قمم البتراء: العلو بإطلالات ، ساحرة فوق كاريزما الزمن ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قمم البتراء: العلو بإطلالات ، ساحرة فوق كاريزما الزمن !

قمم البتراء : العلو بإطلالات ساحرة فوق كاريزما الزمن !

  نشر في 27 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .


لا تخطئك العين يا حارث مملكة العرب الأنباط ،أدومي الوجه في عاصمةعليائك البتراء ، وسطي النهج مؤنسن العولمة في المئة الرابعة قبل الميلاد، مملكتك النبطية وردية الرؤى إنسانية المسار ، قوافلها  تنسج طريق الحرير من المنبع إلى المصب .

يقولون ثلث أماط اللثام عنه  بيركهارت وثلثان في غيابات الجب ،أما آن للاكتشاف أن يحين؟! 

ما دهاها أهو موت فجأة أم لعله توقف قطار الزمن في حضرة سكون أسطوري ،بل أحاسيس حزن رهيبة حيال هيبة مقبرة كبرى تمتد بامتداد مرمى البصر ، ها هي سلع النبطية ببتر يلازمها لا نقشا في الصخر بل وشما في جبين الدهر وفي ثنايا الروح :عربية الوجه واليد واللسان ، أعجوبة عجائب الدنيا، تتموضع في وادي نبي الله موسى .

يعاتبني عميد أدلاء السياحة في الوادي  : كم أنت محروم إن لم تزرها ! شعارك بعد اليوم : لا بد منها وإن طال السفر ، حتما تأجرها ثلاثة أيام لاتتكلم في حضرة صمتها إلا رمزا ، وإن أتممتها سبعاً فمن عندك ،ولا انفكاك لك ما لم تعاود الكرة مرتحلا متتبعا خباياها ،يقتادك جنود الحارث مكبلا أسيراً في يومك الأول عابرين السيق والخزنة ، صاعدين بك في يومك الثاني صوب المقام وأرجاءالمذبح، يجرونك في يومك الثالث مروراً بالوادي ويجلسونك في المدرج لتسترق السمع إذ يحاكمك قضاة المحكمة النبطية ، فيا لجرمك أتعشق المدينة الوردية ؟!

قتلتك إدانة محكمة الأنباط وأنت  تصيح هائما على وجهك ،في سلسلة جبال صخرية تجاور المحكمة ومن بعدها تعبر ساحة الأعمدة ، لتستقر خادماً في قصر البنت ، وفي يومك الخامس ترتقي معراجا للروح ألف درجة سعيا نحو الدير ! و رؤية طيف النقب ومصباح جدتي في بئر السبع ، فيا له من واد خلفه أطياف فلسطين ! يفصل بخيلاء بين ضفتين تمتدان شرقي النهر وغربه، ويا لحظك العاثر إن أفلتت منك لحظات مرأى غروب شمس النقب ! فأنت منذ اليوم :  قتيل ثنائيات الوادي مستلهما مكمن الجماليات تفكك شيفرة 

الحسن : البهاء البهجة الفتنة السحر

الإبداع الأسر  ، وتلك إطلالة فارقة تكتحل عيناك بها في مواضع ثلاثة : هنا في قمة الدير وهناك في تلال المحكمة وقبلهما في قمة المذبح جارة مقام هارون.

أما في يومك السادس تتأمل جنبات الوادي ، تستنطق البلدة  القديمة باسمها وادي موسى ، تتبع الساقية نحو نهايات الوادي ، وفي يومك السابع  أزف الرحيل حائرا ترى رأي العين استنساخا ثانيا لمملكة الحارث وأين؟ في أخرى يسمونها البتراء الصغيرة!

كنا خمسة تلازمنا غربة جنوبية ،     وأسأل نفسي : لم اصطحبت في حقيبتك في ترحالك الأول صوب الجنوب لوازم الصلاة ، أكنت ذاهباً في عمرة ؟ أم هي قداسة جارة بيت الله الحرام ؟! ،

يتساءل الرفاق وقد هبط خريف نهاية الأسبوع : أعائدون أنتم لبيوتكم أم تطلقون العنان لرحلة استكشاف نبطية ؟وسرعان ما يأتي الإجماع : إنا مرتحلون لا بد من مقام هارون وإن طال السفر.

في صبيحة الجمعة رفعوا رؤوسهم ليشاهدوا في أعلى السلسلة الجبلية النقطة البيضاء المنطوية على غموض آني لم يدر أحد ما هو ،إلا إنه وفق  فرضيات الرفاق تلك بقعة بيضاء في ذروة الجبل بفعل انسكاب دهان أبيض أوجراء عوامل الطبيعة أو بقايا جبس بناء أو لربما سحابة بيضاء ارتبطت بالأوج لا تريد الإفلات من قداسة الوادي، إنه وادي موسى ، فسلام عليك يا نبي الله وسلام على أخيك هارون.

الرفاق يعبرون السيق ذاك الفاصل بين جبلين ، محاصرين بالصخور   ينعطفون  شمالا في رحلة ارتقاء مقام هارون ، كانت وعورة المنحدرات وجلاميد الصخر ظاهرة للعيان ، وقر قرارهم بالصعود مشيا ، وأما سائحو الأنباط فليس لهم إلا امتطاء الجمال عبر ساعتين صعودا لمنحدرات صخرية فكيف بالمشاة الصاعدين على الأقدام؟!

كم كانت الدهشة تجاوز توصيفاتنا اللغوية بعد مرور أربع ساعات من رحلة الصعود لفهم ماهية القمة وإذ بها بناء متجذر في الزمن ، في غرفة قديمة صغيرة يجلس بها حارس عجوز من أهل الوادي مستقرا  هنا في ذروة الجبل  ،لم يكن رداءه أبيض اللون ، حمدت الله في سري لأنه لو كان كذلك لما استطاع أحد ان يقنعني أنه رجل من لحم ودم! ، وفي سجله للزائرين ليس لك إلا أن توثق بالقلم ما لم يخطر على قلب سائح فيما هو قصي عن مألوفات البشر ، أأنسي حارسنا ؟! ها هو ينتظر وصول مؤنة الأبناء عبر رحلة جبلية عسيرة يتلطف بهم : اذهبوا بورق أبيكم هذه إلى وادي موسى ولا تأتوني إلا برزق منه ، أما الماء فيكفيه مجاورة عين ماء دفاقة تسيل في قناة صغيرة أسفل المقام ، منى كل منا نفسه بشربة منها إلى حد الارتواء ، وكم كان ماؤها عذبا!

انقضت أربع ساعات بين المتعة التي لازمت أبصارنا موزعة بين المقام وتناثر الأودية من حوله والمنحدرات في رحلة الصعود ، لتفتح قلعة من البوح الحميمي وسط موج من تيارات من الأسرار،  ومع حلول الظهيرة قاربنا الوصول هناك، نصف نهار لا بأس به  في سبيل المقام.

صاعدين نلمح جانبي الوادي والبدو الرحل بملامحهم القاسية كمسافرين عبر الزمن، وزقزقة العصافير في قمم الجبال وامتدادات الأفق هناك خلف الضباب تكشف عن ملامح فردوسنا الضائعة فلسطين، وعند الظهيرة شارفت مرحلة الصعود الأولى على الاكتمال وبقيت الثانية، كنا قد قاربنا الوصول إلى قمة الجبل أوهكذا أوهمنا التعب ، وجدنا أنفسنا نحاذي  القمة لكن ليس بعد ، ينبغي عبور الطريق الترابي المرتسم على الأرض بفعل تكرار المجيء والذهاب حيث لا متسع هنا إلا لمسير رجل واحد ، وأي انزلاق أو خطأ في تقدير ثبوت موضع القدم، سيكون حضيض الوادي السحيق هو المستقر، قطعاً كانت جاذبية المقام أقوى من جاذبية الوادي ، وكأنها معركة تنتصر فيها إرادة الحياة ، أمسك صديقي معلم اللغة بيد زميله يسحبه وراءه لئلا تخور قواه، حينها بادر أحدهم مقترحا ضرورة أن نشرع في تشكيل سلسلة جسدية  مترابطة من الرفاق لتتعاون في مشقة الارتقاء .

كان معلم الرياضة يستعرض أمامنا متحديا ولكن سرعان ما ناله التعب واجتازه الآخرون.

     كنت الأول صعوداً نحو قمة المقام ومن خلفي معلم الرياضيات، من هناك تهب نفسك روحاً جديدة عندما تشاهد اقتران الزمن والجغرافيا معا ، لحظات يتوقف  عندها كل شيء فتسارع في التقاط مشاهد مذهلة ستطبع في ذاكرتك إلى الممات ، تختزنها ذاكرتك البصرية حينئذ منظراً تراه عيناك للتو و تقتنصان مشاهداً  مذهلة ساحرة إذ تمتد قمة جبل المقام  بأطرافها تاركة فواصل كبرى يمينا ويسارا بينها وبين رفيقاتها من بقية القمم الجبلية المحاذية ، وتترامى منحدرات صخرية عملاقة ومن فوقها سماء زرقاء تزينت بسحب صيفية، لم يخب ظني فرحلة الصعود وأنفاسنا المتصاعدة شهيقا وزفيرا  ستنتهي بشربة ماء نبطية من يد حارس المقام تكريما وضيافة في جغرافيا منعتقة من إسار الزمن وعصية على النسيان . 


  • 1

   نشر في 27 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 3 أسبوع
مقال جميل جدا ،دقيق وكاننا زرنا البتراء ،وامنا بسحرها من خلال وصفك .
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا