النظريات الكيميائية المفسرة لنشوء الحياة. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النظريات الكيميائية المفسرة لنشوء الحياة.

  نشر في 24 فبراير 2018 .


  قال ذات يوم الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه: "إن الحياة نشئت بسبب تفاعلات كيميائية" (جينا سميث، عصر علوم مابعد الجينوم، ص23) ، هكذا انطلق العلماء منذ القرن 19م يبحثون عن فهم علمي لنشأة الحياة متوسلين في ذلك قوانين الكيمياء ، حيث حاولوا العمل على تجارب تحاكي وضعية كوكب الأرض قبل 4,6 مليار سنة بخواصه الفيزيائية و الكيميائية و الجيولوجية لفهم نشوء البيولوجيا ، مثل البراكين ثائرة، و المحيطات الغليانية ، و جو بمستويات عالية من الغازات السامة ، بالإضافة إلى ذلك كان الهواء يتكون من تراكيز عالية من الميثان و الأمونيا و الهيدروجين و بخار الماء نظرا لإحترار الكوكب . ففي هذه الظروف كيف نشأت الحياة ؟ سؤال كبير لكن لم يفتئ الإنسان يبحث له عن جواب بمختلف الصيغ .

  معلوم أن الحياة بدأت من خلية حية ، و الخلية تتكون من عدة مكونات كسيتوبلازم-غشاء سيتوبلازمي-الجسيمات الريبية- النوية: التي تنتج الحمض النووي الريبوزي (RNA) و الكروماتين الذي يحتوي على الحمض النووي (DNA) ... ثم الفوسفولبيد بايلير أو الطبقة المزدوجة من الفوسفولبيد التي تعتبر المكون الأساس لسطح كل الخلايا الحية ، ثم لكي تشتغل الخلية لابد لها من طاقة و من غازات كـ CO2 و O2 ، لكي تنتج البروتين الذي هو شرط لا محيد عنه للحياة ، فكيف تجمعت كل هذه العناصر لكي تخلق الخلية الأولى ؟ 

  تحتوي نواة الخلية على المادة الوراثية DNA ، التي تظم 23 زوج من الكروموزومات ، ثم RNA الذي يتكون من سكر رايبوزي غير منقوص الأكسجين ، كما يحتوي على القاعدة النيتروجينية "اليوراسيل" ، كما أنه يتكون من شريط مفرد ، عكس DNA الذي يتكون من شريط مزدوج ، و الذي يعتبر وسيلة أساسية لتخزين المعلومات الوراثية ، من جانب آخر يعمل البروتين على تحفيز ردود الفعل ، لكن الـ RNA يستطيع أن يعمل عمل الإثنين ، فهو يعتبر بمثابة مكتبة جينية و محفز لردود الفعل ، وذلك ما يجعل RNA مرشحاً ليكون العامل الذي بدأت به الحياة على الأرض .

RNA يتكون من القواعد النوكليوتيداتية الأربعة : الأدينين والجوانين والسيتوزين واليوراسيل. إذا تم التوصل إلى كيفية تكوين هذه القواعد في الأرض المبكرة تحت الظروف المحيطة التي كانت سائدة آنذاك ، فإن جزءاً كبيراً من الجواب يكون قد تم تحصيله ، خصوصا و أن في الأونة الأخيرة تم تأكيد أن بعض الجزئيات تستطيع تكوين جميع هذه القواعد الأربعة في حال توفرت أشعة الشمس أو الأشعة فوق البنفسجية .

افتراضات و تجارب:

  افترض "تشالز داروين" أن الحياة ربما قد بدأت في “بركة صغيرة دافئة” تحتوي على كل العناصر الضرورية للتفاعل الكيميائي الذي أنتج الخلية الأولى ، حيث اندمجت هذه المركبات لتشكل مادة ساهمت في تكوين الحياة كالبروتين ، والتي بإمكانها أن تبدأ بعد ذلك بالتطور وتصبح أكثر تعقيداً ، و بالتالي تنتج عنها لأنواع الطبيعية . رغم كونها فكرة غير مفصّلة ، لكنها من بعد أصبح أساساً للفرضية الأولى لكيفية بدء الحياة ، و ذلك ما أبحاث العالم الروسي "ألكسندر أوبارين" الذي شابهت فرضياته آراء دارون ، و ذلك في كتابه “The Origin of Life” الذي نشر في سنة 1924 ، حيث وضح فيه أن الأرض كانت في بداياتها مُحتَرَّة جدا ، و ذلك ما ساعد على ذوبان الصخور التي كانت مليئة بالمواد الكيميائية ، تكثيف بخار الماء إلى ماء سائل ، و سقوط المطر لأول مرة . قبل فترةٍ طويلة من إحتواء الأرض على المحيطات، حيث كانت ساخنة وغنية بالمواد الكيميائية المرتكزة على الكربون ، هكذا افترض أوبراين أن بعض الجزيئات الرئيسية لنشوء الحياة كالسكريات و الأحماض الأمينية، قد تكونت في مياه الأرض .

  هكذا تفاعل هذا الخليط فأنتج عضويات على شكل كريات مجهرية ، و التي تتصرف كخلايا حية ، حيث تنمو ويتغيّر شكلها ، وفي بعض الأحيان تنقسم إلى قسمين ، كما يمكنها أيضاً أن تسحب المواد الكيميائية من المياه المحيطة ، لذلك من الممكن أن تصبح المواد الكيميائية اللازمة للحياة مرتكزةً داخلها ، حيث إفترض أوبارين أن هذه الكريات كانت أسلاف الخلايا الحديثة . ثم سار في نفس الإتجاه الكيميائي الإنجليزي "جون هالدين" الذي افترض هو الآخر أن المواد الكيميائية العضوية تراكمت في المياه ، إلى أن تكونت المحيطات البدائية ، و نتيجة تماسك الحساء الخفيف الساخن هذا ، تطورت التفاعلات الكيميائية بين هذه المواد ، وبذلك تكونت الخلية الأولى ، ثم نشوء نصف الكائنات الحية في البحر .

  غير فرضية "أوبارين-هالدين" القائلة بتشكل الحياة في الحساء البدائي من المواد الكيميائية العضوية ، لم يكن هناك أي دليلٍ تجريبي يدعمها ، إلى أن أتى "هارولد يوري" الكيميائي الأمريكي الذي أكد أن الأوكسيجين لم يكن موجوداً عند تشكّل الغلاف الجوي للأض في بادئ الأمر ، هذا ما عرّض الظروف المثالية للحساء البدائي لأوبارين وهالدين ، لنموذج قد يتم فيه تدمير المواد الكيميائية الهشة من خلال غياب الإتصال مع الأوكسجين ، و للبحث عن تفسير جديد قام أحد تلامذة "يوري" و هو "ستانلي ميلر" بعمل تجربة فريدة ، حيث قام بتوصيل سلسلة من قوارير الزجاج ، ثم وزع أربع مواد كيميائية يُشتبه في أنها كانت موجودة في الأرض المبكرة: الماء المغلي والهيدروجين والأمونيا والميثان ، و لمحاكاة الصواعق التي كانت شائعة الحدوث على الأرض في ذلك الوقت ، قام بإخضاع الغازات للصدمات الكهربائية بشكلٍ متكرر. و من ذلك كانت نتائج التجربة مدهشة ، حيث وجد عند تحليله للخليط الذي أعقب التجربة أنه يحتوي على على إثنين من الأحماض الأمينية: الجلايسين و الألانين ، حيث توصف الأحماض الأمينية غالباً بأنها عناصر أساسية لنشوء الحياة ، فهي تُستخدم لتكوين البروتينات التي تتحكم بمعظم العمليات الحيوية في أجسام الأحياء . هكذا صنع ميلر إثنين من أهم مكونات الحياة من نقطة الصفر .

  غير أنه و مع الأبحاث ، إتضح أن الحياة أكثر تعقيداً من الإعتقاد بنشوئها في بركة ماء دافئ يحتوي على العناصر الكيميائية الضرورية لتشكل الحياة ، فقد إتضح أن الخلايا الحية ليست مجرد أكياس من المواد الكيميائية ، بل كانت عضويات صغيرة معقدة جدا ، حيث بدت هذه العضويات تعيش وفق نظام بيولوجي مُحكَم التنظيم و هو ما يستبعد نشوء كائنات بيولوجية بدائية من تفاعل كيميائي بسيط ، و بذلك تبيّن أن صنع أحد هذه العضويات من الصفر بدأ يصبح تحدياً أكبر بكثير مما كان يظن العلماء من قبل .

  من بذلك توالت الأبحاث ، و من أبرزها تلك التي قام بها كل من "Richard Wolfenden" , و "Charles Carter" الذين انتهيا إلى أن العلاقة القائمة بين كل من الخصائص الفيزيائية للأحماض الأمينية في حساء البركة الدافئة ، و المادة الوراثية و عملية تَشَكُل البروتين كانت علاقة أساسية منذ البداية ، أي قبل ظهور أي جزيئات كبيرة و معقدة بزمن طويل ، و هو يتيح إمكانية كون هذا التفاعل هو المفتاح الأول لبدء عملية التطور من الأساسيات إلى كائنات كاملة ، و من ذلك ناقش كل من ولفندن وكارتر بأن جزيء RNA لا يعمل لوحده ، وفي الحقيقة ليس من المحتمل أن يكون RNA قد قام بتحفيز تَكَوُن البيبتايد الذي يعتبر سلسلة أحماض أمينية مترابطة كيميائيا تنشأ بين الأحماض الأمينية لتكوين البروتينات المختلفة الأساسية للخلايا الأولية ، بل قد حصل العكس حيث حفز البيبتايد لتَكَوُن RNA . هكذا ، فالعلاقة القائمة بين كل من RNA و البيبتيدات كانت مهمة جداً لظهور التعقيد بطريقة عفوية ، و بذلك فإن العالم بات عالم البيبتيد و RNA وليس عالم RNA لوحده ، و من هذه العلاقة نشأت الحياة .

  بل إنتهى الباحثين في تجربة في السنوات الأخيرة إلى أن العديد من التفاعلات البيولوجية الموجودة على الأرض قد تكون لها بداية غير بيولوجية ، حيث أن ناتج التجربة احتوى على أحماض أمينية وثاني أكسيد الكربون ، إذ يعتقد العلماء أن تلك الجزيئات غير البيولوجية شكلت إنزيمات ، حلت محل ذرات الكربون والهيدروجين بعد إتمام التفاعل الرئيسي، ما يُعد أول دليل على أن الحياة نشأت عن ذرات غير عضوية أساسا ، و به يستمر اللغز .




  • 4

   نشر في 24 فبراير 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا