عربة باتروفيتش (إلى شبيهة أمي) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عربة باتروفيتش (إلى شبيهة أمي)

  نشر في 15 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

     تغلق الجريدة أبوابها تمام الساعة الثامنة مساء، وكل الموظفين يستقلون سيارات أجرة باستثناء واحد؛ السيد باتروفيتش. دأَبَ باتروفيتش على هذا الفعل إلى أن صار محطَّ أنظار أصدقائه في العمل، أصبحوا ينتظرون خروجه من مكتبه بفارغ الصبر، وانتظار ركوبه العربة، والأغرب، والذي يستهويهم في فعل باتروفيتش، هو نقده للحوذي العجوز مسبقا، ثم جلوس هذا الأخير في الخلف وترك اللجام لباتروفيتش.

     لم تكن هذه العادة الغريبة الوحيدة التي دأبَ على إتيانها باتروفيتش، فهناك عادة أخرى أكثر طرافة من الأولى، فكلما عاد إلى البيت مساء، يمد طفليه ببعض الروبلات، ثم يأخذهما في جولة قصيرة خارج المنزل ريثما تجهز لينا حساء العشاء.

     عشر سنوات مضت على هذه الحال. لم يتغير شيء بين لينا وباتروفيتش باستثناء بعدها عن مدينتها الأصلية بيترسبورغ ومكوثها رفقة زوجها في ضواحي موسكو. أسفرت ثمرة حبهما عن شبلين مشاغبين. تعاني بسببهما لينا صداعا حادّا في الرأس كل يوم، فساعة واحدة في المنزل بعد المدرسة وفي غياب باتروفيتش، تعني الحرب العالمية الثالثة بينهما بالمخدات والأحذية.

     إن باتروفيتش من الأشخاص المهتمين بالتراث، فهذه الساعة الحائطية العملاقة تعود إلى عهد أحد أجداده الغابرين، وهي نفسها التي توقظه تمام الساعة السابعة كل صباح بضجيجها المضبوط. حاولت لينا جاهدة إقناعه مرارا بالتخلي عن الساعة وتعويضها بأخرى وفق الموضة، ومنها كذلك إعادة طلاء مكانها الذي لم يُطْلَ منذ عشر سنوات أو يزيد. بعد الدش الخفيف، يجد باتروفيتش القهوة جاهزة فوق الطاولة مع قطعٍ من الخبز المحمص، إضافة إلى جريدته المفضلة. وعند الباب، تساعده لينا في ارتداء معطفه، دون أن تنسى جملتها الشهيرة: قد يتساقط الثلج بقوة هذا المساء... يتلقف إشارتها ويمضي إلى العمل وهو هائم في ثنايا قبلتها السريعة عند الباب المرفوقة بدفعة وابتسامة حالمتين. ماذا تتمنى المرأة بعد الحصول على زوج وأطفال وبيت...؟! يتساءل باتروفيتش.

     الصباحات ليست جميلة، أو هي ببساطة، لا تستهوي باتروفيتش، وهذا ما يدفعه إلى الجلوس في العربة خلف الحوذي مادّاً ياقة معطفه كي لا يتجمد. أصدقاؤه في العمل لا ينتظرونه صباحا عند باب الجريدة. يعرفون مسبقا أنه لن يقود العربة في الصباح. وهو أيضا سبق وحاول، لكنه لم يفلح.

     حب باتروفيتش لعمله وتفانيه فيه جعله يرفض تغيير نوع العمل من مدقق لغوي إلى مشرف عام على التحرير في الجريدة. إذا فَعَلَ ذلك في اعتقاده، فإنها إهانة لدوستويفسكي وتشيخوف... الذين يكاد يحفظ أعمالهم عن ظهر قلب عناوينَ وأحداثاً.

      أثناء جلسة الغداء، يستدرجه أحدهم للحديث عن الأدب الروسي بخاصة، والأدب العالمي بعامة، لكنه بحساسيته المفرطة، لا يتحدث إلا عن الأدباء الروسيين وأعمالهم، وهذا لا يعني أنه ضيق الاطلاع على الآداب العالمية، فهو يردد جملته الشهيرة على الدوام قبل الشروع في الرد على مستدْرِجِه: لندع هؤلاء جانبا، ولنتحدث عن أحبابنا...

     وبعد أن دأب باتروفيتش على إتيان عدة عادات طريفة في أعين البعض، وإنسانية كونية لدى البعض الآخر، دأب الحوذي العجوز هو الآخر على انتطار باتروفيتش جنب الرصيف المقابل للجريدة. وبمجرد أن يرن جرس الثامنة معلنا وقت الانصراف، حتى تتململ الفرسُ وتنفض الصقيع المتصلب على ظهرها، ويتنحى العجوز عن المقعد الأمامي إلى الخلف، ويقف الموظفون جميعا منتظرين اللحظة المنشودة.

      رنّ الجرس ذلك المساء، وتململت الفرسُ ونفضت الصقيع عن ظهرها، لكن العجوز لم يتنحَّ عن مكانه. خاطبه باتروفيتش:

_ هل ستغيّرُ العادةَ يا عمّ؟

_ ....................

_ الفرس تريدني يا عمّ...

_ ....................

     لمس باتروفيتش العجوز فَمَالَ عليه هذا الأخير، أدرك باتروفيتش والجميع أن العجوز ميّت، لكن الفرس ظلَّت تتململ وتنفض الصقيع عن ظهرها.

ابراهيم إراوي


  • 3

   نشر في 15 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا