كنت رقم 16 .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كنت رقم 16 ..

مذكراتي ..

  نشر في 10 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

غرفة لا أعرف لها رقما ولا شريكا ..أجلسوني بداخلها للساعات في وحدة الروح الباردة ،وهم الخروج منها يتلاشى كل يوم و الجميع يحدق بي و كأنني أسطورة الغرابة ..يوجد بداخلها خواء ووحشة ،أدركت منذ ليلتي الأولى أنني مختلفة عنهم ولم أعلم قط أن الأمر سيطول ..لا أعرف كم من الوقت مضى جل ما أعرفه أن نافذتي الصغيرة تقول لي عن احوال الطقس و مرور أربع فصول مختلفة لأربع مرات متتالية .

لا أعرف ماذا يوجد خارج سور هذه الحجرة فكل يوم يتكرر نفس الروتين ..سيدة شمطاء و متعجرفة تمسكني بقوة من يدي كأنني عمياء أو خطر على الغير ..تنعتني بالرقم 16 !

هل إسمي هو رقم مزدوج ..لا أعلم ! 

فهي تصطحبني كل يوم إلى ساحة كبيرة و تظل تراقبني بتلك العيون الحادة السوداء ..اليوم مثلا ،رأيت رجالا و نساءا يحملون أرقاما مختلفة مثلي و بعضهم يحدث الاشئ و آخر يبتسم بغرابة ..هل هم مجانين !؟

جلست أراقبهم حتى أدخلونا بتتابع إلى حجراتنا و لا أسمع سوى ضحكاتهن "مرافقات النزلاء أو المرضى !" ووجوه بعض الأشخاص الحاملين لأرقام مختلفة تظهر عليها بوادر الموت المبكر كأن أجسادهم مجرد خيالات شاحبة سلبت منها الحياة ذات يوم ..لا أنظر للمرآة أو لا أجدها !

ربما لو نظرت مرة واحدة بتصفح إليها لعلمت من أكون ..جل ما تتحسسه يداي من ملامحي لا أذكره ،مجرد خطوط و ترهلات قد تجيبني على سؤال واحد ..أن زمني قد تغير و أصبحت لا أعرف هذا الجسد و لا كيف ذبل هكذا .

أنا رقم 16 وسط ظلمة و هدوء غرفة موحشة جلست لأكتب هاته الكلمات  بعد أن لجأت لخفة يدي التي لا يعلم بها المحيطون بي فأخذت من تلك السيدة قلم وورقة عليها ختم غريب ..ومن يبالي فالأيام هنا كفيلة بأن تجعلنا مجانين !

في صباح اليوم التالي سمعت صوت كعب نسائي عالي يقترب أكثر و أكثر إلى غرفتي ثم دخلت سيدة أنيقة وواثقة الخطى إلي ..إقتربت أكثر مني ثم أخذت لنفسها مكانا على سريري و ظلت تحدق بي !!

لم تتفوه بكلمة ..ثم تركت لي كتابا و خرجت كان الكتاب لا يحمل عنوانا و لا مضمونا أوراقه بيضاء لا توجد عليه كلمة واحدة فلم أدرك أنها رأتني حين إستعرت ورقة و قلم من جيب تلك السيدة فبعد ذاك اللقاء قالت لي مرافقتي أنه يمكن لي أن أكتب ما أريد في ذاك الكتاب ..قلت لها " لكل كاتب إسم و أنا لا أحمل إسما مجرد رقم !" 

قالت لي : لا يهم إن كنت تملكين إسما أو رقما فمن سيقرأه !

حزنت لقولها و أيقنت أنها تدرك حالتي أو قصتي ..على طول ذاك المرر الطويل المؤدي إلى الساحة الكبيرة كنت لا أرى سوى غرفا متشابهة و مغلفة فكلما كنا نقترب من تلك الساحة أتردد في أن أسألها ..وصلت إلى تلك الساحة فوجدت نفس الأشخاص يجلس بعضهم كالصنم من دون حراك و آخرون يضحكون و يتمتمون ..فضاق صدري من هاته الحال فجلست منطوية على كرسي فارغ و نظرت إليهن "المرافقات " كم هن سعيدات و محظوظات فهن يملكن أسماء مختلفة و سيغادرن إلى الخارج بالتأكيد ..بركان من الأسئلة يكاد ينفجر و لا أجد من أسأله !

مر أسبوعان و أنا أكتب و لا أعلم هل سأخرج يوما و أكف عن الكتابة في نفس المكان و الزمان ..فالزمن هنا متوقف حتى الساعة لا أملكها ! 

ذات يوم كنت أكتب وسط الساحة الكبيرة فجاء زائر إلي ..و يا للغرابة منذ سنين طويلة لم أتكلم مع أحد فمن يكون !؟

دخل إلى غرفتي فكان رجلا طويلا جميل الطلة ..يملك إبتسامة رائعة و كأنه يعرفني من قبل !

جلس بجانبي و أمسك بيدي فقال لي : 

كيف حالك ؟

لم أجبه ..لم أجد رغبة في الحديث معه ،بدا لي و كأنه يتملقني أو يحاول ذلك ،ذهب بعد أن ظل يتحدث و يتحدث ..رغم منظره الجميل إلا أنه فاشل في بدء أي حوار !

ثم في اليوم التالي دخل علي و نظر إلي بإبتسامته الغريبة و قال : 

أظن أنك عشت تجربتك وسط هؤلاء المجانين كما أردت دكتورة ؟

قلت له : هل تستفزني ..لا يوجد سوانا ؟!

قال : أنت هنا منذ أسبوعين ..أنت طبيبة نفسية و أنا زميل لك ،هذه تجربة فقط !

أنا لست مريضة !

لكن أنا هنا منذ سنوات !!

قال لي ضاحكا : نعم لكن كطبيبة فقط !

لا أعلم لما أحسست بعد قوله هذا أنني في المكان الصحيح و أنني كنت على شفا حفرة من الجنون ..خرجت معه من غرفتي و الشك يساورني بخصوص قوله هذا ،فكان الجميع يبتسم في وجهي و ذهبت إلى خارج ذاك الممر فوجدت مجموعة أشخاص ينادونني بإسمي و يرحبون بي ..فكانت أول فكرة خطرت ببالي هي : لو كنت حقا كهؤلاء المرضى من كان سيقرأ ما كتبت ؟!

بعد هذا الحادث وزعت قلما و كتاب على هؤلاء فربما كان من بينهم من يريد أن نقرأ له يوما ..





  • 4

   نشر في 10 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

ABOUMUKHTAR⬇ منذ 6 شهر
للغرابة ، شاهدت فيلم أمريكي أنتج عام ١٩٧٥ " أحدهم طار فوق عش المجانين " somebody flew over the cuckoo nest _ من بطولة جاك نيكلسون ، لا يبتعد كثيرا عن مقالك الآنف ، هناك خيط رفيع بين الجنون والعبقرية . الأحداث وطريقة تفسيرها هي الحد الفاصل بين الجنون والعقل . غالبا نجد رد فعل مبالغ به لدى بعض الأشخاص ، ربما هو ما يعطينا انطباع الجنون ..
شكرا لك ، go ahead
1
ابتسام الضاوي
لم أشاهد الفلم صراحة لكن سأفعل ..شكرا لك و رمضانك كريم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا