المجنون الذي ظن نفسه بصلة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المجنون الذي ظن نفسه بصلة

  نشر في 18 يناير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

لا يزالُ واقفاً على عتبةِ الغرفة ، نظر نحو الممرِ الذي يبدو مظلماً أكثر ممّا هو عادةً ، لا يبدو الطريقُ طويلاً نحو المطبخ ، يحتاج بعض الشجاعةِ وينتهي الأمر ، يتذكّرُ أنّهُ عندما كان طفلاً ، كان يجلسُ على الأرجوحة للجهة المعاكسة ، بعكس جميع الأطفال ، وها هو اليوم يديرُ ظهرهُ للحياة ، يحبّ أن ينجز كلّ شيء بشكلٍ مختلف ، وكان ذلك سبب طردهِ من آخر وظيفةٍ له ، كان ذلك منذ عامٍ تقريباً ، وكان ذلك سبباً ليقوم والدهُ بإبعادهِ عن منزل العائلة ، كان ذلك منذ خمسةِ أعوامٍ تقريباً ، وكان قد أحبّ زوجته بشكلٍ مختلفٍ للغاية ..

يكرهُ التقليد ، وكلّ ما هو تقليدي ، يفكر ، كيف يمكنُ أن يُتمّ الأمر بشكلٍ مختلف ، وهل هناك موتٌ مختلف ؟! ، هناك طرقٌ مختلفة ، وأسبابٌ مختلفة ، ونتيجةٌ واحدة ، يعلمُ تماماً أنّهُ سيكون شخصاً مشهوراً غداً ، حيثُ أنّ فعلتهُ التي هو مقدمٌ عليّها مادةٌ دسمةٌ للصحف والمحطّات التلفزيونيّة والإذاعيّة ، يشعرُ بالجملةِ المعهودة تتردّدُ حوله (( لا تريني وجهك بعد الآن )) ، سمعها مرّاتٍ ومرّات ، وفي كلّ مرّة يشعرُ أنّه يسمعها بدقةٍ أكبر ، وبوضوحٍ أكثر ، وبنبرةٍ أقربُ إلى الزعيق ، كانت آخر مرّةٍ منذ خمسِ دقائق ، قالتها زوجته المحبوبة بينما هي تحزم أمتعتها قبل أن تغادر المنزل الذي سيكون ساحة جريمةٍ بعد قليل ، لا يزالُ متردّداً ، خطرت لهُ الفكرة منذ أيام ، بعد أن كان يريدُ الذهاب للبحث عن عمل ، ولكنّه تذكّر أن حذاؤه مهترئٌ للغاية ، ولا يصلحُ للاستعمال أبداً ، فغيّر رأيهُ وعاد أدراجه ، إنّها فكرةٌ تراودهُ كلّما شعر بالجوع ، وكلّما رأى نظرات الازدراء التي تطلقها زوجته نحوه بين الفينة والأخرى بينما هو لا يملك من أمره شيئاً ، يؤمن بأنّ حظّه عاثرٌ لدرجةٍ مخيفة ، عاد للنظر نحو الممر ، يزداد ظلمة ، كأنّ الستائر تُسدل من تلقاء نفسها ، واضعةً حدّاً للنور الكاذب الذي يتسرّبُ من النوافذ ، كان يأملُ أن يكون مخرجاً مسرحيّاً ، أو كاتب سيناريو على الأقل فهو يعتقدُ أنّه ينظرُ إلى الأمور بمنظورٍ فنيّ ، تذكّر أنّ عليه الاتصال بالشرطة والإسعاف ، لكي لا يكون مشهد موتهِ آخر مشاهدِ المسرحيّة ، سارع إلى الهاتف واتصل ، ادّعى أنّه أحد سكان الحي ، وأنّ جارهُ قد انتحر في الشقة المجاورة – أي شقته - ، تنهّد ، لقد أنجز قسماً كبيراً الآن من الجريمة ، لم يتبقى إلّا الذهاب إلى المطبخ ، إنّه مصرٌّ على المطبخ ، مشى ومشى ، شعرَ أنّ الطريق طويلٌ للغاية ، يخطو ويخطو ، ما هذا الدرب اللامنتهي ؟! ، وصل أخيراً ، أسدلَ ستارة المطبخ بيدٍ مرتجفة ، يتردّد ، تناول السكّين الكبيرة ، رفعها ، تردّد ، رفعها وأنزلها عشرات المرات ، قبل أنّ تبدأ صفارات سيارات الشرطة تتبادر إلى مسمعه ، عليهِ أن يُسرع ، هيّا ، أغمض عينيه ، بدأ بابُ الشقة يُدقُّ بقوّة ، نظرَ حوله سريعاً ، عليهِ أن يتمّ الأمر ، تناول بصلة وبدأ بتقطيعها ، قطّع وقطّع وبكى ، بينما باب الشقة يُكسر ، وفعلاً قد غدا مشهوراً ، فبينما هو يقضي يومه الأوّل في مصحةِ الأمراض العقلية كانت الصحف قد عنونت وأصبح معروفاً بـ " المجنون الذي ظنّ نفسه بصلة " ..



  • 4

  • سامر النجار
    أعيشُ على هامشِ الحياة ، أقتاتُ الكلمات ، وكلُّ ما لدي قلمٌ وبضعةُ أوراقٍ وعشرون عاماً على هذا الكوكب .
   نشر في 18 يناير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

Majd Jundee منذ 2 سنة
الله الله عالجمال... رائع أخي
0
سامر النجار
ألف شكر صديقي العزيز :)
نص ممتع اخي وقصة قصيرة جميلة واصل الإبداع
0
سامر النجار
شكراً صديقي :)
و سردك ليس أبدا بالتقليدي ، ممتع ، شيق و محبوك ، دمت مبدعا أخي
0
سامر النجار
شكراً لمرورك الكريم صديقي :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا