الريّس كلْضَم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الريّس كلْضَم

قصة قصيرة

  نشر في 19 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 18 غشت 2017 .

  النص الوارد بالخط الداكن من أوراق بعضها واضح والبعض الآخر ملطخ بالطين أو ممزق ومهترئ وجدتها بينما كنت أتسكّع على كورنيش النيل , فجلست بدافع من الفضول على أقرب مقهى,ورتّبتها , ليكتمل النص كالآتى :

" إسمى (محمد) ,لا أدرى ما المفيد من ذكر إسمى, إعذرونى فأنا حزين ومتوتر جدا وأكتب فقط لأنشغل عما يدور برأسى , أكره الأقوياء المحظوظين و..(جزء ملطخ بالطين)

إنتظر لا تملّ الآن ,حسنا, لندخل فى المفيد ..

أدرس فى مدينة المنصورة بإقليم دلتا مصر بقى لى سنة واحدة هنا , مدينة جميلة وبسيطة أهلها طيبون ومسالمون ,من أول يوم هنا وكعادتى فى أى مدينة جديدة و بدافع من الفضول إستغرقت فى التسكع فى شوارع المدينة الخلفية التى تمثل _فى نظرى_ المعنى الحقيقى لأى مكان,إنتظم تسكُّعى حتى أصبحت أمر على نفس الشوارع ونفس الأشخاص والأماكن وأعتقد أن وجهى أصبح مألوفا بعض الشئ للناس فى هذه الحوارى الضيقة والشوارع البائسة,حتى وصلت درجة الألفة إلى أن السيدات الجالسات على المصاطب أمام البيوت ما أن يرونى قادما من أول الشارع فى نفس الساعة يوميا يتغامزون ضاحكين :

_أهو جه !

ضايقنى هذا كثيرا وفكرت فى تغيير خط سيرى,ولكن لو فعلت ذلك لتضايقت أكثر فاستمريت فى نوبتى اليومية.

_بينى وبينك_أنا أيضا ألفت وجوههم و استمتعت كثيرا بتلك المشاجرات التى شاهدتها _وخاصة النسائية_ وبالأطفال الباكين ونصفهم السفلى العارى ووجوههم الملطخة بالمخاط الجاف وأقدامهم الحافية,أستمتع بذلك كثيرا !!

سئمت هذه المنطقة وقد شعرت أننى أثرت الريبة فى نفوسهم عندما رمتنى إحداهن بنظرة شزراء وكأننى كنت أغازلها وهى بدورها تتدلل كأنثى يعنى !!

لم ألق لها بالا,ولكن فى اليوم التالى شعرت بأن الجالسات يتميزن غيظا منى وقد أصبح من الخطر المشى فى هذه المنطقة.

نهايته.. قررت أن أتوجه إلى النيل الذى يتدفق فى وسط المدينة فى منظر ساحر خاصة ليلا , ووجدت هناك ما جذبنى كثيرا لدرجة أصبحت أستذكر دروسى على النيل بجانب عم "أبو حبيبة " بتاع الشاى. بدأت أجرب كل ما يمكن على ضفة النيل الهادئ الرصين من ترمس وذرة مشوى وبطاطا وطبعا شاى وغيره , أجلس وظهرى لصخب الشارع أحدق فى المياه وأتأمل !

يحل الشتاء هنا فيخلو الكورنيش إلا من العشاق البسطاء تمنعهم من برد الشتاء, حرارة الذرة المشوى و أشياء أخرى !! ,لم يكونوا أبداً زبائن لأصحاب المراكب الصغيرة التى تأخذ الأجرة بالساعة فى الأيام الصافية فما بالك بالشتاء ؟

ولذلك دائما ما أجد هؤلاء المراكبية يجلسون تحت الشجر الكثيف النامى على الضفاف بجانب مراكبهم المتوقفة يشعلون "الكانون" ليشربوا الشاى ,كانوا تحتى تماما ,وكنت مستندا على الكورنيش المتهدّم , أثرت بعض الرمال رغما عنى فالتفتوا إليّ منزعجين .

_أنت بتعمل إيه عندك يالا ؟!

_لا مؤاخذة يا ريّس

_روح يا شيخ يلعن أبو دمّك,بوّظت الشاى

فى محاولة لتغيير مجرى الحديث فقد إستشعرت الخطر الناتج عن إحداث توتر مع مشروع فسحة مستقبلية وأصبح من الواجب أن أتحدث معهم قليلا فنزلت لهم لأعتذر .

_ولا يهمك يابنى طول عُمر "الواد عاشور" سريع الغضب ودُهُلّ.

كان رجل ستينى تختفى ملامحه خلف التجاعيد والأخاديد فى وجهه الذى خلا من الأسنان ليحدث فجوة عميقة خفيفة الظل إذا ضحك,وشنبه الأصفر من أثر التدخين,وعينيه اللامعتين اللاهيتين يظهران شقاوة وذكاء أقلقانى كثيرا.

قال أن إسمه "الريّس كلْضَم"

_حد يتمشى فى البرد ده يابنى؟ ويعيد تثبيت "كلبوشه" مرارا

_أنا كنت عاوز أستأجر مركب ؟

_إتفضل يابنى

_بكام الساعة؟

_خليها على الله

همّ "الواد عاشور" بالقيام ولكن بسبب التوتر بينى وبينه من أثر الشتيمة,إستوقفه "الريّس", وما أن أصبحنا فى وسط المياه تماما ,شعرت بانعدام وزن وحالة من الطرب إمتلأت له رأتى بالهواء,بينما بدا هو معتادا على الأمر فابتسم متفهما.

أنظر لانعكاس أنوار الكوبرى على المياه وأبتسم..

كم أكره أنوار هذا الكوبرى وأعشق إنعكاسها على المياه ؟

بينما يستمر هو فى حركته الآلية.

الشعور بالوحدة يُسهّل الشعور بالأنس , آنست به كثيرا وشعرت أننى أعرفه من زمن ,ما هذا الطرب الغريب ؟!

_ربنا يقويك ياريس,تحب أساعدك ؟

_يابنى أنا إيدى بقت مجداف ورجلى مرسى , هاها , أنا مركب راكب مركب يابنى

_إيه الكلام الكبير ده يا ريّس ؟

_من الآخر دى هواية ,أيوة هواية,بعد عشر سنين فى العراق أيام العز, أنا متجوزتش معنديش عيال مش محتاج أشتغل ياحبيبى ,أنا شغال لمزاجى وبس.

اللى بعمله ده عشان البحر, برُد له جميل , لحم كتافى من خيره ,والمركب دى تشهد

اللى قدامك ده أول واحد فى البلد دى يجيب "دش" كنت تبص على البيوت من بعيد تقول ده بيت "الريّس كلضم" الناس كانوا بيركبوا مواصلتين عشان يجو يتفرجوا عندى,شايف البيوت اللى هناك دى؟

وجهت بصرى إلى ما يشير فوجدت هذه "البيوت" عبارة عن "عشش" من القش والبوص .

_بتبُص فين كل ده ؟ أهى قدامك !

تجاوزت هذه النقطة الغريبة حتى لا أحرجه أو أوتّره فنحن فى وسط المياه وهذا خطر خاصة لرجل فى سنه.

_هاهاها ,مكسوف تقولها ؟

_بصراحه , أيوة.

_يابنى أنا ليا نظرة خاصة , مفيش حاجة إسمها عيشة كريمة ولا كرامة ولا غيره , دى حاجات إخترعها من يملكها ليظن الناس أنه يملك السعادة والحقيقة أن السعادة التى يملكها تكمن فى ظن الناس فقط .

كلها مظاهر فارغة, لو ربنا أراد لنا الكرامة ,لما جعلنا نضرّط ساعة الإحتضار,هاهاها , فكرتنى بأمى فقعت "بومبة" وهى بتطلع فى الروح بدّلت بكائى الحار إلى ضحك مختلط بالدموع .

لما تغيب المنغّصات,وقتها بس تتحقق السعادة.

_الله عليك يا "ريّس كلضم",كلامك حكم والله .

أخذت أصفق بكلتا يديا فانتتر "الريّس كلضم" طربا حتى كاد توازن المركب أن يختل , (وأخذ يهز وسطه وقد رفع ذراعاه إلى أعلى فى حركة راقصة) و إنطلق الصياح من فمه الفارغ بلكنة مضحكة :

_مش هنام إلا فى قبرى , وطول منا واقف على رجلى هرقص يا ولاد الكلب

هرقص يا ولاد الكلب ..

اليوم فقط ذهبت لأسال عنه ,فأخبرونى أنه مات ذات يوم فى السادسة صباحا وحيدا فى مركبه يحتضن الشيشة

الله يرحمه !"

تمت الأوراق..طبق الأصل .


  • 1

  • محمد سامى أبو القاسم
    احب الكتابة ،أرى أن القصة حياة على الورق أكثر دلالة وأكثر عمقا،وأن الأدب الحقيقى هو ما يصالحنا على الواقع لا يحاكمه. msamyy8@gmail.com
   نشر في 19 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 18 غشت 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا