الترغيب في السفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الترغيب في السفر

  نشر في 27 مارس 2018 .

هيا معا نتخيل , في سرد هذه القصة:

الترغيب في السفر

- دع الأوطـــان واغــــــــترب -

هناك , حدثت هذه القصة , خلف الجبال الشامخة , وبين الأشجار المخضرة, والأزهارالمتفتحة المفعمة بالرياح , وفوق الهضاب المسطحة , المغطاة بالضباب الكثيف , في الطرقات والبيوت المعمرة على أحدث طراز معماري .

إنها مدينة (( نزيكوري )) الجميلة , ذات الأبواب الأربعة , الواقعة في إفريقيا غينيا تحديدا , عاش في تلك المدينة شاب مدلل , يدعى بمحظوظ , من أسرة مرموقة , ذات نفوذ عظيم , ورصيد عال من الحضارة المعاصرة , والحرص الزائد , والتعاطف المستمر ,والدلالة المفرطة بولدها , مما صنع - بطبيعة الحال - في محظوظ النّبل والرّقي الأخلاقي من طرف , والجبن المتهيّب عن الإقدام, و السكون القاتل لصاحبه من طرف آخر.

فقد كان مجتهدا ومتفوقا في دراسته بكل مراحلها , بيد أنه ظل ملازما لأسرته , و راكنا إليها ركونا تاما , دون أدنى تصور وتفكير عن رحلة أو سفر يوما من الأيام بعيدا عنها , واقتنع بفكرة الاستبقاء في مدينته ((نزريكوري)) والاحتباس بين جدرانها , والتمتع بمتاعها , والتمشي في أحيائها , والتجول في طرقاتها الشعبية , والتنقل بين أزقّتها و أنديتها السنمائية منها والليلية , والتسوّق في أسواقها . واكتفى بلوحتها الوحيدة الدهشة , وتجافي عن كل قبائل الكسب النصب, ظنا منه أن مدينته - نزريكوري - هي الدنيا بأكملها , و أن أسرته تغنيه عن العالمين كافة , وكأنه لم يقرأ قصيدة للإمام الشافعي عن السفروالاغتراب , يقول فيها:

ما في المقام لذي عقل وذي أدب .... من راحة فدع الأوطان واغترب

سافر تجدعوضا عمن تفارقه..... وانصب فإنّ لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده .... إن ساخ طاب وإن لم يجر لم يطب

والأسد لولا فراق الأرض ما افترست... والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة .... لملّها الناس من عجم من عرب

التبر كالترب ملقى في أماكنه ...... والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرّب هذا عزّ مطلبه ......... وإن تغرّب ذاك عزّ كالذهب

ظلّ محظوظ على هذا الحال , إلى أن بلغ العشرين من عمره . وفي السنة نفسها تخرج من الثانوية , فعمته البهجة والفرح ؛ لأنّ الدراسة الجامعية تنتظره عن قريب , لكن مدينته وما يجاورها من المدن كانت خالية من الجامعات أو المعاهد العالية ! فاضطر أن يسافر إلى العاصمة أو خارج البلاد ؛ لإتمام دراسته الجامعية هناك بعيدا عن الأهل والأحبة .

قرّر والده عندئذ أن تكون دراسته خارج البلاد فضلا عن مدينته الجميلة . فأوجس في نفسه خيفة من هذا الخبر! وأحسّ به قلقا أيّما قلق واضطرب أيّما اضطراب وتوتّر أيّما توتّر , كما أحسّت الأسرة معه بالشعور نفسه , فبدا على محياهم الحزن والكآبة على مفارقته.

في الليل , لما ألقى بجسده على فراشه , ظلّ مفتوح العين يفكّر وقد ثقلت عليه فكرة الوحدة والبعد عن مسقط رأسه (نزريكوري) ... وأخذ يتناول الموضوع بتساؤلات متشابهة , وتصورات وألغاز متشابكة لانهاية ولانتيجة ترجيان له... بات يردد في نفسه : – هل يمكن أن أسافر وحيدا ؟ وهل بمقدوري العيش سالما خارج موطني ؟ وكيف سأصبح دون والديي و إخوتي ؟ وكيف سأتعرف على الأناس الغرباء , الأصدقاء الجدد والأماكن التي لم أعتدها ؟ هل طعامهم ولباسهم وحركاتهم مماثلة ؟ من ألجأ

إليه عند الطوارئ... حتى أنقذه النوم من تخوّفه وتغوثه في قعر الهموم.

وفي يوم الثلاثاء الذي سافر فيه محظوظ , جمعت الأسرة والجيران الهدايا له , أما والده فقد أعطاه - بعدما وفر له ما يكفيه من الزاد - النصائح بتقوى الله عزّ وجل , والاجتهاد والمثابرة , وعدم الفتور واليأس. ثمّ رافقه هذا الجمهور من الأسرة والجيران يبكون على فراقه , وآخرون منهم فرحون على إنجازه وأما محظوظ فكان مشوّشا بين الحالتين.!!؟

تأثر الحاضرون بهذا المشهد , واستعظموا فرط اهتمامهم وتعلقهم به وقلقهم عليه ؛ إذ محظوظ يعانقهم , وقطرات الدموع تتساقط وتتسابق على خدودهم الطاهرة ! لكن دون جدوى , إنها لحظة المر والحلو في آن واحد ! وإنّه أمر حلو محيّر , وسفر لا رجعة عنه!!؟

انطلقت السيارة (( الغنغور )) متجهة نحو العاصمة , والأهل يتبعها - بنظرات مأسوف عليه – إلى أن غابت عن الأنظار ! ومن منذ ذلك الوقت , دخل محظوظ حياة جديدة غريبة .

استغرق السفر يوما كاملا , و أدركهم فجرالأربعاء داخلين على ستة وثلاثين (( البوابة الوحيدة )) للعاصمة , عندها طلب السائق من الركاب النزول للصلاة – كالمعتاد – وكان بعضهم لا يكاد يرى الآخر من شدة الظلام الداكن , والمطر الغزير . صلى محظوظ في السيارة , ولم يخط منها خطوة واحدة , بعدما تسرّب الخوف إلى قلبه بصرخة صارخ , الذي كان يقول : النجدة ... النجدة ... السارق .... السارق ... حقيبتي ...حقيبتي , لذا قصد السائق المحطة الرسمية من فوره , وعندها أسرع جميع الركاب إلى تسلّم أغراضهم , ومضوا - بدون مماطلة – إلى أغراضهم , و محظوظ واقف ومندهش بالحركات! ومنتظر الحضن والاستقبال . ولحسن حظه كاسمه , فقد قوبل في ضيافته بترحاب ,وحظي باحترام لا مثيل له , واهتمام بالغ يحسد عليه , غير أنّ الأجواء هنالك بدت له مختلفة , والأيام طويلة , وكذلك الأمور متعاكسة عمّا اعتاده , والعادات متضاربة ومتباعدة , مما جعل في قلبه الشك والتردد في أفعاله كلها ؛ خشية وتفاديا لارتكاب الخطاء , أو أن يصدر منه تصرفـًا غريبًا و بليدًا.

ورغم اتصافه بتلك الصفة , فقد كان نبيلا ؛ مما ساعده - بتوفيق من الله تعالى – على التكيف ؛ فتعلم من أخطائه , أثناء إقامته في العاصمة , فأحبّ السفر والاستطلاع , وسافر خارج بلده مدركا أنّ الإنسان ليس إلا مجموعة من الثقافات والمهارات والخبرات المدعومة بالاحتكاك مع الناس , وكذلك التواضع بالسفريات الاستكشافية والسياحية المفيدة , مع التزام بالدين الرباني في كل مكان وزمان .

هذا وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا.

Mohammed Aly Sanoh


  • 3

   نشر في 27 مارس 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا