العبودية الحديثة الأسباب والدوافع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العبودية الحديثة الأسباب والدوافع

(العالم العربي نموذجا)

  نشر في 15 أكتوبر 2018 .

في شبابك تأبى العبودية وتتعلق بأحلامك، وبعد زواجك تتخلى عن أمانيك وآمالك وترضى بالعيش مجرد عامل، ثم تصير رب أسرة فتسحب منك كرامتك شيئا فشيئا ولا تعترض على ذلك، ثم يعيقك ضميرك فتتخلص منه شيئا فشيئا، ثم يأتي الدور على إنسانيتك فترمي بها لأنها لن تطعمك خبزا، وهكذا تصير عبدا بامتياز.

إذا أثرت انتباهك فاقرأ ما يأتي بعناية لما فيه من هداية، إذا كنت تظن أن العبودية الحديثة مصطلح يختص بالحيف الذي يقع على المرأة من زواج قسري، واستغلال جنسي، وعمل إجباري، فاعلم أن الإعلام خدعك، يصور لك أن الأمر مشكلة بين الرجل والمرأة والحقيقة أنه يصرف نظرك عن ماهية المشكل والتي هي بين السلطة والشعب، بين الغرب والعرب.

فاصل ونواصل ..

ينظر الإسلام إلى العمل على أنه عبادة يتقرب بها العبد إلى الرب، ولكن في عصرنا الحاضر تحول العامل إلى عبد لرب العمل. والسؤال المطروح هو متى أستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟!

إن الاستعباد ظاهرة يشترك فيها طرفان السيد الغربي والعبد العربي؛ إذ بعد أن انتهى زمن الاستعباد الإجباري لأسباب ظاهرها حقوق الإنسان، وباطنها المزيد من الاستغلال للإنسان الذي ثار مطالبا بالحرية في الحياة، والمساواة في الحقوق، وبعد وعي المجتمع الدولي ببشاعة الاستعباد في غياب حقوق العبيد، على عكس ما جاء في التشريع الإسلامي والذي يتجه إلى المساواة بين العبد وسيده، رأت حكومات الظل المتحكمة في الاقتصاد العالمي أن تحرير العبيد أقل تكلفة وأكثر إنتاجية من إقرار وضع العبودية مع منحهم حقوقهم العادلة، فتجنبوا ثورات العبيد، وجنوا ثروات عظيمة.

فكيف صار الإنسان عبدا بالاختيار بعد أن تحرر من العبودية بالإجبار؟!

إنه الجوع .. نعم، الجوع. فنحن نعمل من أجل كسب قوت يومنا؛ فالعبد بعد أن تحرر ظاهرا من رق الاستعباد إلا أن عقله لم يتحرر بعد من عيشة الاستعباد، إذ اعتاد على أن يؤمر فينفذ هكذا كان الحال دوما في ظل الاستعباد، فكان العبيد المتحررين منعدمي الحيلة في كسب لقمة العيش ولا سيد لهم ليتحمل مسؤولية إطعامهم، فندم البعض على اختياره للحرية التي جعلته يتدور جوعا وتمنى لو يعود لحياة العبودية، وهنا مربط الفرس أو أصل المشكلة أو بيت الداء سميها ما شئت من أسماء بليغة لكنها الحقيقة البغيضة، لقد ارتفع الطلب وقل العرض فأصبح الحصول على عمل فرصة نادرة؛ نظرا للخطورة التي قد يتحملها المشغل إذا أنه يخشى أن تعتقد السلطات أنه مزال يحتفظ بالعبيد وبذلك يكون مخالفا للقانون، وما ينتج عن ذلك من إجراءات زجرية. فكانت البطالة سبب في جوع العبيد مما أدى إلى تنمية حقد دفين اتجاه دعاة الحرية، فإذا ما صار العبد الحقود مشرفا على أحد دعاة الحرية في عمله أحرقه بنار الحقد المتأججة في صدره وأذاقه من ألوان العذاب ما لم يرى في ظل زمن الاستعباد، حتى صار الإنسان ذئب لأخيه الإنسان يتربص به الفرص ليفترسه غلا، ولذلك نجد في الإدارات موظفا يحيل حياة المواطنين إلى جحيم. أضف إلى ذلك أن العبد المتحرر ولا أقول الحر لأنه مزال متشبعا بأفكار العبودية ولم يتذوق بعد طعم الحرية مستعد لفعل أي شيء حتى لو كان فعلا لا أخلاقي للحفاظ على عمله، لأنه يخشى الموت جوعا إن هو فقد عمله مصداقا لقوله تعالى: { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ }(البقرة: 268).

لقد عدنا ..

لنعد إلى خرافنا والعود أحمد، وإن كانت هذه مقدمة طويلة نوعا ما فلأنها تمهد لموضوعنا بشكل لا مناص لنا عن ذكره، نعم إن العبد المتحرر من أغلال الرق بدأ يتوق إلى حياة العبودية بعدما لم يجد في الحرية لقمة العيش فرفع شعار خذوا حريتي واضمنوا لي حياتي، وبذلك تغلغلت وعششت وفرخت العبودية في اللاوعيه، فصار عبدا باختياره، خوفا من الجوع، فماتت الحرية في قلبه، وصار الناس موتى أحياء؛ لا كرامة، ولا رأي، ولا إنسانية، خشية فقدان عملهم يعاملون بمهانة ولكن برضاهم، يأمرون بالفواحش فلا يعترضون، ويشهدون على الظلم فلا ينطقون، فأصبح إلههم رب عملهم لا رب العالمين، وأصبح العمل استعباد لا عبادة، إنها العبودية الحديثة في العصر الحديث، حيث لا حديث إلا عن الحقوق الإنسانية، والمساواة، والحرية لكن في الغرب لا عند العرب، حيث القابلية للاستعباد (والاستعمار بين قوسين) ، فالغزاة الغرب بعد إدراكهم لقابلية العرب للعبودية فطريا - إذ الإنسان مجبول على العبودية لرب العالمين - مارسوا نوعا من أنواع تعديل السلوك بغزوهم للدول العربية وهو ما يعرف باستعمار دول العالم الثالث ويقول ابن خلدون في مقدمته عن ذلك: (أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب) ، وهو ما نشهده في واقعنا المعيش بالمغرب مثلا: تجد الناس أثناء تعبيرهم عن مدى سخطهم عن الأوضاع المعيشة بالبلاد يتمنون عودة المستعمر الفرنسي ليحكم البلاد ويخلص العباد مما هم فيه من معاناة، وإن كان في ذلك ما يخالف صحيح الاعتقاد مصداقا لقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }(المائدة:51). وإنك تجد المرء بالبلاد العربية منذ بكورة وعيه بالدنيا لا يفكر في شيء أكثر ما يفكر في أن يصر عبدا وبلفظ لأدري كيف يمكن أن يكون أكثر تهذيب أن يصير موظفا عند غيره، ولا تجده أبدا يفكر في أن يبادر ليكون سيد نفسه حرا في عيشه؛ بأن يكون رب عمله، لا مربوبا فيه. ومن يعمل عند غيره يعامل معاملة العبد ويعش أبد الدهر مهموما مغموما للأرق والقلق رفيق خشية طرده من وظيفته، واستغل أرباب العمل هذه العقدة للاتجار في البشر، واستعبادهم بأبخس الأجر، متجاهلين قوله تعالى:{ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ }(هود: 85)، ولهذا كان التجار فجار؛ إذ يربحون من عرق جبين العمال الملايين ويعطونهم الملاليم، وعندما تسأل العامل لماذا اختار العبودية وترك الحرية؟ يكون جوابه: " مكره أخاك لا بطل ". والحق أن قيمته أقل من البصل عند رب عمله، لقد كانت هذه مجمل أسباب العبودية الحديثة في نظرنا.

ثم جاء دور ساستنا العرب الذين هم عملاء لأسيادهم الغرب، فهم يولونهم ويحقدون على إخوانهم، لذلك يبذلون ما في وسعهم لخدمة أسيادهم وذل أبناء أوطانهم، وهو ما لا يحتاج إلى دليل ففي القرارات والقوانين التي يتخذونها خير دليل على خيانتهم لإخوانهم وإيذائهم، فمثلا: بالمغرب في بداية حملة المقاطعة لبعض المنتوجات رأينا كيف دافع بعض المسؤولين على مصالح شركة أجنبية تضر بالمواطنين ببسالة (بالمعنيين الفصيح والدارج) منقطعة النظير، وكل ذلك من حقد دفين على دعاة الحرية والمساواة والحق في عيش كريم، وقد أشرنا سابقا إلى السبب وراء هذا الكره العميق، لكن الذي يهمنا الأن هو تكريس رجال السياسة والأعمال لفكرة الخوف من الموت جوعا في نفوس الناس كخطة لحكمهم والتحكم فيهم، إذ يقال في المثل المغربي الدارج " جوع كلبك يتبعك "، ويقال أيضا: " سمن كلبك يعضك " وهي السياسة المتبعة من لدن الجهات الحاكمة بالدول العربية، يحكمون الشعوب بالخوف، خوفا من الثورة على فسادهم إن هم شبعوا، إذ يقال " إن كان الطعام غذاء البطون فإن العلم غذاء العقول "، فالإنسان الذي يجد ما يشبع جوعه سيتجه فطريا إلى التعلم وهذا سيجعل منه إنسان واعيا بما يحيط به وما يحاك ضده من مؤامرات، فكان التجويع سياسة تصرفهم عن طلب العلم، وكان تخريب التعليم خطة احترازية من ساسة الأمر حتى لا يثور العباد عليهم يوما إن هم وعوا بما هم فاعلين بهم دوما، فالدول العربية المستعمرة يوما تنتج يدا عاملة على تلبية احتياجات الدول الغربية على الدوام، وهذا يظهر جليا من السياسة التعليمية للدول العربية بدءا من التدريس باللغة الأجنبية حتى يسهل استيعاب أوامر رب العمل الغربي وتنفيذها، وانتهاء بالتخصصات التي لا علاقة لها باحتياجات البلدان العربية وإنما تكون يدا عاملة لدى الغرب الذي ينتقي منها ما يصلح أحوال بلاده ويترك الباقي محطما في موطنه، إذ الغرب يعتبر الدول العربية مزرعة له. ولا أدل على ذلك من سياسة الخوصصة بالدول العربية من أجل جلب رؤوس الأموال والمشاريع الأجنبية لتحريك عجلة الاقتصاد، والقضاء على البطالة والتي هي في نظري مشكلة صنعها الساسة وحلها بأيديهم، وإلا فكيف يعقل أنه لا توجد ميزانية للتعليم والتطبيب والتشغيل بينما توجد ميزانية للتهريج والتطبيل والتزمير تحت مسمى الثقافة، قلت إن سياسة الدفع بعجلة التنمية وتوفير فرص الشغل التي تنهجها الدول العربية ما هي إلا تكريس للعبودية الحديثة، وإلا فماذا يعني جلب المال ورجال الأعمال بتوفير يد عاملة رخيصة وذلك بخفض أجرتها ورفع عدد ساعات عملها ناهيك عن قانون الشغل المفصل على مقاس المشغل ووفق هواه ومصلحته بالإضافة إلى الامتيازات الضريبية وغيرها من أمور التي تعتبر في البلاد الأجنبية هدرا لحقوق العباد والبلاد ومخالفة للقانون عندهم؟! أليس في الأمر إمعة وموالاة للغرب، وامتهان وحقد على العرب. أما الدليل على موالاة وتبعية وعبودية حكام العرب للغرب فقد كفانا ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية) مشقت ذلك من خلال معاملته لهم.

لكن وقعت طفرة في رجال الغد بسبب الانفتاح على العالم الافتراضي الذي شكل وعيهم حول ما يراد بهم، فخرجوا عن ملة آبائهم التي تربوا عليها وهي " إذا عمت هانت "، فرأوا أن العبودية إهانة، وثاروا على نظام الاستعباد بعقلانية وسلمية، لكن الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي كان لهم بالمرصاد، فشرع بين ليلة وضحاها دساتير الاستعباد المناهضة للاستقلال والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، لكن ما ضاع حق وراءه مطالب، ولا يأس ولا قنوط من رحمة الله. فصبرا يا شباب العرب على ما أنتم فيه من محنة فهي نقمة ظاهرها عذاب ولعل باطنها نعمة ورحمة.

الخلاصة إن الهواة السحيقة التي تتسع كل يوم بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء أو الطبقة الميسورة والطبقة المعوزة ما هي إلا نتاج سياسة التخويف بالجوع ونشر الجهل لتكريس العبودية الحديثة بالمجتمعات العربية حيث أن هناك طبقة السادة وطبقة العبيد وإن تسميتها بأي مسمى أخر ما هو إلا تغطية للشمس بالغربال.


  • 1

   نشر في 15 أكتوبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا