الكاتب و الدمية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الكاتب و الدمية

قصّة قصيرة

  نشر في 21 ماي 2016 .

                               " الابتسامة المفقودة "


في أحد الأيام، كان كاتب يتجول في الشارع، فوجد دمية متسخة صغيرة بلا فم، دون أن يلاحظ الفراشة التي ترافقها، فحملها ثم اتجه إلى البيت مباشرة صوب غرفته، نظفها مسح الغبار المتراكم عليها، رسم ابتسامة بقلمه و وضعها على مكتبه، بعد أيام أصبح كلما يكتب شيئا يقرأه عليها، أصبحت جزءا منه، لكن في كل مرة يرسم ابتسامة عليها تختفي مع كل إطلالة، و كل مرة يرسم لها شخصية في خياله، كالمتذمرة أو المعقدة.

أغلب شخصياته كانت سلبية، لأن تلك الابتسامة المخفية تؤثر على كيانها، و كان يصفها بالحنونة تارة و السلبية تارة أخرى فيتركها، لكن سرعان ما يرى بريق عينيها الذي يفقده غضبه، فتصبح شبه ابتسامة.

مرت الأيام و بدأت تلك الابتسامة بالظهور، بل كلما رسمها إلا و بقي منها شيء بسيط يزداد مع الوقت، فنتيجة تعب الكاتب بدأت بالظهور، تعلق بها كثيرا فأصبحت جزءا منه، لقبها بالبسمة لتكون فال خير، كان يلاحظ تعلقها الكبير به الذي كان يخيفه كثيرا، يحس كأنها تقول له " أنت من أعطيتني حياتي و علمتني الابتسامة فأصبحت جزءا مني لن أفارقك مدى الحياة ".

في كل مرة تأتيه الفرص السّانحة ليرحل من تلك المدينة، يبدأ بجمع حقائبه فيجدها تبكي و تصبح البسمة حزنا شديدا، كأنها تقول له " أنت ملكي أنا و ليس لأحد غيري، فإن رحلت لن يوجد من يواسيني " حتى إن وضعها في الحقيبة تبكي، فوعدها بأنه سيبقى معها دائما، و لن يرحل عن ذاك البيت الصغير، و لن يتخلى عليها، أصبحت ملهمته حتى أنه قرر البدء في كتابة قصتهما التي أسماها " دميتي سعيدة ".

عادت الابتسامة من جديد فأصبحت تنام على وسادته بجانب رأسه، تعلقا ببعضهما، قال لها في أحد الأوقات " أنت و قطتي متشابهتين، تخدشانني تعضانني تغضبانني، لكني لا أستطيع رفض نومكما فوق صدري و مساعدتكما على الارتياح "، أحس إحساسا غريبا، ذاك الاهتمام الكبير جعله نصفها الأخر، كأن روحه سكنت فيها، بدءا في مرحلة التغيير فأصبحت ايجابية لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن ...

                                        حبّ شفيف.. !


انشغل الكاتب ببعض الأعمال، ليهملها و يضعها في ركن فوق مكتبه بعدما كانت تنام بجانبه، لكن لماذا ظهرت الفراشة أم جنية صغيرة، للأسف سقطت الابتسامة، و تجمع عليها أثار الحزن و السعيدة تعست، أما هي لا حول لها و لا قوة، تريد الصراخ لكنها دمية، تبكي و لا ينزل لها دمع، اختفت الابتسامة و تاهت بين وسوسات الجنية، و إذا بريح قوية تدخل غرفته فتطيرها، ففرحت من كنا نظن أنها فراشة ترمز للخير، للأسف أظهرت وجهها الحقيقي لتصبح جنية، دخل الكاتب فلم يجدها، صعق صديقنا و ندم على إهماله لها، فرمى كتبه و غضب كثيرا ليخرج و يبحث عنها، يسأل الأطفال، يبحث في القمامة، كمن تاهت منه حبيبته، يركض و عقله معها، أخيرا ... وجدها متسخة و ممسوحة الابتسامة، كانت فرحة ملطخة بدماء الحزن، رجعت إلى نفس حالتها في البداية، رسم ثم اختفاء ... لكنه يكفيه أنه وجد من يفهمه، فأعاد كلماته عليها " أنت و قطتي متشابهتين، تخدشانني تعضانني تغضبانني، لكني لا أستطيع رفض نومكما فوق صدري و مساعدتكما على الارتياح " كما أضاف " لا أريد من يلهوا بك يوما و يرميك في اليوم الموالي، أنت أصبحت جزءا مني، أخاف عليك كنفسي، أحبك أكثر مني، فلا تغيبي عني و إن قررت الابتعاد فوصيتي تحت رأسك احمليها و ارحلي " فأجابته في صمتها كالعادة " أنت من مسح الغبار عني مرات كثيرة، و أرجع الابتسامة لي مرات كثيرة، فأنت من يقويني في ضعفي، لن أرحل فأنا و قطتك ملكك "، تلك القشعريرة التي سارت بينها، و لتنتهي هذه القصة على بقاء الدمية فوق وسادة الكاتب.

                                 " ما بعد الابتسامة "


مرت أكثر من سنة، و الدمية على مخدة الكاتب، يحكي لها الأسرار، يحبها و يتمنى أنها لو أصبحت فتاة مثلما يتوقعها، يكتب عليها شعره، يغازلها، تنام جنبه، و تلعب بشعر، تغضب منه فيصالحها، عندما ينظر في عينيها ينسى همه، هكذا تمنى الكاتب الذي لم يظن يوما، أن أمنيته ستتحقق لكن – ليس كل ما نتمناه يتحقق – نصف أمنية و النصف المضاف إليها كارثة، تلك القصة التي بدأت بالبحث عن ابتسامة، فهذه الأخيرة وجدت، لكن - نبتسم و دماء في قلوبنا – مع من سينطبق هذا المثل ؟ و على من ؟

                                  الحلم أصبح حقيقة..


عندما تمنى الكاتب، أن تتحول الدمية إلى أثنى، قبلت تلك الجنية طلبه و حولتها، إلى أنثى آية في الجمال، تشبه ما كان يرسم لها في خياله، ففي الصباح استيقظ على سكون و هي أنثى، تبهر الناظر إليها، عجيب أمرهما، و أنتم تتساءلون لماذا الشاعر بعد تحقيق أمنيته يبكي ؟ و بما أن الدمية أصبحت أنثى، يجب أن يصرخ فرحا، ليست المشكلة في الدمية، بل المصيبة فيما وصل إليه، للأسف أصبح هو الدمية، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن أحيانا.

في الصباح الموالي لتمنيه الأمنية، التي أصبحت تدمره، فوق المخدة تلك الأنثى الجميلة التي تشبه حبيبتي، أما الكاتب المسكين مغطى بالغطاء، و هو على هيئة دمية، دب صغير يصفق و يغني، أما داخله فيبكي دما، انقلبت الموازين، فالجنية فعلت ما أرادت لنصبح في ما بعد الابتسامة.

سيطر الحزن على الكاتب، و انغمرت الدمية فرحا، نسيت فهو الدمية، و هي الكاتبة.

تلك الدمية التي قررت البحث عن ذاتها كأنثى، تكون شخصية مستقلة، تكون علاقات، تبحث عن شبيه للدمية أقصد الكاتب، لكن هذا الأخير أصبح قدره بين يديها، عندما تغضب تأتي إليه، فتأمره بالتصفيق و الغناء، ليغني و يصفق و بداخله دماء تريد الخروج، لتقول " أحبك، احبك سأبتسم لأني أحبك "، كانت تغازله أحيانا و تلومه أحيانا أخرى، فتسرد عما يحدث لها، في بعض الأوقات ينام على المخدة و أخرى على المكتب، يبكي أحيانا و هو يغني لها، وسط تلك الأحزان و الأفراح، تناقضات جاءت الأنثى فرحة ليصفق و يغني الدمية اشتياقا لها و فرحا لفرحها، عانقته بقوة، و قالت له أنها ...

دون ذكر، أو تذكر الأحداث السابقة، سننطلق عن لهفتنا لمعرفة لماذا عانقته، هل سيكون فرحا أو قرحا ؟ التضحية هي مفتاح الانسجام الروحي.

عانقته، و لقد قبلت أمنيتها الجميلة، إما أن ترجع على طبيعتها و يأخذ هو مكانه الطبيعي، الكاتب و الدمية، فقالت له " أنت أنا، أخذت روحي مني، أحسست بك، اشتركنا في إظهار ابتسامة لبعضنا و قلوبنا تسكب دماءا، نعم أنا أحبك، أحبك يا من أعطاني ابتسامته، و أهداني الأمل، أحبك، كنا دمية و كاتب لنصبح أنثى و دمية، كل يبكي دما بطريقته، هل أذكرك بكلامك الأول أنا و قطتك متشابهتان، فقلت يا حبيبي أني ملكك و لن أكون لغيرك، لأننا واحد، إما دميتين أو إنسانين، فاختر أنت لأني راضية على اختيارك، احبك، نبتسم و في قلوبنا دماء "، بكى الاثنان كثير و طويل، ليصفق الدب و يغني، فنسمع ضحكات الدمية، نعم قبل الطلب هو يصفق و يغني و هي تضحك، قبل الطلب هو يصفق و يغني و هي تضحك.


  • 4

   نشر في 21 ماي 2016 .

التعليقات

oualid منذ 6 شهر
قصة جميلة ،يمتزج فيهاالخيالي بالواقعي
0
الحطابي المصطفى
شكرا كثيرا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا