبت عليه حشرجة تنفطر لها القلوب.

مرّت أيّام دون أن يستجيب الرّب لرجاء الأهالي، فكرّروا الدعوة إلى صلاة الاستسقاء، لكنّ عدد المصلّين كان في كلّ مرّة يتناقص بعدما دبّ اليأس في نفوسهم وتهيّأ لهم أنّ الرّب تخلّى عنهم... غمرت الرّمال نخيل الواحة وجفّ نبع الماء الذي يسقيها. غيّر الناس عاداتهم وقلّلوا من الاستحمام. أفتى الإمام بجواز التيمّم بدل الوضوء. وما عادت مسعودة تخرج كلّ صباح على ظهر حمارها لجمع الحطب وجلب الطين لصناعة الكوانين والأواني الفخارية. كفّ وكيل زاوية سيدي البوهالي عن ملء تلك الأواني الفخارية التي تبرّعت بها مسعودة لشرب الطيور العابرة. صار الوكيل يقرفص على قمّة الربوة طوال اليوم يرصد بعينيه الهرمتين السماء عساه يلتقط بوادر غيمة يبشّر بها النّاس، فلا يظفر بغير أطياف تتراقص في البعيد بفعل السراب ويخالها أطياف بشر من أهل القرية ينزحون هربا من العطش، فيلعن لؤم النّاس وجحودهم...

يوم زيارة سيدي البوهالي، استيقظ النّاس ليجدوا السماء مغلّفة بالسحب من كلّ الجهات. سحب كثيفة ومنخفضة ومثقّلة بالرطوبة. بكى الشيوخ وهلّلوا امتنانا لسيدي البوهالي الذي غمر بكراماته أبناءه وهبّ مرّة أخرى لينقذهم من الهلاك. تبادل الرّجال التهاني وزغردت النسوة وضجّ الأطفال وركب حمار مسعودة الأجرب أتان المؤذّن الأعمى وثغت الخرفان ونبحت الكلاب فرحا. وتنادى الناس إلى زاوية سيدي البوهالي لتقديم القرابين والإعداد للحضرة.

كانت مسعودة تساعد المؤذّن الأعمى على ركوب أتانه لتحمله إلى الرّبوة، لمّا فاجأها باقتراحه الصّادم... تضاعف ذعر مسعودة لمّا أرادت أن تدفعه وهو يفتح رجليه ليمرّر ساقه اليسرى إلى الجهة الأخرى من ظهر الأتان فإذا بيدها تقع على عضوه... أرادت أن تصرخ في وجهه، ولكنّ الكلمات خرجت من فمها ليّنة "ماذا تقول يا شيبة العيب؟" أجابها مازحا ورأسه مشرئبّة إلى السماء وابتسامة العميان مرسومة على فمه المشرع "لا عيب في ما أحلّه الله. لقد تزاوجت دابّتانا، فلماذا لا نتزوّج نحن؟ أنا موظّف بجراية حكومية وأنت تاجرة وصنائعية. ولكنّنا وحيدان، فلم لا يجمعنا سقف واحد في هذا العمر المتقدّم؟" هربت مسعودة وهي تفرك أصابع يدها التي مسّته بها قائلة "اسكت يا شيبة العيب، اسكت" ولكنّ المؤذّن الأعمى أصرّ "سأنتظر ردّك... خذي ما يكفيك من الوقت للتّفكير، ولا تتعجّلي في الرّد"...

هناك في الزاوية المنتصبة أعلى الرّبوة، كان الوكيل يتسلّم الشموع وصرر البخور ويدسّ الدراهم في جيبه، والأرض لا تكاد تسع فرحته وهو يردّد على الناس أنّ سيدي البوهالي لا يتخلّى عن أولاده أبدا...

كانت السحب تتحرّك فوق الرّؤوس محدثة رعدا صوته كقصف المدافع والناس يراقبونها متلهّفين إلى زخّات المطر التي بدت تمارس نوعا من التشويق والتمنّع... بدأ الشكّ يتسرّب إلى نفوس المحتفلين لمّا لاحظوا أنّ كثافة السحب قد بدأت تخفّ... وبدأ النّاس يتهامسون ويتبادلون نظرات الرّيبة والخوف لمّا لاحظوا أنّ السّحب تتقدّم باتجاه الشمال كأنّما جاءت فقط لتغيضهم. ظلّت عيونهم تراقب في عجز الغيوم الرّاحلة متوسّلة إيّاها دون جدوى أن تتمهّل عساها تسيل فوق الرؤوس الواجمة...

صاح الفتى صابر في الناس وهو يسحب خيط طائرته الورقية المحلّقة عاليا في السماء: "انتظروا، أنا سأوقف هذه السحب اللعينة عن التقدّم... ولكن هلاّ ساعدتموني بالنفخ جميعا في الاتجاه المعاكس للرّيح؟؟

رمى المؤذّن الأعمى عكّازه باتّجاه مصدر الصّوت وهو يصرخ "أخرسوا هذا اللقيط. ألا يكفنا غضب الرّب علينا حتّى يجرّ علينا هذا الشيطان مزيدا من السخط؟. أليس لهذا الشيطان من يربّيه؟"



  • 2

   نشر في 15 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا