صرخة الشباب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صرخة الشباب

  نشر في 24 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 مارس 2019 .

اكتب هذا المقال بغصة في حلقي ترفض ان تخرج دموعا، فلن يرى احد احمرار عيني و لن يسمع لشهقاتي صوت، بل تريد الخروج كلمات، حروف تظهر على شاشة هاتفي، اضع بصماتي عليها فتصلكم غصتي عبرها و اوفر على نفسي عناء البكاء، فكم تعبت العين من البكاء دونما فائدة ترجى، كما اني لا ارجوا فائدة من كلماتي هذه سوى أن تطرق عقولكم قبل قلوبكم، اما غير ذلك فلا حول و لا قوة لي به.

يقولون ان الشباب اجيال الغد، حملة اللواء و بناة المستقبل. ا و لا يرون ان هؤلاء الشباب قد وضعوا اوزارهم قبل حتى ان يروا اول شعاع لهذا المستقبل المزعوم ؟ ا و لا يرون ان اغلبهم فضل رمي تلك الصخرة التي يحملها على ظهره متحملا مسؤولية ايصالها للمستقبل و قرر المضي دون وزن زائد نحو مصير مجهول ؟ اما القلة الباقية فقد خطو خطوتين حاملين الصخرة لتجثو عليهم بوزنها الهائل.

لطالما كان الشباب وجبة دسمة لطاولات الحملات الانتخابية و لطالما كانت كلمة "الشباب" عنصرا اساسيا يزين شعارات البرلمانات الرفرافة و اعلامها المحلقة. أما بعيدا عن الطاولات المستديرة، الميكروفونات الإذاعية و الشعارات الباردة، فقضايا الشباب لا يشعر بها الا هم و لا تناقش بكامل معطياتها الا بين الأزقة و وراء ابواب البيوت، اما دون ذلك فقضايا الشباب اصبحت الراعي الرسمي لكل مرشح يحلم باعتلاء الكرسي الذهبي. و قبل ان يدرك هؤلاء المرضى، اصبح شبابنا قنابل موقوتة، قنابل شحنت بمشاعر الياس و الالم مختلطة باحلام وردية لمستقبل و حياة أفضل.

منذ نعومة اظافرنا، و قبل حتى ان تتشكل اظافرنا، عندما كنا هناك بين جدران رحم امهاتنا، منذ ذلك الحين و نحن نتطلع الى اليوم اللذي نطلق فيه صرختنا الاولى لنخبر العالم عبرها : "انا هنا !" . و بعد خروجنا الى هذا العالم الغريب تماما عن ذاك حيث اعتدنا العيش، لم تعد هنالك جدران مادية تمنعنا عن تمديد سيقاننا او رفع رؤوسنا، و لكننا بدل ذلك وجدنا حواجز اخرى تعارشنا معها حتى انسلت تحت جلودنا، و صرنا نتنفسها مع الهواء اللذي يدخل رئتينا و نستسيغها مع طعامنا، حواجز وضعت لتخبرك انك هنا كغيرك.

لا اعلم لما تجعلني برودة هؤلاء المرضى اتساءل عن إمكانية ولادتهم على ما هم عليه من مكانة، و ادرس احتمال جلوسهم على تلك الكراسي بمجرد ان حركوا رموشهم دون حتى ان يستطيعوا الرؤية. الا يعلمون كم ان المستقبل شبح لا يرحم و الحاضر وحش يغرز أنيابه متلذذا بالامنا ؟ الم يختبروا الياس و الاستسلام ؟. فاعود و اقول، ربما اكتسبوا مناعة ضد كل ذلك ! اذهب بتساؤلاتي بعيدا، فاتساءل ان كان هذا ما سابدو عليه بعد عشر سنوات، كومة من الاحساس المتبلد ! فتعتلني رهبة و خوف سرعان ما ابعدهما بنفضي الفكرة عن دماغي.ماذا ننتظر ؟ و ماذا نريد ؟ نريد دعمكم، نريد ان نشعر أننا نعيش ضمن نفس الحدود، نريد فقط ان ننفي افتراضاتنا البلهاء حول إمكانية ولادتكم على ما انتم عليه.

ان مجتمعنا، و اقولها بكل ثقة، مليء بالطاقات، طاقات مبدعة و خلاقة الى الحد اللذي تعجزون عن تصوره، لكن اين تذهب هذه الطاقات ؟ اين مصبها ؟

نولد في مجتمع كل شيء فيه متماثل، لا يؤمن بالاختلاف و لو كان أحد ركائز ديننا، يحكم على كل اختلاف على انه حالة شاذة، يجب ابادتها قبل ان تتكاثر. هكذا تدفن المواهب قبل ولادتها، و هكذا يرسم للشاب مسار لا يد له فيه، فيسعى وراء الشهادات باستماتة دونما هدف، و بعد ان يعي و يدرك اختلافه، بجد ان الاوان قد فات، و يرى والديه و قد رسم الزمن اخاديد على وجهيهما، ربما لا يطالبانه بشيء، ربما كل ما يرجوانه ان يرياه كما ربياه و كما حلما به ذات يوم. و لكن كابوس العالة يظل يلاحقه في وعيه قبل منامه و حقيقته قبل خياله، فينكر نفسه و يصبح اسمى أمانيه ان يرد و لو القليل جدا مما فعلته من أجله طوال عقدين او ثلاث عقود من الزمن. يصبح تدفق الزمن هاجسا و رعبا يتفاقم لو ازره وحش البطالة اللذي يقضي على كل تلك التضحيات، فيغرق الشاب في دوامة لا خروج منها الا اليها.

نولد بامل، و نكبر على هذا الامل، و لكن شيئا فشيئا، يبدا هذا الأمل في التلاشي، يبدو كسراب نستمر في الجري وراءه. على هؤلاء المرضى ان يعلموا ان الشباب فعلا اساس المجتمع، بل هم المجتمع، فشباب اليوم هم اطفال البارحة و كهول الغد، و لكن ليس ليتلذذوا بترديد تلك العبارات كلما سمحت الفرصة، بل ليؤمنوا بذلك، ليفكروا بعيدا عن الكراسي و المناصب، بعيدا عن رحلة سياحية في هاواي او جزر المالديف.

مهما طرقت باناملي على شاشة الهاتف فلن ابلع غصتي هذه، فكلما أزيد حرفا تزيد حدتها لاننا فعلا نشارف على حدود تحملنا و نستمر في العطاء، لن اقول دون اخذ، بل دون ادنى تشجيع. و احب ان اقول اننا لم نعد ننتظر شيئا، لقد كبرنا بلا شيء، و لا زلنا في اللاشيء، لككنا سنصل الى شيء رائع، ان لم يكن ضمن تلك الحدود الضيقة فارض الله واسعة، ما دامت رحمته تشملنا.


  • 4

  • بشرى شيلوش
    الاسم : بشرى شيلوش السن : 21 سنة العمل : طالبة بالسنة الرابعة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية
   نشر في 24 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 مارس 2019 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 2 سنة
حسنا آخر جملة في مقالك تطمئن بأن الأمل مازال موجودا فرغم كل الألم و الغضب في مقالك ختمته بتفاؤل لم يستطع أحد أن يطفئ شعلته و هو الطاقة التي ستغير الأمور نحو الأحسن ، فالشباب هم الأمل و هم أساس كل تغيير ، لقد لخصت صرخة كل الشباب المهمشين ، و ما أكثرهم ! دام قلمك المتميز بشرى ، كل التقدير لك.
1
بشرى شيلوش
صحيح، فرغم كل الحقد و الياس داخلنا، دائما هناك شعلة الأمل التي لا تنطفئ، نحاول بشيء ما ان نوصل هاته المعاناة رغم انها لا تصل كما يجب. اشكرك على تعليقك الرائع و المشجع. دمتي متالقة.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا