عودة عنترة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عودة عنترة

زكرياء توجاني

  نشر في 28 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 ماي 2017 .

عنترة لا يتركنا دقيقة واحدة
فمرة يأكل من طعامنا ومرة يشرب من شرابنا
ومرة يندس في فراشنا
ومرة يزورنا مسلحا
كي يقبض الايجار عن بلادنا المستأجرة
-نزار قباني-


الشعب يريد اسقاط النظام!!

تسللت الكلمات في عناد بطيئة ورنانة من نافذة مكتبه في القصر الرئاسي لقد تجاوزت الحشود كل الحدود وتخطت كل المتاريس أصبح العسكر امامها عاجزا عن حماية القصر الرئاسي فأوامر إطلاق النار لم تفلح في ثني المتظاهرين عن الزحف الى الميدان وغطى هتاف الجماهير لعلعة الرصاص حتى الصبيان لم يكترثوا لوجود الدبابات فوجودها أصبح حافزا قويا للحضور لكل اولئك الذين يموتون كل يوم في ظل هذا النظام!! من كان يظن ان صرخة صغيرة ستذيب جبل الجليد وتكسر جدار الصمت الذي حرصت المخابرات والجيش على بنائه والرفع من متانته طوال عقود، جعلت الناس يتحاشون نقد سياسة الدولة بل حتى كان الرعب يستبد بهم إذا ما سألهم أحد عن رأيهم في جودة الخبز او أعرب علانية عن تذمره من الازدحام في المواصلات ولم يكن أحد يمتعض من سوء الخدمات الصحية او يعتقد بسوء السياسة التعليمية.

كان الكل يشك في الكل وعندما يختلي بنفسه يشك فيها ايضا!

ولم يعتقد أحد ابدا ان ماردا ازرقا سيشعل غضب الناس في عالم افتراضي ويحمله الى الميادين ليفجره أمام العالم باسره.

خرج عنترة بالأمس من شرفة قصره ليعلن على الشعب اقالة الحكومة ومحاكمة اعضائها وعد بالإصلاح والصحة والعدل وعد بإطلاق المعتقلين والرفع من الاجور وتوزيع المساعدات وعد بحكومة وفاق وعد و وعد.. وقوبلت كل وعوده بالصفير فالجملة العنيدة تغطي السماء كغيمة سوداء ومطالب الشعب لم تعد اجتماعية ولم يعد هناك شيء لثنيهم عن المطالبة براسه، تنكر له الجميع الشعب تامر عليه في الردهات المظلمة والساسة عقدوا اتفاقهم في غابة بوهيمية وأصبح هو هدفا مشروعا للجميع

لم يعد امامه من سبيل الا الفرار الى أحد مقراته السرية فتح خزنته السرية التي يخفيها وراء لوحة زيتية تمثل معركة في القرون الوسطى جمع بسرعة وثائق مهمة في حقيبة جلدية ذات لون بني فاتح اقتناها اثناء زيارته الاخيرة الى روما، اخرج مسدس الرحى من درج مكتبه تفقد الرصاصات الستة عيار36 ملم ثم وضعه في حزامه وخرج بسرعة الى غرفة قصية في الطابق السفلي نادى اثنان من اوفى حراسه :"لا وقت لدينا هيا"

سلك  سردابا عريضا إلى خارج القصر بواسطة سيارة كهربائية وما هي الى ساعة ونصف حتى كانوا في ضيعة خارج المدينة ركب الجميع في سيارة مدنية مصفحة وانطلقوا الى احدى القرى النائية حيث يحتفظ هناك بمنزل سري كان يقيم فيه ليالي حمراء بين الفينة والاخرى, كانت السيارة تشق الطريق بسرعة لا تضاهيها إلى تزايد دقات قلبه كلما تذكر صور زملائه الرؤساء الذين تمت الإطاحة بهم قبله وبين كل هذه الصور تبرز صورة جثة الرئيس الذي انقلب عليه وعشرات الرصاصات تخترقها محولة إياها إلى غربال لطالما كانت هذه الصورة مصدر فخره فطيلة عقود اعتبرها تجسيدا لقضائه على الشيطان في صورته الإمبريالية انه يعيش الأن أسوء مخاوفه فالتاريخ اليوم اقرب لاكمال دورته واعادة نفسه. وجسده اصبح اكثر قربا ليكون هدفا للرماة وفجأة قطع صوت من أثير موجة الاذاعة الوطنية كان صوت قائد الاركان يزف الى الشعب نبا عزل الرئيس وهنئهم وهنا نفسه بالثورة المجيدة ثم شرع في كيل المديح للشجعان الذين صنعوا الثورة وللمناضلين الذين اناروا دربها من زنزاناتهم كما وعد الشعب ان ينتقم من الرئيس المعزول.

وخلف صوته كان هتاف الجماهير يتصاعد مهللا للثورة

غطت الاعلام الميادين في مختلف مدن البلاد وخرج الناس مبتهجين بكسبهم الرهان فهم ايضا صنعوا ثورة وهم ايضا أسقطوا الرئيس . نقلت الميديا العالمية اجواء الاحتفالات في الميادين الرئيسية طيلة ايام انتعش خلالها دخل بائعي الاعلام والبالونات والشهب الاصطناعية ووجد عدة اشخاص الفرصة ملائمة لتجارة المأكولات الخفيفة فالفرحة دفعت النساء الى استخراج مدخراتها من معلبات التصبير ومن الوسائد الجانبية واصبح الجميع ينفقون بسخاء يزداد كلما اعلن عن اعتقال مسؤول هارب او مصادرة ممتلكات اخر وبلغ السخاء ذروته عند الاعلان عن العثور على جثة قائد الاستخبارات وقد اخترقت رصاصة جمجمته من الفم الى اعلى الدماغ ابتهجت الرعية بالأمر لم يبالي احد بكيف تم ذلك فالرجل كان مصدر رعب حقيقي للجميع حتى لكبار المسؤولين تم الاعلان عن انشاء حكومة تصريف اعمال الى حين اجراء انتخابات نزيهة وشفافة وضمت الحكومة كل الوجوه المعارضة السابقة انتقلت توا من رطوبة الزنازين الى كراسي الحكومة الوتيرة ودفئ السلطة ومن الحديث الى صراصير وجرذان السجون الى تأطير حوارات وطنية عن العدالة والديمقراطية بصفاتهم الجديدة كخبراء في البلابلابلا.

وفي لحظة خاطفة انتقلت الصحافة من الكتابة عن يوم القيامة وعذاب القبر ونعيمه إلى مناقشة قضايا حقوق الانسان

لقد انتقلت البلاد في لمحة بصر من أعتى الديكتاتورية إلى ديمقراطية واعدة بسرعة قياسية اصابت الجميع بالدوار

مرت الايام والحكومة والبرلمان والشعب ينتشون بالثورة ويمتدحون الشجاعة التي تحلو بها للقيام بذلك وتحدثوا على ان اول ثورة في العالم قامت في بلادهم وأنها شهدت على طول العصور ثورات متعاقبة وحاسمة فمرة ثار الشعب على الشاي وقرر شرب القهوة ومرة تقرر ضرورة اسقاط النوم ليلا والنوم بعد ذلك نهارا ومرة انتقدوا النظام الفلاني واعتنقوا العلاني

مر شهران كاملان والناس في نشوتهم حين برزت طائفة تدعوا للحكم بما انزل الله وتقوم طائفة اخرى لتعترض عليها بقوة وتدعوا الى تبني القوانين الكونية وجاء الرفاق ليعلنوا العداء لدعاة السوق الحر وخرجت طوائف من تحت الارض تطالب بحقها في الاقدمية وبكت طوائف اخرى امام الكاميرات الاجنبية تشتكي اضطهاد الاقليات وصرخ اخرون بقوة للانتزاع الاعتراف بميولاتهم الغريبة كانت كل الطوائف تلتقي في الميادين لتحتج ضد بعضها البعض وعندما يعودون الى المنزل يمتعضون من وجود بعضهم قرب البعض .اجتمع الحكماء وقرروا حفاظا على الوئام الوطني وحقنا للدماء أن تسكن كل طائفة لوحدها في مدينة مغلقة وافق الجميع على مضض وسرعان ما انقسمت كل طائفة الى شقين وكل شق الى شقين وهكذا نسي العالم الثورة واصحابها امام مستجدات ثورات اكثر حداثة واثارة ولم يبقى للطوائف من حولها الا السلاح لإثارة الاهتمام وبسط السيطرة فكان الاقتتال فمات من كل شق شق.  وكفر شق الشق بالوطن والطائفة وراح كل شق يقاتل ليحيى فقط وقد كانت كل الشقوق تضمر في نفسها مالم تعلنه ابدا هذا لا يصلح لنا لسنا اهلا له عنترة يفهمنا عنترة سرنا ودستورنا

وبينما كان الجميع في غمرة بحثه عن ذاته ارتفع صوت في الأثير معلنا:

" ايها المواطنون عنترة يخاطبكم"

عندها فقط تنفس الجميع الصعداء..


  • 6

   نشر في 28 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 ماي 2017 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 1 شهر
عندما تترجم واقعنا الى كلمات وتعجز الكلمات عن حمل ثقل المعاناة ،وحين يكون المصير مجهولا ،ماذا بعد كل الفساد ،لا يدفع الثمن الا بسيط مسكين،ما اروع المقال وما اروع تعليقك على مقالك ،دام قلمك.
0
الحرية حاجة فطرية تحرك النفس البشرية وتدفعها الى الانعتاق من اغلال الكبت والقمع نحو رحابة الانسانية نحاول في "عودة عنترة" اكتشاف حجرة العثرة التي حولت ثورات الربيع العربي الى واقع مؤلم وجعلت من سعي شعوبها الى الكرامة عسيرا وذو تكلفة باهظة
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا