ايلان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ايلان

مقتطفات

  نشر في 19 ديسمبر 2016 .

الساعة الآن تشير إلى ما بعد الثالثة صباحا،

هذا العالم أفقدني عذريتي في الحديث، صرت قاصرا على الكتابة، أصبحت أرى تلك الرؤى كما لو أنها شريط سينماءي موثق داخل عقلي، تغلغل وجع هذا العالم بداخلي، فرحت أتأوه لكل تلك الأرواح التي تصعد إلى خالقها، هل الطريق سهلة نحو الجنة ؟ لماذا لا وجود لطريق نحو جهنم ؟ لأن كل الطرق التي أردنا تعبيدها وصولا إلى جهنم، بناها الإنسان فوق هذه الأرض، هل تنظر إلى هذا الجحيم يا صديقي؟ إنك تبكي مع كل نفس تتنفسه، تنفس جيدا، فلا تعلم متى ينقطع النفس عنك، و متى تعود إليك غيمة الموت فتخبرك أنك اسم مضاف فوق قائمة المغتالين للساعات القليلة القادمة، حدثني ملك الموت ذات ليلة عن أرواح زهقت دون رحمة، كان حديثه يتردد داخل مسامعي بخشوع، هل كان يصلي من أجل هؤلاء الذين اختارهم الموت؟ و هل اختارهم الموت حقا أم أنهم اختاروه ؟ كان يبكي، هل كان يسقي قبورهم المعدة فوق ورقته ؟ أي قلم قبل مهمة تدوين أسماء هؤلاء الأطفال الذين يموتون تحت القصف ؟ أي قلم قبل تدوين هؤلاء الأطفال الذين يبيتون في العراء؟ أي قلم هذا الذي خان حبره و انفصل عنه و أعلن قطع الوريد عن حبل الحياة ؟ كان يرتعد كلما وجد طفلا غريقا في دماءه أ أكتب نص نهايته؟ لقد كان يتأوه ألما، يصرخ دون صوت، يحرك جسده المبتور كما يتلوى الجنين في بطن أمه، اه ليته لم يخرج من بطنها، ليته لم يكلفني عذاب نهايته، ليته لم يصنع بداخلي تلك الشفقة التي ما خلقت لأجلها، لماذا أبكي؟ و قد نعيت بسلب روح نادى بها الرب، هل هكذا هي الحياة التي قالوا أنها نعيم الدنيا ؟ ما جحيم الآخرة اذن ؟ إن كنا نموت اليوم في صمت تحت زخات الرصاص أو بين أرجل المارة بحثا عن رغيف يسقط جوع ليلة فارطة ؟ أيها الطفل الذي لم ير النور منذ ولادته، ولدت فوق بقعة ظلماء لونتها الدماء، أيها العربي الذي يعيش فوق الحديد، متى يأتي يوم الوعيد؟ يحكى أن غيمة مرت فوق أرض الشام و حلت فوق أرض فلسطين و دارت مدن الخريف العربي، و بكت، ثم تبددت و بقيت أفكر كم وجعا حملت معها في كل رحلة ؟ اه! و قد زنت بنا الآهات و لم تشرع لنا الحكومات العربية حدا للنطق!

متى يخف وجعنا ؟ أعندما نموت جميعا؟ ها أنا أموت فوق الورقة ؟ من يثأر لي ؟ من يثأر لطفلي الذي مات منذ قليل تحت قصف المطر ؟ من يثأر لي عندما قيدوني بأصفاد الكلاب و اغتصبوا أرضي و زوجتي معا؟ كيف أحدث طفلي في المهجر، عن قذيفة سقطت صدفة فوق منزلنا؟ كيف يمكن أن أحدثه عن ذاكرتنا المنزوعة بالسلاح ؟ كيف أخبره أن ألعابه الطفولية دمرتها ألعابهم الحربية في رمشة عيني ؟ كيف أقول لابنتي الصغيرة أن دميتها قد شوهت بالكامل ؟ كيف أخبر جدي أنني فقدت منزلي؟ كيف أحشر وجعي داخل وجع آخر حتى لا يراه أحد غيري؟ متى تنتهي المسرحية، و ينتهي الشقاء، و نعود إلى الحياة؟

كنت أفكر في كل تلك الأرواح البريئة الطاهرة من كل خبث، و كنت أحاول عد الأطفال الذين ماتوا من جرائم الحرب في أي قطر داخل هذا العالم الظالم، و في كل روح وضعت شمعة حتى لا يظل الظلام، تصور أن كل طفل كان يحمل حلما، واحد يريد أن يكون مهندسا فهندسوا له قبرا، آخر يريد أن يكون طبيبا فقتلوه بخطأ طبي من رصاصة غادرة، واحد آخر كان يريد أن يصبح طيارا فقتله طيار، طفل آخر همس في أذني و قال لي: أريد أن أصبح معلما، فدرسوه فن الموت، كان كل طفل داخل أذني يتحدث بلغة خاصة، أصواتهم كانت لينة و من شدة وجعي كنت أبكي.. على كل تلك الأصوات التي أوصلتها لكم هنا حتى اختنقت..


  • 4

   نشر في 19 ديسمبر 2016 .

التعليقات

مقال رائع جداً ومؤثرر ، وأثر في بشكلٍ لا تتصوره!
أحسنت الكتابة من الناحية الشاعرية والفكرية والأدبية!
يكفي فقط هوا احساسك بالمعانة التي يشعر بها المسلم معدومِ الحيلة والسلاح!
فلا نجد بأيدينا سوا الدعاء ...
جزاك الله خيراً أخي الكريم
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا