"عرس بالدومين" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"عرس بالدومين"

الجمال حينما تطلع على ثقافات الشعوب..

  نشر في 27 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .



الكاتب : نصرالدين بريكي


   كانت البداية من محطة المسافرين "الخروبة" بالجزائر العاصمة ،حيث ضربت لصديقي الذي يسكن "بتلاثة الدواير" بولاية المدية موعدا هناك،ففي صبيحة اليوم الموعود دخلت المحطة على الساعة السابعة و النصف و أصوات المسافرين تعلو و تعلو كأنها تنافس طلوع الشمس الى كبد السماء ،توجهت مباشرة الى لائحة مواعيد الرحلات لأطّلع على توقت اقلاع حافلتنا ،فإذا بشخص يشدني من قميصي ، "هههه أهذا أنت !؟ لم أعرفك البتة" فقال : ألهذه الدرجة تغيرت؟ قلت قبعتك السوداء هي السبب ربما،كما ان حلقك للحية غيرك وزادك أناقة، فتبسم ضاحكا،توجهنا إلى احدى مقاهي المحطة جلسنا قليلا نتبادل أطراف الحديث،إلى ان يحين وقت الرحلة (...)،الى ان نادى مذيع المحطة بأوان موعد انطلاق رحلتنا ، ركبنا الحافلة فكانت كل المقاعد محجوزة إلاّ مقعدينا كانا فارغين لكن مقعدي كان في الأمام و مقعد صديقي في الخلف و هذا ما أزعجني،فقامت امرأة من بين المسافرين تظهر عليها صفات التواضع و التّفهم قالت لي سأجلس أنا في الأمام و اجلس انت و صديقك هنا فسررت كثيرا و شكرتها على ذلك (...)، بعد انطلاق الحافلة أخرجت هاتفي لأتتبع الطريق بـ (جي بي أس ) و كلّي شوق للقيا صديقي الذي عزمنا لعرس أخيه،وكان قد أخبر كل "دشرته" أن صديقاي سيأتيان من العاصمة.

     وصلنا إلى مدينة برج بعريريج، نزلنا من الحافلة فكانت الشمس حارقة،فاحتمينا بسور يمد الظل من على أطرافه، اتصلت بصديقنا ليقلنا من مدينة "البرج" إلى الدشرة التي تبعد من هناك حوالى ستة عشر كيلومترا ..فقال لي : "اصبر قليلا حوالي عشر دقائق سأكون أمامك بجسدي و عقلي ووجداني لا بصوتي"،وقد كان صوته يدل على الفرحة و الغبطة واشتياقه لنا ،وبينما نحن ننتظره يمر الناس من أمامنا الكل ينظر الينا كأننا أجانب و هذا يظهر من خلال ملامحهم ،وكنا ننظر إلى الناس بدورنا نتأمل مظاهرهم.. فقد كانت النساء يغطين وجوههن "بالعجار" و هناك من العجائز التي تلبس " الحايك " قلت في نفسي :" كأننا في رحلة عبر الزمن،فقد كنا في العاصمة و كانت المظاهر غير ذلك وهذا ما يدل ان هذه المنطقة محافظة على تراثها الثقافي و متمسكة بعاداتها التي ورثتها عن الاجداد "..وصل صديقي،نزل من السيارة سلم علينا و عانقنا بشدة ،و الدموع تملؤ عينيه والبسمة تزين محياه ،ركبنا السيارة متجهين إلى منزله ونحن نتحدث عن أخبار عائلاتنا و اخبار العاصة، يعرفنا على طرقات الولاية و أشهر الأماكن التي تزخر بها ..لقد أوشكنا على الوصول نظرنا من بعيد ،رأينا "الدشرة" بأكملها تنتظرنا بفارغ الصبر ليتعرفوا على صديقَيْ ابنهم ،لما وصنا استقبلونا استقبالا حارا و بكل حفاوة، الزغاريد تعلو كل الأرجاء و بعدها بقليل تعالت اصوات البارود..في هذه اللحظة بالذات غمرتني فرحة كبيرة كأنني أنا من سيتزوج فامتلأت عيناي بالدموع و لم أعد أشعر بالناس الذين هم حولي حتى أقبل أب صديقي يعتمر عمامة و يلبس لباسا تقليديا ،سلم علي وهو في غاية الفرح ،سألني عن الأهل و عن العاصمة و أخبار الناس فيها ،بعد برهة حضَّروا مالّذ وطاب من الأطعمة الشعبية المتعارف عليها في أعراس "البرايجية"،وبعد انتهائنا من الأكل عزمنا بعض شباب الدشرة لنلعب "الدومين" ،في الوهلة الأولى لم يثر انتباهي أي شيء لأن الوفود المعزومة للعرس تأتي في المساء،حيث كان العدد قليلا ،لعبنا وضحكنا الى درجة احساسنا بأننا فردان من العائلة ،في المساء بدأ أهل الدشرة يفدون أفواجا أفواجا أفرغوا منازلهم و لم يأبوا إلاّ أن يحضروا حفل ابن عمهم ،فحضر النّساء و الرّجال، الصّغار و الكبار ،الشيوخ و العجائز.. ،أذّن أذان المغرب ثم ذهبنا للصلاة ،بعد ذلك حضّروا لنا مائدة العشاء،لكن قبل الشروع في الأكل تفاجأت بصديقي يحضر لي "كسكسا" بالحليب محضر بطريقة خاصة فقلت مندهشا :"ماهذا الطبق الخاص الزائد عن وجبة العشاء ؟"

ردّ قائلا :" هذا فأل خير لكل ضيف يدخل دشرتنا ورثناه عن الأجداد و فأل من العريس لأفراد العائلة-لأني أصبحت منهم- للتعجيل بزواج شبابها "، قلت : "إذا كانت عاداتكم هكذا فلا يحق لي الخروج عنها لأني منكم " بعد انتهائنا من وجبة العشاء مباشرة ،صُّفت الطاولات ،ووُضعت الكراسي،وانتظم أهل الدًّشرة في كل طاولة أربعة رجال، لا أكثر ولا أقَّل من ذلك ، و أوتي بحوالي خمس وعشرين صندوقا صغيرا من الدُّومين،وأباريق الشاي "البرايجي " ذو نكهة زكيًّة المحضّر بعشبة "الطيب"،و العديد من سلّات الكوكاو، حيث وزعت في كل الطاولات و شرع الناس باللعب وتعالت أصواتهم و أصوات خبط الدٌّومين على الطاولات كأنها حرب "البسوس" لم يكن ينقص سوى غبار النَّقع ،ورمي النبال و الضرب بالسيف ،بعد لحظات سمعنا أصوات الضرب ببندقية البارود ،مما أضفى على العرس أبهى حلة وتعرفنا على الموروث الثقافي التي تزخر به هذه المنطقة .

     قرب انتصاف الليل و الناس ما يزالون في حرب الدومين الدامية ،وأبناء العمومة كلما انتهت أباريق الشاي وسّلات "الكوكاو" أحضروا أخرى ،فما ان بدأت تهدأ الأوضاع ،قعدت وصديقي على الكراسي تنتابني موجة من الاندهاش التراجيدي و الكوميدي في آن الوقت ،سألته : -" أهذه هي أعراسكم ؟"

- قال ضاحكا: " أنت لم تر شيئا ! هذه ليلة من بين عشرة أيام و عشر ليالٍ ،نعم هذه هي عاداتنا و تقاليدنا و أعراسنا ".


  • 2

  • نصر الدين بريكي
    الكاتب نصرالدين بريكي خريج المدرسة العليا للأساتذة بالجزائر العاصمة، استاذ اللغة العربية بثانوية طارق بن زياد .
   نشر في 27 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا