تأملات في الحرب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تأملات في الحرب

  نشر في 07 يوليوز 2016 .

       فراس حامد نويران الخوالدة 

      استحوذت الحرب منذ أقدم العصور على خيال البشرية واهتمامها، فدفعت الوثنيين القدماء، على اختلاف مراتبهم في الحضارة، إلى اتخاذ آلهة مزعومة مختصة بتحقيق النصر لمعبوديها! وألهمت الشعراء والكتاب والفنانين، فأوحت إلى هوميروس تدوين (الإلياذة)، وإلى تولستوي تأليف (الحرب والسلام)، وإلى جويا إنتاج رسومات (كوارث الحرب)، وغرست الطموح في أصحاب السلطان واللاهثين وراء الشهرة والنفوذ والمجد الدنيوي، الذين اتخذوا من مبدأ ميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) نارا" يحرقون بها الأخضر واليابس، حتى تنال منهم هم أنفسهم في نهاية المطاف، كما أحالت حياة مئات الملايين من بني البشر إلى جحيم، بين قتيل وجريح ويتيم وأسير وفقير ومشرد ومفتون، وربما كان الكثيرون منهم حينذاك يتمنون لو أنهم لم يكونوا سوى صخور صماء ملقاة قي قيعان الوديان، أو كثبان من الرمل تطوح بها الريح يمينا" وشمالا".

ولنا أن نتأمل عدد أولئك الذين سقطوا ضحايا لتلك الحروب التي لم ترتح منها الأرض يوما" واحدا" منذ أن أنزل الخالق عز وجل آدم وحواء إليها، ليقوم ابناهما هابيل وقابيل بافتتاح ملحمة الصراعات البشرية التي لن تنتهي حتى تزول الأيام والليالي؛ لأن البشر ليسوا ملائكة، ولن يكونوا كذلك أبدا".

دعونا نتخيل بحار الدماء والدموع والعرق والفزع والفوضى والتضحيات التي غطت في أزمان مختلفة معظم أنحاء المعمورة، سواء على ضفاف دجلة أو الراين، أو في أعماق الغابات المطيرة في الأمازون وساحل العاج، أو تحت لهيب الشمس الحارقة في صحارى آسيا وإفريقيا، أو على سهول الجليد العارية في سيبيريا وإسكندنافيا، أو على صفحات المياه في الهندي والأطلسي، ومن يدري فقد يأتي اليوم الذي يتطاحن فيه البشر بين الكواكب والمجرات، قبل أن يرفع العلم، وتنهار الحضارة، وتمضي البشرية إلى شيخوختها، فتبدأ من حيث بدأت، إلى أن يتحقق وعد الحق جل وعلا!

ولكن وعلى الرغم من كل ما قيل ويقال عن عبثية الحروب ودمويتها ولا إنسانيتها، ورغم كل دعاوى السلام ونبذ العنف، التي تطرح بين الفينة والأخرى على مختلف المنابر وفي بطون الكثير من الكتب، منذ فترة طويلة، وخاصة في القرون الثلاثة الأخيرة، فإن الحرب ستبقى في حتميتها وضرورتها جزءا" لا يتجزأ من طبيعة السلوك البشري حتى تطلع الشمس من مغربها، وفي حقيقة الأمر لقد أثبت تاريخ البشر أن أغلب الحروب التي اندلعت على مسرح العالم تسببت، بشكل أو بآخر، في حروب أخرى، فاقتها في كثير من الأحيان شمولا" ودموية.

إن التاريخ البشري متلون بالدم منذ بدايته، وهو سيبقى كذلك إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، ولن يستطيع آلاف من أمثال المهاتما غاندي أو نلسون مانديلا أن يمنعوا نشوب حرب واحدة، ما دامت كل العوامل تمهد لنشوبها، بل إن حملة تراث غاندي السلمي، المعروف زورا" وبهتانا" باسم (المقاومة السلمية)، كانوا هم أول من تخلى عنه، وأشهر السلاح في الداخل والخارج ضد مسلمي الهند وباكستان، بعد أن خرج الإنجليز من بلادهم في أواخر أربعينيات القرن المنصرم.

يقول سبحانه وتعالى: ((وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين)) (البقرة: 251)، و((وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز))(الحج: 40)، إن هاتين الآيتين الكريمتين هما انعكاس ساطع لا لبس فيه لحقيقة تاريخية واجتماعية وسياسية، تتمثل في أن أي حديث عن نهاية الحروب والصراعات، أو الدعوة للوصول بالبشرية إلى ذلك، لا يعدو كونه سعيا" وراء سراب محض، وضربا" من قصر النظر السياسي المستند إلى فهم خاطئ للتاريخ ولطبيعة البشر ولسنن الحياة الدنيا، وحالة من حالات أحلام اليقظة السياسية الساذجة، ومثاليات (المدينة الفاضلة) التي أثبتت الوقائع زيفها الجلي، فصفحات تاريخ العالم تؤكد لنا أنه منذ ذلك اليوم الذي قتل فيه قابيل شقيقه هابيل، في فجر العمر البشري، غرقت قارات العالم جميعها في سلسلة طويلة ومتوالدة من الحروب الصغيرة والكبيرة، التي لم تخل منها سنة من السنوات، ولم تسلم منها منطقة من المناطق.

بل إن الأحاديث الصحيحة الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام تشير جميعها إلى أن الحروب والنزاعات البشرية لن تتوقف حتى تقوم الساعة، وستبقى جزءا" من حياة الدول والشعوب، فنار الحرب بين الخير والشر، وبين الشر والشر أيضا"، لا يمكن أن تنطفئ أبدا"، مما دفع بعض الباحثين إلى القول أنه عندما يوجد فرد يعم السلام، وعندما يوجد اثنين يحدث الصراع، وعندما يوجد أكثر من ذلك تحدث التحالفات التي تجر حتما" إلى صراعات أشد عنفا".

ثم إن الحرب وقبل كل شيء هي جزء غير قابل للانفصال عن طبيعة البشر، إذ يخبرنا القرآن الكريم أن الملائكة عليهم السلام قالوا للخالق عز وجل عندما أبلغهم أنه سيورث الأرض لآدم ونسله: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون)) (البقرة: 30)، فالبشر على العموم مولعون بمظاهر القوة والعنف ومغرمون بشهوة الانتصار والسيطرة، سواء كانوا من سكان الكهوف وبيوت الشعر وأكواخ القصب، أو من قاطني القصور وناطحات السحاب، وليس أدل على ذلك من شعبية ألعاب ومشاهد الصراعات البدنية بأشكالها المختلفة، بدءا" بمباريات المصارعة الحرة في روما القديمة، ومبارزات الأرستقراطيين في قصور أوروبا، ومرورا" بمسابقات صراع الديكة والثيران في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، وألعاب الفروسية في أفغانستان، وانتهاء بأفلام الحرب ذات الشعبية الواسعة كأفلام الغرب الأمريكي، وأفلام التايكواندو، إضافة إلى ألعاب الحاسوب ذات الطابع الحربي التي اكتسحت كل الألعاب الإلكترونية الأخرى من حيث حجم الإقبال عليها، ولا ننسى أن لعبة كرة القدم، التي لاقت اهتماما" كبيرا" على كافة الأصعدة خلال المائة سنة الأخيرة، هي في نهاية الأمر عبارة عن صراع غير دموي بين طرفين اتسم ببعد سياسي في بعض الحالات. ولو استعرضنا بعين موسوعية النظرة الإنتاج الأدبي والفني العالمي منذ أقدم العصور وإلى الآن، لتبين لنا على الفور أن الحرب كانت، بدمويتها وقسوتها وتقلباتها وإثارتها، مصدر إلهام لا ينضب بالنسبة للكثيرين.

يقول المؤرخ الموسوعي الأمريكي ويل ديورانت أنه من بين 3421 سنة، منذ عدة قرون قبل الميلاد وحتى القرن العشرين، لا توجد سوى 268 سنة بغير حرب، غير أننا نعتقد أن ديورانت لم يكن دقيقا" في طرحه هذا، فحتى في هذه السنوات الـ 268 حدثت حروب دون شك، وإن لم يكترث لها أو يسمع بها المؤرخون، فإلى قبل أقل من قرنين أو ثلاثة من الزمن كانت المعارك التي تضطرم نارها بين القبائل البدائية في حوض الأمازون أو الزمبيزي أو بين العشائر البدوية في شبه الجزيرة العربية وفي الصحراء الكبرى لا تصل أخبارها إلى العالم المتمدن، كما أن المتورطين فيها أنفسهم لم يكونوا بطبيعة الحال يقومون بتدوين تاريخهم، وفي حقيقة الأمر لم ولن يخل يوم من أيام العمر البشري أبدا" من وجود حالة الحرب في مكان ما من الدنيا.

إن الحرب هي التي حسمت في أغلب الأحيان الكثير من مفاصل التاريخ البشري، وسيبقى لها هذا الدور ما دام هنالك دول وحكومات وجيوش وبشر، وقد برهنت الدراسات القديمة والحديثة على أن الحرب هي من أبرز العوامل المؤثرة في صعود الحضارات أو أفولها. لقد رفعت الحرب منذ الأزل الكثير من الممالك والدول والأيديولوجيات، بينما ألقت بالكثير منها في مقبرة التاريخ، وإنها أيضا أحد أهم صانعي الجغرافيا (السياسية والبشرية على وجه الخصوص)، وإن نظرة بسيطة، ومستندة إلى دراسة وافية للتاريخ، إلى خارطة العالم كفيلة بأن تؤكد لنا أن الحرب كانت أحد أبرز الأسباب التي جعلت موطن الأمة العربية على سبيل المثال يمتد من المحيط الأطلسي إلى جبال زاغروس، وجعلت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية في الكثير من بلدان إفريقيا السوداء. 


  • 1

  • فراس الخوالدة
    موظف حكومي ماجستير دراسات السلام وفض النزاعات بكالوريوس تاريخ
   نشر في 07 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا