صديقي العجوز المدخن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صديقي العجوز المدخن

  نشر في 24 أبريل 2019 .

صليت العصر و اتجهت نحو المقهى..مع دخولي توجهت نحو مكاني المعتاد.

بعد جلوسي قليلا انتبهت أن الطاولة التي كان يجلس عليها العجوز المدخن فارغة..

مرت ساعات و لم يأت و لو بعد حين.. ليست من عادته أن يتأخر و يغيب بهذا الشكل..

لقد أسدل الليل ستائره و حان وقت ذهابي..فسألت النادل عن العجوز لعله جاء في الصباح !؟ فنظر إلي النادل و رد علي بالنفي.

رجعت للمنزل و شك يرتقي لدرجة القلق بدأ يساورني حيال غيابه المفاجئ..فالتمست له عذرا، ربما لديه ضيوف.

و أنا ممدد على فراشي أنتظر النوم لمعت فكرة في عقلي و صعقتني لدرجة أني تركت الفراش و قمت كالمجنون..قال لي ذلك العجوز يوما أن زوجته متوفية و أنه لم يرزق بأبناء..فأي ضيوف و سخف هذا الذي أفكر فيه !!

سأنام و غدا سأتحرى الأمر لا محالة.

ذهبت اليوم مبكرا للمقهى و بقيت منتظرا لساعات حتى تملكني التوجس و لم أعد قادرا على الانتظار لدقيقة..

سأذهب لبيت العجوز، لقد أخبرني يوما بعنوانه و لكني نسيت رقم البيت، و كل ما أتذكره هو أنه يسكن بالحي الفرنسي قديما "النصارى".

ذهبت و بدأت بالسؤال عن بيته و دلني أحد الأطفال على بيته مباشرة بعد أن ذكرت له عجوزا يعيش لوحده.

وصلت لباب المنزل و بدأت بالطرق و المناداة عليه..و لا مجيب. بقيت على ذلك الحال حتى كلمتني إحدى جاراته من إحدى الشبابيك :

-عن ماذا تبحث يا بني ؟

-أبحث عن السيد عبد المجيد !

-إنه في المستشفى ! لقد نقلوه البارحة و يبدو أن صحته في تدهور.

شكرت المرأة ثم و بدون تفكير انطلقت مسرعا نحو المستشفى..

مع وصولي سألت عنه في الاستقبال و دلتني الممرضة على رقم الغرفة، إنها الغرفة 15 و لكن الزيارة ممنوعة كما قال الطبيب فهو يحتاج للراحة.

جلست في مقاعد الانتظار و بقيت محدقا في السقف شارد الذهن..

فلتأتي معي أيها القارئ لترى فيما شردت خلال الانتظار.. فلترجع معي سنتين للماضي.

في مساء أحد الأيام ذهبت للمقهى مع بعض الأصدقاء لمتابعة إحدى مباريات المنتخب الوطني، و مع الحماس كنت أصرخ في اللاعبين كلما مرت فرصة خطيرة..فجأة سمعت صوتا من خلفي يقول ساخرا

-لا تصرخ يا إبني لن يسمعوك.

فاستدرت لأجد عجوزا شعر رأسه تام البياض مبتسما و ملامحه توحي بالطيبة و تدعو للاطمئنان..فكان ردي عليه :

-سيصيبني مرض السكري و أنا شاب بسبب هذا المنتخب.

فضحك و قال لي :

-هل عندك ولاعة ؟

-نعم ! تفضل.

فأخرج علبة سجائر من معطفه و التقط سيجارة و أشعلها :

- "الله يعفو" يا ابني

هنا كانت البداية حيث تعرفت على العجوز.

بعدها بأيام و أنا داخل للمقهى لمحت العجوز و تبسم لي..فسلمت عليه و قلت مازحا :

-هل تريد ولاعة ؟

-لقد جئت في وقتك..فالنادل إذا أعطاك قداحته كأنه أعطاء طرفا من كبده.

-دعابة جميلة.

-اجلس يا بني ..أم أنك تنتظر أحد أصدقائك ؟

-لا أنا لوحدي اليوم.

جلسنا ندخن و ندردش..فكلمني عن عمله بالمنجم قديما قبل أن يتقاعد و إصابته بالسحار الرملي "السيليكوز" و أنا بدوري تكلمت عن نفسي و متابعتي للدراسة بالجامعة.

مرت الأيام و توثقت علاقتنا..حيث كان دائما ينصحني بالابتعاد عن التدخين :

-ابتعد عن التدخين يا بني.

-عندما تبتعد عنه أنت سأقوم بنفس الشيئ.

-أنا عجوز و لم يبقى لي الكثير، عكسك أنت فلا زال أمامك الكثير.

-سأفكر بالأمر..غير الموضوع أيها العجوز.

- ههه حسنا.

حتى من الأحداث الطريفة وقع لنا منها الكثير، ذات يوم كنت أقوم ببحث و التلفاز بالمقهى مشغل على قناة "NatGeo" للحيوانات، فجأة سمعت صديقي العجوز يتمتم بكلمات غير مفهومة فقلت له :

-ما بك تتمتم هل تلقي تعويذة ما ؟

لم يرد علي و عينيه شاخصة في التلفاز..فرفعت عيني للتلفاز أيضا لأجد ستة سباع جائعة تطارد جاموسة ..و العجوز يكلم التلفاز :

-يا ربي يا ربي يا ربي ..انتبهي ورائك، ورائك ورائك !

و عندما أطاح الأسود بالجاموسة المسكينة تحرك العجوز من مكانه حتى سقط الكأس و انسكبت القهوة و قال متحسرا :

- تبا لقد أمسكوها.

فضحكت كثيرا و قلت له :

-إن الجاموسة لا تسمعك، كما لاعبي المنتخب لا يسمعون صراخي عليهم أيضا.

و لن أنسى يوم طلب مني أن أفتح له حسابا على فيسبوك :

-ماذا تريد في الاسم ؟

-عبد المجيد الحر

-كم عمرك ؟

-69 و لكن ضع 45 سنة.

- حسنا ههه ! و الحالة العاطفية ؟

-أحب المرحومة.

-الله يرحمها..أقصد هل أضع أعزب ؟

-نعم أعزب.

-ماذا أضع في صورة حسابك ؟

-أريد صورة جاموسة.

-ههه حسنا ! ستتبعنا الجاموسة أينما رحلنا و ارتحلنا.

و هنالك من المواقف الكثير في الذاكرة و لكن أرجعني من شرودي يد تلمس كتفي ..و إذا بها الممرضة تقول لي :

-هل أنت ابنه ؟

عند هذا السؤال أحسست بالشفقة و الحزن تجاه صديقي العجوز..فليس له زوجة و لا أبناء و لا قريب.

فقلت لها :

-طبعا.

-تفضل يمكنك الدخول الآن و لكن لا تطل الجلوس و عندما تخرج تعال لتملأ بعض الأوراق.

بدخولي وجدت صديقي ممددا و جسده ممتلئ بالخيوط الموصول بعضها بجهاز يرن رنين الحياة..فسلمت عليه :

-السلام..الحمد لله على سلامتك

-مرحبا يا ابني..كيف عرفت أني هنا ؟

-لا يهم..بماذا تحس الآن ؟

قال بصوت أجش :

-ملك الموت أرسل لي طلب صداقة

-الله يطيل في عمرك..تمزح حتى في هذه الحالة..ربما وجد في صورة الحساب جاموسة فلم يعرفك.

بقيت على تلك الحال أزوره يوميا و أقترض المال لأشتري له بعض الطعام و الأدوية، و كانت كلماته القليقة كلها تصب في نصحي بالاقلاع عن التدخين و الاجتهاد في دراستي..و لعلها كلماته الأخير.

ذات صباح و أنا متجه للمستشفى كما جرت العادة..صادفت ممرضين يحملان على نقالة شخصا مغطى بغطاء أبيض..انقبض قلبي لحظتها فركضت مسرعا نحو الممرضة و عجزت عن نطق السؤال.

عندما رأتني و رأت عيناي عرفت السؤال قبل أن أنطق به و أومأت برأسها إيجابا..

صلينا صلاة العصر على صديقي و قمنا بالدفن و الجنازة يومها.

مرت الأيام و الحزن عشش في حياتي..فذهبت بعد العصر للمقهى..نفس المقهى..ألقيت نظرة على مكان صديقي العجوز فوجدته فارغا في صورة بالأبيض و الأسود..أخرجت سيجارة من جيبي و أنا أهم بإشعالها تذكرت كلام صديقي..لم أستطع التحمل فرميت السيجارة و ركضت للحمام و أغلقت على نفسي و بكيت بحرارة.

اليوم لم يعد للجاموسة المسكينة من يقلق بشأنها .. و اليوم ها أنا الحمد لله قد أقلعت عن التدخين و لكن بالمقابل صديقي العجوز أقلع عن الحياة.


  • 3

  • عبد الكريم واكنيم
    مهتم بعلوم الأحياء، تخصص فيزيولوجيا و الصحة، مهتم بالشعر و فيلسوف نجيب و لا زلت كاتبا فاشلا ❤
   نشر في 24 أبريل 2019 .

التعليقات

Abdelghani moussaoui منذ 3 أسبوع
و ما أروعها من قصة ..رغم نهايتها الحزينة ..
كلمات بسيطة تحمل معنا عميقا و تترك أثرا بدواخلنا الهشة ...جميلة و مميزة
أبدعت حقا ..
كل التوفيق
1
عبد الكريم واكنيم
شكرا على مرورك الجميل ❤
عبد الكريم واكنيم
مشكور على مرورك الجميل ❤
Nora Mohammed⚜️ منذ 4 أسبوع
رحمه الله عليه
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا