جمال الثقافة وثقافة الجمال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جمال الثقافة وثقافة الجمال

  نشر في 23 يوليوز 2015  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2016 .

منذ أن أوجد الله الإنسان على الأرض وهو فى بحث دائم عن سبل يعبر بها عن إحساسه بالجمال، هذا الإحساس المبهج الذى يشعر به حينما تقع عيناه على طبيعة خلابة، وتسمع أذناه تغريد الشحارير، وينبض به قلبه كلما رأى محبوبته. استطاع الإنسان أن يجسد هذا المفهوم المعنوى فى موسيقاه وفلسفته وعمارته وأدبه وغيرها من الدعائم التى أعتمد عليها فى بناء حضارته. وعلى الرغم من تعدد ثقافة الحضارات فى العالم، إلا أن جميعها قد وضعت الجمال نصب أعينها. فهاهم الإغريق قد تحدثوا عن الجمال فى فلسفتهم، وتنافس الرومان فى تجميل مبانيهم وتماثيلهم، وتغنى العرب بأجمل الأشعار والألحان، فبات الجمال الغاية التى يطمح إليها كل مبدع. وفى هذا السياق، يتناول نصا «الجمال فى الثقافة العربية » (١) و « ثقافة الجَمال.. فى عصر المساكين » (٢) مفهوم الجمال فى الحضارتين العربية والغربية، بيد أن كلا النصين يناقش هذا المفهوم من منظور مختلف، حتى وإن تلاقت بعض الأفكار.

يلقى المقالان الضوء على الفرق بين مفهومى جمال الثقافة وثقافة الجمال. فبينما يستفيض نص «الجمال فى الثقافة العربية » فى إبراز مظاهر الجمال فى الحضارة العربية الإسلامية، يوضح النص الثانى كيف أن إحياء الجمال عن طريق الأعمال الأدبية والفنية، خاصة الشعبية منها، لجدير بأن يخفف الكثير من معاناة المساكين والمقهورين فى عالمنا المعاصر، ولنا فى الكثير من الروايات نماذج لمختلف صنوف الظلم التى تدق عظام الطبقات الكادحة المقهورة مثل رواية « البؤساء » لفيكتور هوجو وراوية «المساكين » لدوستويفسكى. وبالتالى فإن المقال الأول يتحدث عن الثقافة بشكل عام، فى حين يركز النص الثانى على جزء من الثقافة، هو الأدب.

والجدير بالذكر أن كلا النصين قد تحدث عن الجمال فى العالم العربى الإسلامى الكلاسيكى وفى الغرب الكاثوليكى، وقارن بينهما. فبحسب المقال الأول، مال الفنانون المسلمون إلى فصل معايير الدين عن قواعد الجمال، على الرغم من تغلغل الدين فى الثقافة العربية. فعلى الرغم من أن الإسلام لم يضع منهجا علميا للجمال، فالمبدعون العرب أخذوا يطلون أعمالهم الفنية بطلاء الجمال. ويذكر كاتب المقال الأول أن العرب قد مزجوا الجمال بفنونهم آنذاك، على عكس نظرة الغرب الكاثوليكى المغايرة للجمال، فلقد جمعت الثقافة الغربية بين الجمال والدين، خاصة فى العصور الوسطى، وشعر الغرب بالحنين إلى أمجاد الماضى، ومن ثَم عمل على إحياء مفهوم الجمال القديم. ويضيف النص الثانى أن الجمال فى الثقافة العربية لا يشمل الجمال الخارجى فقط، بل ينعكس على الأخلاق والأفعال، فى حين أن الغرب المعاصر أهتم بالنظرة الفلسفية للجمال الذى يعين على تحمل مصاعب الحياة الواقعية. غير أنه من الملاحظ أن النص الأول قد ركز أكثر على الجمال فى الحضارة العربية، فى حين أسهب النص الثانى فى الحديث عن تأثير الأدب الغربى فى تقديم الحلول للمظلومين، وإن كان قد عدّد من الأمثلة ما ينتمى أو ما تأثر بالأدب العربى، مثل رواية « أدوبيس » لنجيب محفوظ و « نزل المساكين » للكاتب المغربى طاهربن جلون.

ولقد تناول كلا النصين حقبة زمنية محددة، إذ أن المقال الأول ركز على عصر ما قبل الحداثة فى الحضارة العربية خاصة فى الفترة ما بين ظهور الإسلام وحتى القرن الثانى عشر أى الفترة التى عاصرت القرون الوسطى فى أوروبا، حتى وإن ورد فى النص نموذج واحد من فنانى العصر المعاصر هو للسيدة أم كلثوم. فى حين تناول المقال الثانى الحديث عن الجمال فى الأدب العربى والغربى المعاصرين. ومن المقالين يمكن استنتاج أن دور الجمال قد تأرجح بين كونه الدافع الذى حرك المبدع فى الماضى، خاصة العربى، لكى يثرى التاريخ بمنجزاته وابتكاراته وكونه وسيلة تآزر المستضعفين وتهون عليهم ظلم مجتمعاتهم لهم فى العصر الحالى، سواء فى الشرق أو فى الغرب.

الجمال، تلك الكلمة المبهمة غير محددة المعالم، ساهمت كل الحضارات على مر العصور فى إضفاء معنى جديد لها، وأصبحت سر الخلاص للمدحورين والصاغرين فى عاصرنا الحالى، فباتت محرك النهضة فى جميع الأدهر. فمهما اختلفت الثقافات، سيظل الجمال هو الغاية التى تلهب خيال كل فنان ومبدع، وتخرج من جعبته كل ما تطرب له الأذن وتسعد به العين وتتغنى به الروح ويرتقى به الفكر، وهو ما تستمد منه المجتمعات قوانينها التى تدفع الأفراد إلى اكتساب جميل الصفات وحسن الأخلاق. باختصار الجمال هو سر الحياة… 



(١) مقال « الجمال فى الثقافة العربية » نشر فى مدونة على موقع الإنترنت بتاريخ ١٠ مارس ٢٠١٣ على موقع http://prom2000.blogspot.com/2013/03/blog-post_10.html

(٢) مقال « ثقافة الجمال .. فى عصر المساكين » كتبه د.ملاك نصر فى مجلة العربى، العدد ٦٦٣- فبراير ٢٠١٤


  • 3

   نشر في 23 يوليوز 2015  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2016 .

التعليقات

بسمة منذ 1 شهر
سلمت اناملك .
0
كاريداد راجح
أشكركِ على تعليقك الجميل.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا