المجاملة والرياء.. أعداء الرقي الإنساني..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المجاملة والرياء.. أعداء الرقي الإنساني..!

لا شك أن المتغيرات الإجتماعية الأعظم في حياة البشر يقوم بها ويتبناها البسطاء والفقراء منهم، وفي هذا تكون الحاجة للتغيير المصحوبة دائماً بإصرار على إقتناص حق الحرية في تقرير المصير هي الدافع الأساسي، وليس أقوال أو نصائح المصلحين المأجورين ممن يطلقون على أنفسهم خبراء في مسارات السياسة والدين..!

  نشر في 15 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2020 .



بقلم/ محمد أحمد فؤاد

مؤخراً، بدت لدينا معايير الأخلاق مختلطة ومشوهة إلى حد مثير للريبة والدهشة.. وربما لن أكون مجحفاً إذا أرجعت هذا بصورة أساسية إلى الإخفاق الواضح في سياق سيطرة التوجه التوعوي السلبي الذي يُبث بشكل رسمي عبر الوسائط المتعددة من صفحات وشاشات وتطبيقات على أنواعها، وكذلك السعي لرقمنة مناحي الحياة برمتها دونما استعداد إنساني كاف، الأمر الذي أصبح الوسيلة الأكثر فاعلية لدى الأنظمة الشمولية لتشكيل وجدان بسطاء العوام ممن باتوا تحت سطوة التوجيه المعنوي قسراً في مقابل عزوف ملحوظ عن أي محاولات جادة لإحداث نهضة فكرية من شأنها أن تخترق جدار هذا الجهل المزمن..!

الخطر يكمن في سهولة وصول المواد الرديئة إلى المتابع مع تعدد مصادرها شبه المجانية، بالطبع على حساب المنتج الجاد الأخذ في التواري بفعل فساد "أو تعمد إفساد" الذوق العام، ليس هذا فقط، بل وبسبب ملاحقة تلك المواد للجميع في كل الأوقات وكافة الأمكنة من خلال التطبيقات الذكية التي ترصد إهتماماتهم عبر إحصائيات المتابعات والبحث على الشبكة المعلوماتية التي أصبحت بدورها أشبه بعنكبوت ضخم متوحش، يحتوي الجميع بخيوطه الدقيقة والمُحكمة..!

صار قياس الحالة الضميرية للإنسان لا يحتاج للشق عن الصدور لمعرفة النوايا أو التوجهات، فقط يكفي الإطلاع على ذاكرة هاتف أحدهم أو جهاز الحاسب الآلي الخاص به أو بعمله لمعرفة كل شئ عنه، حتى ما يتعلق بأدق أموره خصوصية.. وهذا هو محور حديثنا عن المناحي السلوكية في ضوابط العلاقات بين البشر، تلك التي يقوم أغلبنا بالشكوى المتكررة منها بفعل ما إعتراها من فتور أو تدهور ملحوظ، وما تلى ذلك من تراجع عن الإهتمام بالجانب الشعوري والعاطفي والإنساني منها، الأمر الذي وصل إلى طغيان مخيف لمفردات الكراهية والعنف اللفظي والبدني، وأيضاً القطيعة والإنفصال في بعض الحالات الإجتماعية على مستوى الأسرة والصداقة والجيرة..!

دعونا نتفق أن العنصر الأهم في نجاح أي منظومة مجتمعية هو الصراحة بمفهومها العام، أي إظهار شعور النفس على حقيقته بوضوح دون زيف أو مواربة، وهذا بالطبع يتطلب مقادير متفاوتة من الشجاعة بحسب نوع العلاقة أو الموقف.. ثم يأتي دور العقل والمشاعر في ضبط إيقاع هذا المنحى السلوكي البشري فيصعدا به إلى مراتب التحضر واللياقة، أو يهبطان به إلى مستويات السوقة والدونية.. والصراحة هي خُلق فطري في الإنسان، على عكس الرياء والنفاق والمجاملة التي هي مستحدثات مصطنعة أوجدها تداول الحاجة والعوز بين الناس، ففي المجتمعات البدائية والقرى النائية حيث تقتصر حاجة الإنسان على ساعده أي قدراته الشخصية، تستطيع رصد الغلظة والخشونة في اللغة والمفردات، وترى الأفراد هناك أبعد ما يكونوا في أحاديثهم العامة عن الكياسة أو التزويق أو إنتقاء الألفاظ بعناية حيث لا يعتقدون بأن هناك حاجة لذلك، ويظهر هذا جلياً بين النساء الجاهلات بالحاجات المعنوية في أمور المعاشرة والمسامرة وتبادل العواطف، فالصراحة عندهن على أتمها لأنه قل أن توجد بينهن إمرأة تحتاج في مؤنتها الحياتية إلى أخرى، وذلك لإعتماد غالبيتهن من هذه الوجهة على الرجال.، وكذا على النصائح المتوارثة داخل نطاق الأسرة.

ومتى إزدحمت الأعمال حتى في المجتمعات المتحضرة، وإنشغل كل فرد بعمله وزادت مساحة الإعتماد على النفس، تجد تراجع ملحوظ في كم المجاملات الفارغة ومقتضيات الرياء والزيف، وإقتصار الناس من المعاملات على الضروري والمفيد والبعد عن اللغو والهذر.. وربما كان في هذا تفسيراً لتلك الجفوة التي عُرف بها العنصر الساكسوني في ألمانيا وأمريكا وإنجلترا، والتي كانت من لزائم الإعتماد على النفس وإستقلال الفكر، وهم الخلقان الذان إمتاز بهما أبناء هذا العنصر بين عناصر البشر في معاملاتهم، وهو على عكس ما لدينا في الأصقاع الشرقية حيث يمكن أن نرجع المجاملات المستسمجة بيننا إلى عدم إستقلالنا فكرياً والزهد المريب في الإعتماد على النفس والتعويل على غيرنا قبل أنفسنا في قضاء الحوائج، تماما كما هو واضح في بلاد النفط بالجزيرة العربية..

لا شك أن المتغيرات الإجتماعية الأعظم في حياة البشر يقوم بها ويتبناها البسطاء والفقراء منهم، ببساطة لأنهم هم الأكثر إحتياجاً لحدوث تلك المتغيرات لإيجاد تحسن في نمط معيشتهم.. وفي هذا تكون الحاجة للتغيير المصحوبة دائماً بإصرار على إقتناص حق الحرية في تقرير المصير هي الدافع الأساسي، وليس أقوال أو نصائح المصلحين المأجورين ممن يطلقون على أنفسهم خبراء في مسارات السياسة والدين، وتجدهم يتذرعون مثلاً بأن الفصل بين الجنسين هو من الفضائل التي تؤدي إلى منع الأضرار، وفي هذا هم يخدمون في بلاط الأنظمة القمعية التي تعتقد أن تحييد الناس جميعاً وتكميم الأفواه أمر يكفي لمنع المعارضة أو الإعتراض وبالتالي إعفائهم من المسائلة..

الخلاصة هي أن الرقي البشري مرهون دائماً بوصول الإنسان إلى درجة من الحرية تكون فيها إرادته قانونه.. وحينها يحدث توافق في الإيقاع مع أي سلطة تحكمه، وكذلك تتوارى سلبيات الرياء والنفاق والمجاملة التي أحسبها تفسد أي نظام إجتماعي..!


  • 5

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 15 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2020 .

التعليقات

أماني منذ 7 شهر
تعبير كلماتك حقيقي ورائع سيد محمد
1
mohamed A. Fouad
جزيل الشكر لحضرتك على المتابعة والتعقيب الكريم.. أتمنى دائماً أن يكون المحتوى على قدر من التوازن وأن يحمل شيئاً من الإفادة لما للكلمة من مسؤلية جسيمة.. أكرر شكري وإمتناني..!

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا