في عالم المشاعر الإلكترونية , قد غرقنا .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في عالم المشاعر الإلكترونية , قد غرقنا ..

  نشر في 25 ماي 2018 .

أصبح التعبير عن الرضا بكبسة زر , وأصبح التعبير عن الضجر بأخر مثله , والحزن أصبح سهل بل ودموعه يُمكن أن تُذرف بمنتهى السلاسة في لحظة تلك الضغطة ثم تنمحي بعدها كأن شيئاً لم يكن , التعجب أمراً بسيطاً يحدث في أقل من اللحظة وينتهي هو الأخر , والحب أصبح سلعه رخيصة تتقاذفها الضغطات وتزداد فيدل ذلك على الإعجاب الشديد المُختلط بالحب , فهل أنت ضائع في هذا الطريق الغير معروف المعالم ؟ , وغارق في تلك البحور العميقة التي ستدفعك حتماً نحو القاع بلا إي دفاع منك عن نفسك ؟ , إن كنت هكذا فلابد أن تُعيد نظرك لفهم الأمور من جديد , فهو عالم حتماً سينقلك إلى عالم أخر غير الذي تحياه , عالم كل ما فيه " مُزيف " ..

كم من مرة أثار فضولك موضوعاً ما على شبكات التواصل الإجتماعي ولم يهدأ لك بالاً إلا بعدما قرأته وتمعنت فيه أشد التمعن ؟ , كثيراً , وبعد قرائتك وجدت فيه شيئاً ما يبعث لعقلك الحيوية ولروحك الصفاء , فقررت أن تُبدي إعجابك به خلف الشاشات الصغيرة التي في يدك , ووجدت أمامك ثلاث خيارات : Like , Love , Wow ,, فأصابتك الحيرة الشديدة , ولم تتوصل للإختيار الصواب , فهل تختار الأول أم الثاني أم الثالث ؟؟ , فتُعيد القراءة من جديد فمن الممكن أن قرائتك الثانية توصلك إلى الحل الأمثل لهذا المأزق , وبعد القراءة تظل على حيرتك فتندم على مرورك على هذا الموضوع من الأساس , ولم كل هذه الحيرة , هل تستطيع مجرد رموز أن تُزيد حيرتي هكذا ؟ , فتلجئ لأبسط الحلول , ضغطة بسيطة على الدائرة الزرقاء التي يتخللها يد تُشير إلى التأييد لما تراه أو ما قرأته , فهو منفذ كل عقل حائر في ظل كل هذه الرموز التي تجعل عقلك في إضطراب مثستمر حيال الإختيار المناسب في كل مرة ..

كم من مرة رأيتي صورة لإحدى أصدقائك المقربات وأثارت في قلبك الإعجاب الشديد بل ووجدتي قلبك يزداد نبضه من شده إعجابك بها وبجمالها الآخاذ , وخلفية الصورة المُدهشة وجودة الكاميرا المُلتقطة للصورة الفوق الرائعة ؟ , كثيراً وأعتقد منذ لحظات بسيطة رأيتي صورة كهذه قبيل قرائتك لكلماتي , ولكن هل أصابتك الحيرة أيضاً كما أصاب البشري الفائت ؟ , هل وجدتي صعوبة في الإختيار بين : Like , Love , Wow ؟ , حتماً نفس الإضطراب ونفس الحيرة وتبعها نفس الضجر , فتسألي نفسك : ماذا سأختار , هي أعجبتني فأختار الأولى ولكنها داعبت نبضات قلبي فأختار الثانية , لالا إنها فوق الخرافة فأختار الثالثة , ماذا عساي أن أفعل الآن ؟! , حسناً سأختار الثانية فبها شيئاً من التعبير عن إعجابي العالي أيضاً ولا بأس بها .. " مجرد مُبرر للهروب من هذا المأزق , فإن إستمرت على حيرتها لن تنتهي إلا بعدما يمر على نشر الصورة ذكراها السنوية !! "

كم من مرة وجدت فرداً من عائلتك الكريمة يُعلن وفاة أحد أفراد أسرة زميلة بالجامعة , فوجدت يدك تُسرع تلقائياً إلى : Sad , ذلك الرمز " الغريب " الذي يُمكنه أن يسكب من الدموع أقصاه وأنت خلف الشاشة تتناول عشاؤك وتُشاهد إحدى المسرحيات الكوميدية البحتة ! , ولكن حتى تضع رأسك على وسادتك بعد العشاء وضميرك مرتاح حياله فتقوم بما يُسمى بـ " تأدية الواجب " حتى وإن لم تعرف هوية المُتوفي تضغط عليه فتبعث له برسالة لم تُكتب محتواها : عزيزي , شد حيلك , لقد حزنت كثيراً وهذا هو الدليل , وجهاً يبكي " هو نفسه الوجه الذي يضحك بجواره وتضغط عليه بعد قرائتك لنكتة أو ما يُثير سُخريتك " !! .. أو تغضب حيال خبر لم يكن في الحُسبان فتبدأ بالتعبير عن غضبك بــ " Angry "وبعد ثوان معدودة تعود إلى التسامر مع الأصدقاء في المقهى ..

والغريب أن بهذه الرموز البسيطة يُمكن أن يضيع الود , وتنقطع علاقات لطالما كانت متمساكة , فكيف لصديق عمري ألا يُبدي لي إعجابه على منشوري أو يضع لي قليلاً من كلمات التعازي مُرفقه برمز الحزن ؟ , هل رأيت من مُدمر كهذه الرموز لعلاقاتنا الإنسانية ؟!

هل رأيت هذا ؟ , إنه العالم الذي لطالما تمنيت أن أعلم سبب تقييدنا به والغريب أن قيودنا تلك نحن من صنعها بكامل إرادتنا , بمجرد ضغطة يمكنك التعبير عما تشعر به أو قل عما تشعر به من مشاعر " إلكترونية " , لا تمت بك بصلة ولا تُعبر عما يدور داخلك حقاً , إحذر فهو تياراً جارفاً , ولن تستطيع التخلص منه طالما تدخله يومياً أو بمعنى أصح تدخله لحظياً بمحض إرادتك , تُقلب وتلف وتدور وتبحث عن مكان لتضع فيه من المشاعر أزيفها , ومن الأحاسيس ما لا تحس به , هو مجرد ضغطة , منها تأدية واجب أو تحصيل حاصل , لا يفرق في وجودك شيئاً ولا يُعرقل مسيرك خلال تلك الصفحات الإلكترونية , فإن لم تضغط فلن تفنى ولن تنقضي مثلاً , لن يُقال عليك عميلاً أو جاهلاً بتطورات التكنولوجيا الحديثة , لن يُقام عليك الحد ولن تُسجن في سجن مؤبد عقاباً عما تفعله في حق نفسك وحق ناشر المنشور , هو مجرد إختيار , والإختيار ليس إجبار , فما الذي يُجبرك على التعبير عن شعور جامد لا تدب فيه الحياة ؟

إجعل مشاعرك حقيقة ولا تنسى وتتغافل عن إنسانيتك , إن شعرت بالحزن حيال أمراً ما عبر عنه كما يجب أن تُعبر , بدموع حقيقة وليست قطرات لا تُلمس تتساقط خلف شاشات مُضيئة , وليس بمجرد رمز لا يدل على ما أنت عليه حقاً , إن شعرت بالغضب فلتغضب , ولكن لا تجعل من غضبك مجرد رمز تضغط عليه بين الحين والأخر , إن شعرت بالدهشة إندهش وزد من إندهاشك ولا تجعله يمر مرور الكرام , فخلف الإندهاش تتضح الغوامض وينجلي عن أسرارها ما كان يُخفيها , حب وأجعل نبضات قلبك تفيض على البشرية بكل معاني الجمال والحياة ولكن لا تختصر الحب في مجرد قلب أبيض يرتسم على خلفية حمراء , هي لم تكن مجرد رموز بل هي إختبار للإنسانية , فهل من مُحافظ عليها مهما بلغنا من التقدم التكنولوجي أقصاه ؟


  • 7

   نشر في 25 ماي 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 1 أسبوع
مني Like ، و كمان ، Wow ، وأيضا ، Love للمقالة وكل ما جميل من شعار في عالم الافتراضي والذي نختاره ونتفاعل معه ، ابدع .
1
نورا محمد
الإبداع هو إبداعك أستاذ محمود .. صاحب العقلية الراقية والفكر البناء , والوجود الرائع .. شكراً جزيلاً لك ولذوقك العالي :)
Simo Hamidi منذ 1 أسبوع
مشكورة أستاذة على الاسلوب الرائع في جميع المقالات و المحتوى الهادف بالتوفيق إن شاء الله
1
نورا محمد
أشكرك أستاذي على كلماتك الجميلة ووجودك الرائع .. لي الشرف بأن كلماتي المتواضعة قد نالت إعجابك .. شكراً جزيلاً لذوقك :)
Simo Hamidi
لا شكر على واجب في إنتظار إصدار كتب للمؤلف الرائع نورا محمد أنا واثق من نجاحاتهم إن شاء الله
Alaa Bobaly منذ 6 شهر
كلامك صحيح ، لم يكن يخطر في ذهني هذا الموضوع ، بالفعل كنت احتار بين الرمز الذي سأشارك فيه و كنت اضغط على الوجه الذي يضحك و انا حزينة و كنت اشارك بأحزنني و انا سعيدة ، تغيرت وجهة نظري بعد ما قرأت المقال ،يعطيك العافية بالتوفيق .
2
نورا محمد
هي فعلاً وجوه مزيفة ليست واقعيه .. كثيراً ما تجي علاقات تبدأ في الإنهيار لمجرد وحه قد وضعه أحدهم على منشور أو صورة وهو ليس بوجه الحقيقي في تلك اللحظة , وكثيراً ما تحدث المصيبة الكبرى أن يُخطأ أحدهم في وضع الوجه المناسب فيتحول إلى خلاف وهو لم يكن يقصد ذلك .. عالم غريب ! .. أشكرك جداً لتعليقك الرائع ووجوك الأروع :)
Alaa Bobaly
صحيح .
العفو ، الله يسعدك .
عمرو منذ 6 شهر
مقال رائع .
للأسف لقد أخذت هذه الوجوه الصفراء البغيضة emojis أكبر من حجمها , حتى صارت المشاكل تحدث بسببها , فنجد فتاة تتشاجر مع خطيبها لأنه وضع Love على صورة صديقة لها و هذا بالتأكيد يعني أنه معجب بها ! و نجد من يتشاجر مع صديقه لأنه دائماً ما يضع Haha على كل صوره و هو ما يعني أنه يسخر منه ! و بالطبع إذا تخاصم اثنان فإنهما يتوقفان عن عمل Like لبوستات بعضهما البعض من باب المقاطعة . و اذا ما تحدّثت مع صديق بدون وضع هذه الـ emojis يظن أنك غاضب منه .
هذه الوجوه البغضية تقتل المشاعر , فكم من مرة تتحدّث مع شخص بحماسة ثم يأتيك الرد بوجه أصفر سمج يقتل ذلك الحماس بداخلك .
أبدعتِ , و بالتوفيق في مقالاتك القادمة .
2
نورا محمد
أتفق مع كلماتك أستاذ عمرو تماماً .. حقاً هي وجوه سخيفة ومعناها أسخف , ونحن من نعطيها الأهمية وعلى أساسها نحسم أمور حياتنا , فكما قلت قد تتسبب هذه الوجوه في تدمير علاقات كانت قوية متماسكة ذات رابط لا ينقطع مهما حدث ولكن بمجرد Notification تُعلن عن React ليس له أي دلالة عما يدور داخلنا تتبدل ملامح علاقتنا من القوة والتماسك إلى الإنهيار والبغض !! , فتتحول تلك الوجوة التي نحسبها تحمل داخلها المشاعر والنبض إلى سلاح يقاتلنا جميعاً , سلاح إلكتروني بشع ! .. تعليقك رائع أستاذي ووجوك بعقلك وفكرك النير يُزيد من رقي عقولنا , اشكرك جداً على تعليقك ووجودك دمت مبدع ذواق للفكر المبدع :)
عمرو
شكرا لكِ أنتِ و لإبداعك و إثارتك مواضيع هامة في مختلف المجالات و تفاعلك مع مقالات الآخرين .
عبدالحفيظ منذ 7 شهر
مقال رائع ، كم أنتِ بلغية كلمةً و تعبيراً و فكراً .
2
نورا محمد
ربنا يحفظك ويرفع قدرك أستاذ محمد , حضرتك إنسان محترم وأنا دايماً أتشرف بوجود تعليقاتك الرائعة الإيجابية وأستمد منها قوة عالية , دمت مبدع وبالفكر الراقي متألق :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا