ألبحث عن وطن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ألبحث عن وطن

بقلم : محمد علي نورحسين

  نشر في 22 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .



إستيقظت على صوت امي وهي تناديني لتناول الفطور ،نهضت وانا مستاء من هذا الروتين الذي اعيشه .. إلى متى سأعيش في هذا المكان وعلى هذه الطريقة .. اود ان اخرج من هذا البلد لأجد بعض الحرية وبعض المال لأكون شخصا ما.. ليس اكثر .. اود ان اكون مثل إخوتي واصدقائي اللذين هاجرو من هذه البلد الكئيبة المنفرة لأبنائها .. لقد تغير حالهم وأصبح كل شخص فيهم لديه حياته الخاصة ومال يستطيع ان يفعل به ما يشاء .. وانا هنا لا املك مالا ولا رأيا في ما يجري حولي من امور الدنيا وما فيها .. إصمت هو شعار لتربية كل أب و أم لأبنائهم في بلدنا الكئيب ..

هل ستأتي لتناول الفطور ام ارفع المائدة يا احمد ؟  قالتها امي وقد بان في صوتها انها مزعوجة من شيئ ما فليس من عادتها ان تناديني اكثر من مرة إلا إذا كانت تود ان تتحدث معي في امر ما.

وانا اتناول افطاري كنت انتظر امي لتتحدث عن ما يشغل بالها ... لكنها لم تتحدث بل كانت تنظر لي بعين تملئها الحزن والخوف ... الخوف هو شعور يلازمنا منذ قديم الزمان نحن الشعب الإريتري .. فلولا الخوف ما عشنا .

قالت لي امي وهي تكاد ان تتقطع من الحزن ارجوك يا احمد لا تسلك طريق اخوتك وتتركني وحدي .. لن احتمل العيش لوحدي ارجوك ... لقد طعنت في السن ولن اعيش مدة كافية لأراك مرة اخرى ... سالت على خد امي دمعة كانت كفيلة ان تجعل من وعدي لها صادقا .. هل تسمع الأمهات ما يدور في رؤسنا من افكار ام هو احساسهم الداخلي ام ان وجوهنا نحن الابناء مفضوحة امامهم !!!

داومت على هذا الروتين القاتل شهور عديدة استيقظ من النوم واحاول ان ارتب يومي او بالأصح احاول ان اجعل يومي فوضوي بتغير عاداتي اليومية مثلا لن اذهب إلى صالح صديقي لاتجاذب معه بعض اطراف الحديث ومعرفة بعض اخبار اصدقائنا الذين فرو..نجو.. من هذه البلد كما فعلت البارحة ولكن سأذهب ألى شارع كمشتاتو واحتسي بعض القهوة وأقرأ صحيفة اريتريا الحديثة فهي الخيار الوحيد لمعرفة اخبار البلد وما حولها من البلاد .. لا تستغرب عندما اقول لك جريدة واحدة ليس لانه ليس لدينا صحفين او امكانيات مادية... لا ابدا... ولكن حتى لا يزدحم عقلنا بالكثير من الأراء المختلفة والاخبار الملفقة كما يشاع .. ويشوه ما بناه الاستعمار الداخلي .. وأحاول ان لا اتورط في المشاكل فأنا لا احمل اوراق تعفيني من الخدمة الوطنية التي كانت سبب رئيسي في ان يهاجر معظم الشباب وبعض الشيب ..هل كتب علينا ان نكون ضيوفا في بلادنا ويستمتع بها اشخاص من جنسيات اخرى !! ام ان الوضع سيتغير لو هاجرنا إلا بلاد اخرى وسنعامل نفس المعاملة التي يعامل بها الغريب في بلادنا ....

مضت ثمانية شهور على حديث امي لي وأنا كما انا أفي بوعدي لها بطرد الافكار التي تقول لي ان اخرج وابحث عن الطريق إلى الجنة .

مرضت امي مرضا شديدا وكان الحل ان تسافر خارج البلاد للعلاج ولكن لم نستطيع ان نجد لها احدا يتوسط لمنحنا تصريح بالسفر للخارج لعلاجها ... توفيت امي ولم تترك لي غير اعفاء من الوعد بأن لا اغادر الوطن ...

لم اكذب على نفسي بأن اصبر وانتظر ان انسي وفاة امي ولكن بدأت بالتخطيط للخروج من البلد وكان على في البدء ان اجد سمسار لتهريبي من اسمرا لحدود السودان .

كنت ابحث في منتهى السرية عن من يقوم بمثل هذا العمل وبعد عناء وجدت من يقوم به مقابل مبلغ وقدره خمسة ألاف دولار هي حصيلة عشرة تحويلات من إخوتي في الخارج على مدار عام ... وبدأت الرحلة ولم يكن هناك اي طريقة للتراجع .

بدأت تجهيزات الرحلة من داخل مبنى حكومي تابع لوزارة الزراعة على ما اعتقد وبعد أن اكتملت المجموعة المكونة من اربعة اشخاص يودون الهروب من الجحيم وشخصين يملكون خريطة الخروج من الجحيم ولا يودن الخروج لأن الجحيم بالنسبة لهم جنة عدن !.

تم إعطاء كل فرد منا نحن الاربعة اوراق تثبت اننا ذاهبون إالى مدينة (تسني) لنقوم ببعض البحوث التي تخص وزارة الزراعة .

بدأنا التحرك في تمام الساعة الخامسة واالنصف صباحا ... كان التوتر سيد الموقف في تلك الساعة والخوف يسري مع الدم في نفس الشريان .. قبل لحظة التحرك لم نكن نُحس بما نفعل او نفكر في عواقب هذه الفعلة ..اما الأن فأنا متأكد ان كل شخص في هذه العربة قد تصور انه لو تم الإمساك بنا فسوف يكون الموت عقابا رحيما لفعلتنا هذه .

كان الصمت يخيم علينا مدة خمسة عشرة دقيقة حتى لاح لنا كمين تابع للجيش في بوابة الخروج من مدينة (اسمرا) في تلك اللحظة فقط فُتحت الافواه ولكن لم يسمع صوت اي شخص منا ... فقط الخوف فعل بنا هذا واصبحنا مثل الاغبياء اللذين لا يدرون ماذا يقولون او ماذا يفعلون .. توقفت العربة امام الكمين وإقترب في إتجاهنا شخص يلبس الملابس الرسمية للجيش ويمسك في يده كشاف اضائه في لوحة العربة ليحدد هوية العربة .

لم اقل لكم أن العربة تخص احد الرتب الكبيرة التي تعمل في وزارة الزراعة !!! نعم فهي تخص مسؤل كبير في وزارة الزراعة وله اليد الطولى في تهريب كل الشباب الاريتري .. طبعا ليس حبا لشباب الوطن وخوفا عليه من ظلم النظام ، لا ابدا ولكن حبا في الدولار واخوه الريال .

كان معنا شخص في العربة هو المسؤل الخاص بالرحلة وهو من اعطانا الاوراق التي تثبت اننا في رحلة لنقوم بأبحاث لوزارة الزراعة وهو من يتحدث نيابة عن المجموعة وقد كان .

امر العسكري السائق ان يفتح زجاج العربة ويخرج الاوراق الخاصة بها ، ثم أمرنا ان نخرج التصريح الخاص بمغادرة المدينة لكل واحد منا .. عن نفسي لم احس بأي شيئ او بالأصح كنت في شبه غيبوبة من الخوف .. اما عن باقي المجموعة فقد علمت في ما بعد انهم كانو مثلي او اسوء مني ..؟ اما عن الفتاة التي كانت معنا فهي من ابناء النظام وقد قررت الهروب معنا ، نعم كانت معنا فتاة وقد نسيت ان اذكر امرها في البداية ... لا تزال المغامرة في اولها فلا تستعجل قصة الفتاة.

بعد مرور ثلاث ساعات او يزيد وصلنا الى مدينة (كرن ) وكان علينا ان نراجع مكتب الأمن ونذهب للمبنى التابع لوزارة الزراعة حتى لا يشك احد فينا او نكون مراقبين من جهة ما ، في بلادنا الشك والحذر واجب للعيش بسلام .

قرر المسؤل عن الرحلة ان نغادر في اليوم الثاني ، ولكن كان الخوف يتملكنا وقلنا له نود الذهاب اليوم حتى .. لم نتم حديثنا حتى صرخ في وجوهنا قائلا .. هل تعتقدون ان الامر بهذه السهولة تخرجون صباحا من بيوتكم وتكونون بالمساء في حدود البلاد هل هي فوضى هل تعتقدون أن من السهل التدبير للخروج من هذه البلاد و...... تغير هذا الانسان العادي في نظرنا الى احد مسؤلي النظام الحاقدين على الشعب ليس لسبب ...فقط لانه هو من اتى بالإستقلال , نعم فمن حقه ان يستعبدنا . كان الصمت وسيلة دفاعية من وجهة نظرنا نحن .. لذا إحتضناه كما تحتضن الأم طفلها .

قضينا اليوم بطوله في المناطق النائية ، كان من ضمن الخطة ان نقوم بتمثيل اننا حقا من وزارة الزراعة ونجري بعض الابحاث على التربة ونوعها وهل تصلح للزراعة ومثل هذه الاشياء الخاصة بالباحثين في هذا المجال حتى لا يشك فينا احد .

إستيقظنا في اليوم التالي ونحن نشكو من الصداع فلم ينام اي احد من المجموعة اكثر من ساعتين من كثرة الخوف والتفكير .. باشرنا الرحلة متجهين لمدينة تسني وقد ملئ الامل قلوبنا فها هي العربة تطوي الطريق في سرعة تماثل سرعة تفكيرنا في الخروج من هذا الكابوس كأننا كنا ندعمها بتفكيرنا واحساسنا لتزيد سرعتها . ولكن في مكان لا يخطر على بال اي احد، ظهر كمين للجيش وفي لحظات فقط تغير كل شيئ .. تغير الأمل والتفاؤل إلى شيئ واحد الخوف والخوف الشديد.

كانت اوامر واضحة وصارمة بأن يتم تفتيش السيارة بالكامل، وان يتم إنزالنا منها وأن نُفتش تفتيش ذاتي .. وكانت الطامة الكبرى فقد كان في حوزتنا ما يقارب الخمسة الاف دولار، كنا قد اعطينا المسؤل عن الرحلة المبلغ المتفق عليه قبل ان نتحرك ،،حيازة عملة اجنبية ،، هذه لوحدها جريمة كافية لنسجن مدى الحياة .. في تلك اللحظة كنت انظر لوجه المرافقين لي واسأل نفسي من منهم يمكن ان يكون قد بلغ عنا هل هو المسؤل ام السائق ام هي الفتاة فقد علمت انها كانت من الكوادر النشطين للحزب الحاكم ام يكون احد الشابين اللذين معنا ؟.. تبا لقد ضعت وضاع مستقبلي .

تحرك المسؤل عن الرحلة بكل بساطة وتحدث مع الضابط المتواجد على رأس الكمين لمدة ثواني فقط وقال له كلمات كأنها سحر ، إعتذر الضابط وأمر رجاله بأن يسمحو للعربة بالمرور وقبل ان نتحرك نادى المسؤل عن الرحلة الضابط وعندما اقترب منه اخرج له ظرفا واعطاه له خفية عن جنوده .

تحركنا مرة اخرى ونحن لا نصدق اننا نجونا مرة اخرى من بين مخالب الذئاب , كان ضغطنا يرتفع وينخفض على حسب رؤيتنا لي اي شخص يلبس الملابس الخاصة بالجيش حتى وصولنا مدينة تسني الحدودية .

وكالعادة كان يتوجب علينا ان نذهب الى مكتب الأمن ومبنى وزارة الزراعة حتى لا يشك احد ، وقد كان .

تم الحجز لنا في فندق متواضع لمدة اسبوع وتم الدفع نيابة عنا من قبل الشخص المسؤل عن الرحلة .. كنت حانقا جدا فلم يقل لي احد اننا سنمكث اسبوعا في مدينة (تسني)  .. خرجنا بعد ساعة من وصولنا للفندق لتناول الغداء في السوق الشعبي لمدينة تسني .. ذهبنا كُلنا.. كنا نُحس أننا مراقبون وان شخصا ما سيأتي ويلقي القبض علينا .. ولم يحدث !

وبينما نحن نتناول الغداء اتى شخص والقى علينا التحية وقال جملة واحد فقط .. نحن نفتح المطعم حتى الساعة الحادية عشر فقط .

لم اهتم به كثيرا ولكن بان الاهتمام على الفتاة التي كانت معنا وابتسمت في رضا , ذهبت بخيالي بعيدا ولكن لم اوصل لشيئ لأن المجموعة كانت تنوي الرحيل .

في تمام الساعة العاشرة تم ايقاظي من النوم وقالو لي خذ اغراضك معك سنغير الفندق وكان هناك شيئ غير تغير الفندق ولكن لم اعرف ما هو اخذنا اغراضنا وقالو لنا انه يوجد فندق حديث في وسط السوق الشعبي ذا اسم ايطالي سيكون مريحا لنا .. وقبل ان ندخل الى الفندق قال المسؤل لنا اننا يجب نتناول العشاء في نفس المكان الذي تناولنا فيه الغداء لانه مكان محترم وليس فيه اي ازعاج او شباب سكارى، ذهبنا إليه ونحن نحمل اغراضنا في ايدينا كأننا مطرودون من مكان ما.. وبينما نحنا نتناول العشاء اتى نفس الشخص ورحب بنا وقال ان كل شيئ جاهز ويجب علينا ان نتحرك الان ، الان؟ قالها احدنا ولا اعلم من هو، من الممكن ان اكون انا .

خرجنا من الباب الخلفي للمطعم وكانت هناك عربة بوكس في انتظارنا وتحركت بنا من غير ان تنير اضوائها لم استطيع ان اميز الطريق ولكن بعد حوالي النصف ساعة ابطئ الرجل سرعة السيارة كأنه يتبين الطريق ، قف قف يااااااااااااا أحمد قف .. كان صوتا غير مألوف ولكن كان يدعونا للوقوف وكان ينادي على اسمي فتوقنا وتوقف الدم في مجراه .

لم يكن هذا الشخص بعيدا عنا ولكن كان للظلام كلمته في تلك اللحظة , إقترب منا وهو يلهث فقد كان يجري بكل قوته كما تبين لنا ... المهم لم يكن هذا الشخص ينادي علي انا , بل كان ينادي على سائق العربة البوكس التي كنا نستقلها للهروب .

احمد ليس اسمه حتى بل هو اسم مستعار للعمل وهو ما اغضبني , فقد كنت قاب قوسين او ادنى من ان اقفز من العربة خوفا عندما سمعت اسمي .

تحدث الرجل وهو ايضا يحمل اسم احمد ونبه السائق ان قوة من الجيش تبحث في المنطقة التي سنحاول الخروج منها فيجب ان نكون حذرين حتى لا يلقى القبض علينا .

عندما سمعنا حديثه كان للخوف مفعول السم الفتاك في الوصول للقلب وخارت قوانا ولم نعد ندري ما نفعل , ولم يتوجب علينا ان نفعل اي شيئ ابدا ... فقد كان للمهربين طرق اخرى وهم واثقين ان الجيش لن يهتدي إلى طريقنا ابدا , ولكن كان من الصعب ان نجد الراحة والامان ونحن في مثل هذا الموقف .

هنا تحدثت من كان عليها الصمت .. الفتاة.. قالت انه علينا ان نعود إلى المدينة ونتحرك في الغد لديها إحساس أن الجيش لديه علم عن تحركنا , لمن لا يعلم عن كوادر النظام شيئ ... هم لا يخطئون إلا قليلا جدا .. لذا كان علينا ان نعيد التفكير في الخطوة القادمة , ولكن من نحن تحت رحمتهم لم يكونو ليقتنعون بمثل هذا الكلام , اللذي كان في نظرنا نحن صادر من خبير بالنظام وطرق تفكيره الخطيرة , اما بالنسبة لهم هو حديث فتاة كان يتوجب عليها الصمت ليس اكثر .

امر احمد صديقه بالاتصال برجل ما يسكن تلك المنطقة التي يبحث فيها الجيش , وأن يقوم بالخروج بالعربة البوكس الخاصة به ليضلل العربة التابعة للجيش وتقوم بمطاردته حتى يتسنى لنا ان نخرج من تلك المنطقة , وقد كان, وفارقنا احمد الثاني .

استئناف الرحلة لم يكن بالأمر الصعب بالنسبة لهؤلاء المهربين حتى بعد علمهم ان الجيش يقوم بدورية في تلك المنطقة , ولكن من نحن حتى نعترض ... او يكون لنا حتى رأي في مثل هذه الامور, نحن بالنسبة لهم لسنا سوى بضاعة ويجب ان يتم ايصال هذه البضاعة في زمن معين حتى يتم تجهيز البضاعة التي تليها وإنتهى .

تحركنا وكان كل من في العربة يدعو ربه ان يخرجه من هذا المكان دون ان يلقى القبض عليه ,كان احمد يقود العربة بسرعة معقولة حتى لا يثير الشكوك نحونا . وبعد ساعة من القيادة الهادئة لاحت لنا قرية صغيرة من الواضح ان احمد كان ينوي الذهاب إليها , وإقتربنا من القرية حتى لاح لنا الطريق الرئيسي المؤدي لداخل القرية , كنت احاول استنتاج الخطوة الثانية التي سيقوم بها احمد هل سيقوم بدخول القرية والمبيت فيها ام سيقوم بتغير العربة باخرى ام سنستقل الدواب من هنا ام ....إستيقظت من افكاري العقيمة على صوت انحراف وصرير اطارت العربة عندما قرر احمد فجأة ان يخرج عن الطريق المؤدي للقرية ويسلك طريق مملؤ بالأحجار وتنبت فيه اشجار قصيرة ذات اشواك ... كان الذهول الممزوج بالخوف يعتري الكل , فلم ندري ماذا نقول او نفعل غير ان نمسك بي اطراف العربة بكل ما نملك من قوة حتى لا نطير منها ونقع .

في تلك اللحظة فقط ايقنت ان ما كنت اراه على ما يسمى بتلفاز الواقع لم يكن بتمثيل كما كنت اعتقد , فقد كانت سرعة العربة التي نستقلها هائلة وكان للطريق دور في ان يعطي العربة بعض القفزات اللتي كادت ان تطيح بنا طائرين .

لم نكن نستطيع ان نرى اي شيئ فقد كانت سرعة العربة هائلة وكذلك كان الغبار يملء الجو ويمنعنا من الرؤيا و التنفس , ولكن بعد دقائق فقط من خروجنا عن الطريق المؤدي للقرية ظهرت خلفنا عربة وكانت تنير اضوائها بالكامل .

كل دقيقة تمر كانت تلك العربة تقترب منا بصورة مخيفة وكان احمد يزيد من سرعة العربة ليصل مرحلة كاد ان يفقد معها التحكم في العربة .

تبين لنا ان العربة تابعة للجيش وهي التي كان احمد يتحدث عنها ويبدو انهم لم يبتلعو الطعم ويطاردو الرجل الاخر الذي كان من المفترض ان يكون غطاء لنا .

لم نسمع منهم تحذير بالوقوف او نرى لهم اضواء خاصة برجال القانون, فقط طلق ناري او بالأصح طلقة واحدة في اطار العربة كانت كفيلة بأن تقلب العربة مرتين او ثلاث وتطيح بنا كل في إتجاه .

لم يغمى علي في تلك اللحظة وكم تمنيت ان يغمى علي حينها فلم اكن ادري ماذا افعل او إلى اين اذهب هل احاول البحث عن الاخرين ام اهرب ؟ ام اسلم نفسي لرجال الجيش , وقبل ان اقرر ما علي فعله سمعت صوت احد الشباب وهو ينادي علينا استطعت ان احدد مكانه سريعا وعندما وصلت اليه كان اول ما قاله لي انه يجب علينا ان نهرب سريعا قبل أن يأتي رجال الجيش .

تحركنا نحن الاثنين ولم نفكر حتى في الاشخاص اللذين كانو معنا هل هم احياء ام اموات وإذا كانو احياء هل تم إلقاء القبض عليهم ام إستطاعو الهرب ,كنا نفكر في شيئ واحد فقط النجاة بأنفسنا والوصول الى الحدود السودانية .

كنا نسير في اتجاه ونحن لا ندري هل هو الاتجاه الصحيح للوصول للحدود السودانية ام لا ولكن غريزة النجاة كانت تقودنا في طريق ذا اتجاه واحد فقط.

كان الظلام يسير معنا في كل خطوة نخطوها وكان يبث فينا الخوف بتلك التهيئات البصرية التي تبدو لنا حقيقية من بعيد ولكن عندما نقترب منها تتضح حقيقة انها ليست سوى اشجار او احجار كبيرة الحجم وعلى هذا المنوال كنا نطوي المسافات ونحن لا ندري هل هذا هو الطريق الصحيح ام لا .

بعد زمن ليس بالقصير بدأنا بسماع اصوات لبعض الابقار والاغنام ولكن لم نكن نعلم اين نحن هل علينا الذهب في اتجاه الاصوات ام الابتعاد عنها هل سيتم الابلاغ عنا من قبل هؤلاء القروين ام سيكونون رحيمين بنا ويدلوننا على الطريق للخروج من هذا المكان , توصلنا لقرار ان نتجه إلى هؤلاء الأشخاص وليحدث ما يحدث , كان الجوع والعطش قد بلغ مراحله الاخيرة ولكن كان لغريزة البقاء الفضل في التحرك والحفاظ على بعض القوة لنواجه خيالاتنا المريضة ونقرر الى اين نذهب .

اقتربنا من مصدر الاصوات فتبين لنا ان هناك غرفتين من الطين والقش مبنيان داخل مكان محاط بالقش وأغصان الشجر , لم نتبين المكان حتى سمعنا ورأينا كلب يعوي بكل ما يملك من قوة كأنه إنذار للحريق , تجمدنا في مكاننا ولم ندري ماذا نفعل حتى اتى رجلين يحمل واحد منهم سيف والاخرعصا .

لم يعتقد الرجلان اننا لصوص انما كانا يعلمان اننا ننوي الخروج من البلاد , فقد قال لنا احدهم انه يعمل في هذا المجال يعني التهريب وانه يستطيع ان يوصلنا الى حدود السودان في وقت قصير اذا اعطيناه مبلغ الف دولار ولم يكن هذا المبلغ بكثير من وجهة نظرنا نحن اذا كان بالفعل سيوصلنا الى حدود السودان , اذا لما لا , جلسنا معهم حتى اشرقت الشمس وبدأنا التحرك وبدأت رحلة جديدة نحو الحدود او هكذا كنا نعتقد , فلم تمضي اكثر من ساعتين حتى وصلنا الى قرية اتضح لنا انها في السودان وليست في اريتريا كدنا ان نطير من الفرح لاننا نجونا ولكن تملكنا الغضب ايضا لانه تم غشنا من قبل الرجل القروي واخذ منا الف دولار دون حتى ان يجهد نفسه , حمدنا الله على اننا نجونا من رجال الجيش ولم يلقى القبض علينا , اتم الرجل القروي عمله وقام بتوصية رجل لديه عربة بوكس ان يوصلنا الى داخل مدينة كسلا حتى نستطيع ان نذهب لمعسكر اللاجئين ونحصل على اوراق تثبت اننا لاجئون حتى يتم ايجاد وطن جديد لنعيش فيه ونبداء حياة جديدة .

لمن يهمه امر باقي ابطال القصة .

توفى احمد سائق العربة على يد الجيش.

تم إلقاء القبض على الفتاة ليس لشيئ فقط لأنني اريد ذلك.

هرب الشاب الثالث الذي كان معنا والتقيناه في معسكر اللاجئين بعد مدة من وصولنا .

اين انا الأن ؟ ما زلت لاجئا حتى الان فأنا ابحث عن وطن مثل وطني , واعلم انني لن اجد هذا الوطن .....

بداية النهاية 



   نشر في 22 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

Dr.Mozar Razi منذ 1 سنة
أحسنت يامحمد فقصتك تعبر عن واقعنا العربي المظلم لأن الانسان لاقيمة له ولاتحزن ياأخي فكلنا أصبحنا نبحث عن وطن وكلنا أصبحنا غرباء حتى في أوطاننا ؟؟ لك مني التحية الصادقة وكان الله في عون شعوبنا..
0
محمد علي نور حسين
اشكرك دكتور على تعليقك ، همُنا الاول امسى البحث عن وطن ، وهي مصيبة والله ، اتمنى ان يجد كل انسان وطن يحتويه ، تحياتي دكتور .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا