مَلكْنا فكان العفوُ مِنا سجية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مَلكْنا فكان العفوُ مِنا سجية

  نشر في 02 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يناير 2017 .

   من أشهر أبيات الفقيه الشافعي المذهب، الأديب والشاعر أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب بـ( شهاب الدين) والمعروف بـ( حيص بيص ) قوله :

ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا عن الأسرى نعفُ ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح

هذه الأبيات تصف التناقض الواضح بين  فيلق العدل وفيلق الظلم أو خندق الحق وخندق الباطل. وعلى مدار قرون طويلة ظل هذا التناقض قائما – وسيظل- ويزيد في أحايين كثيرة ليصل حد الفجور في الخصومة بين طرفي النقيض. والغريب أن ذوي الأباطيل هم من كانوا ولايزالون يكيدون لأهل الحق !!

أقول : إن ظهور الإسلام وما تلاه من شيوع الرسالة المحمدية الخاتمة – على مبلغها الصلاة والسلام - وانتشارها بين الاقطار متخطية حاجز المكان واللغة والعرق، خلق نوعا من الأخوة الإسلامية بين أتباع هذا الدين جعل منها قوة إيمانية عقائدية محالٌ انتزاعها من قلوب هؤلاء الأخوة المتحابين في الله. وفي المقابل واكب ذلك ميلاد نوع جديد لم يكن معروف من قبل من الحقد والضغينة والحسد والمكر والخداع ضد هذا الدين وأتباعه من قبل منتسبي الشرائع السماوية السابقة ; اليهودية والنصرانية ( المسيحية).

ورغم أن الرسالة المحمدية لم تحمل سوى الخير والمودة والسلام والتعاون والتعايش بين البشر. وبيد أنَ العدل من مبادئ الاسلام، وهو ما ثبت تطبيقه في المجتمع الاسلامي سواء بين المسلمين وبعضهم او بين المسلمين وذوي الشرائع الأخرى في بلاد الاسلام . إلا أنّ هذه المثل العليا وعلى رأسها العدل لم يُعامَل بها المسلمون من قِبل الحُكّام غير المسلمين في فترات التقهقر والتراجع والاضمحلال .

والمتتبع للتاريخ بشكله المتكامل وخاصة تاريخ التلامس بين المسلمين وغير المسلمين وأكثر تحديدا تلك التعاملات بين المسلمين من ناحية والمسيحيين واليهود على وجه الخصوص من ناحية أخرى ، يرى بلحاظ العين الفاحصة من خلال قراءاته للمراجع الموثوقة ، أنّ المسلمين عانوا كثيرا من المكائد والدسائس التي كادها ودسها لهم منتسبي اليهودية والمسيحية كل على حدة أو بالتعاون المشترك بينهما.

كان هدف هذه المكائد – هذا الهدف معروف من التاريخ والحاضر بالضرورة - هو استئصال شأفة الإسلام . هذا الدين الذي سحب من تحت أباطرة الشرائع السابقة بساط الوجاهة الدينية التي اكتسبوها من التخفي خلف ستار الدين تحقيقا لمصالحهم ، والذي هدد عروش ملوكهم القائمة على الاسترقاق والظلم والاستقطاع والجباية والاستعباد . هذا الدين - الاسلام - الذي ضمّ من رعايا هذه الممالك المسيحية وغيرها عبادا قبلوا الاسلام لِما وجدوا فيه من قيم تُساوي بين بني آدم وترفع من كرامة البشر وتمحو الطبقية وتزيل الفوارق القائمة على العنصرية المقيتة.

الحقيقة والواقع ، أنّ هدف هؤلاء لم يتحقق . إلا أن ما يُحسب لهم أنهم ما إن تفشل احدى محاولاتهم حتى يعاودوا الكَرّة مرة أخرى وهكذا دواليك . وبالعودة إلى تاريخ الرسالة المحمدية الخاتمة ندرك كم كان مهولا ذلك العدد من المحاولات الفاشلة في استئصال بيضة الاسلام. لكن هذا لا يعني أن المسلمين نجوا من كل هذا المحاولات بلا خسائر والتي كانت في كثير منها جسيمة بالمعنى الدقيق للكلمة ، ولا يعني هذا الفشل المتكرر في تحقيق الهدف الأسمى لهم ، أنَ المسلمين هم سبب إفشال هذه المخططات دوما ، بل إن اللوم الأكبر يقع على المسلمين في كثر من العهود بسبب ضعفهم وارتكانهم إلى الضعف والوهن والحروب البينية بين الممالك الاسلامية الصغيرة المتطاحنة.

والإنصاف يدفعنا إلى أن نعطيهم حقهم ، فالأوروبيون المسيحيون كانوا دوما أكثر عدة حربية وعدد جنود ويقظة وتحينا للفرص بل واصطناعا للفرص أيضا من أجل الانقضاض على فريستهم التي كثيرا ما أناخت نُوق الحرب ونَحّت الجهاد كفريضة جانبا وركنت إلى الراحة والاستسلام . وفي المقابل شهد التاريخ الاسلامي وخاصة في مقتبله قادة عظام استطاعوا تلجيم بني الأصفر مرات ودحرهم مرات وفتح بلادهم مرات ومرات. ولا يتسع المجال هنا لذكر هؤلاء القادة الأفذاذ .

( لقد علمنا التاريخ دائما أن صعود وسقوط الحضارات ، يعود بصفة رئيسية إلى الشعوب ، فالشعوب هي التي تصنع الحضارات ، ونوعية أفراد تلك الشعوب هي أهم المكونات المطلوبة لإحداث تغييرات دراماتيكية في المجتمعات والأمم) ((من موسوعة مهاتير محمد - المجلد الأول )) وهذا الأمر لا يمكن إنكاره فالبشر هم حجر بناء الحضارات ومعول هدمها أيضا ، والعلم والمعرفة هما أساسا تكوين العقل القادر على قيادة تلك الحضارة.

لم يكن المسلمون الأوائل شذوذا عن هذه القاعدة، بل كانوا خير مَثلٍ يُحتذى في تأسيس امبراطوريات العدل ودول الرحمة وفي غرس بساتين السلام وفي تشييد قلاع الدفاع وصروح العلم. وكل ذلك بالاسلام وتعاليمه التي تحض على تعلم العلوم وترجمتها والاسهام فيها من أجل حياة ذات معنى لبني آدم. وبخطوط متوازية سار المسلمون يبنون امبراطوريتهم الأكبر في التاريخ ، فسار خط العدل والقسط في التعامل جنبا إلى جنب مع خط القوة والمنعة . وعلى التوازي من ذلك انطلق التصنيع والتخطيط الحربي وفنون القتال واستراتيجياته وتكتيكاته الهجومية والدفاعية فأضحت دمشق حاضنة افضل صناعة في مجال الحديد والصلب لإنتاج الأسلحة. وبمحاذاة ذلك انطلق خط العلم والترجمة فاطلع المسلمون على كل العلوم ودرسوها باستفاضة حتى تميزوا فيها فأسسوا علوما جديدة ودشنوا فروعا جديدة من العلوم القائمة وهذبوا ما وجدوه في حاجة للتهذيب في بعض العلوم . ونشروا العلوم الشرعية التي حملوها كأمانة تبليغ لكل بني آدم في مشارق الأرض ومغاربها .

فبالعلم الشامل تمكن المسلمون من بناء أول إمبراطورية عظيمة لهم . وبالعلم الشرعي وتعاليمه كسب المسلمون قلوب زملائهم من سكان العالم القديم آنذاك ، وبالعدل والسماحة استقر الحكم الاسلامي في كثر من أصقاع العالم على أطلال الامبراطوريات المندحرة التي ساست رعاياها بالظلم والجور والقهر.

الثابت عند كل المؤرخين المنصفين أن أتباع الشرائع – اليهود والمسيحيين – كانوا يعيشون بحرية في البلاد التي حكمها المسلمون ولم يُجبروا على ترك معتقداتهم والالتحاق بركب الاسلام ، بل ويشهد التاريخ أنّ المسلمين استعانوا بذوي الكفاءة من أتباع الشرائع والاثنيات وولوهم مناصبا قيادية فعاشوا دون منغصات ومن غير تضييق وبعيدا عن التمييز العنصري ضدهم ، فها هو الطبيب اليهودي ( حاسدي بن شبروت) الذي كان يعمل في ديوان الخليفة في الاندلس ، كان يعمل علنا على رعاية مصالح اليهود في ظل تلك الدولة السمحة ، وها هم اليهود من التجار يعملون ويجمعون الثروات الطائلة دون مَنٍ أو جَورٍ في ظل الحُكم الاسلامي في الاندلس وفي غيرها.

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام : هل عُومل المسلمون نفس هذه المعاملة إبان حكم الامبراطوريات الاوروبية المسيحية لهم ؟ الإجابة عندي : لا . فالمسلمون تحت حكم غيرهم عُوملوا أسوأ معاملة ووصل الأمر في حالات كثيرة إلى تعرضهم للتقتيل والإبادة والمطاردة والصَلب والتعذيب والنفي والسجن والاغتصاب والإجبار على الإرتداد الى المسيحية وأفلت بعض المسلمين من ذلك كله بكتم اسلامهم.

إن التاريخ يذخر بالنماذج التي اعترف بها أهل أوروبا أنفسهم والتي سادت فيها سماحة وعدل الحكم الاسلامي في بلاد كان غالبية سكانها من غير المسلمين. وفي المقابل هناك أحداث لا تُنسى عانى فيها المسلمون أشد انواع المعاناة عندما استطاع الاوروبيون انتزاع البلاد التي سبق للمسلمين فتحها او تلك البلاد الاسلامية التي احتلها الاوروبيون .

فمثلا عندما غزا الرومان فلسطين قديما انتقموا من يهودها وشتتوهم في أرجاء الأرض فيما يعرف تاريخيا بـ ( الشتات اليهودي). لكن ذلك الانتقام لم يحدث عندما فتح المسلمون بيت المقدس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بل إن الخليفة كتب عهدا لأهل بيت المقدس ( إيلياء) يضمن لكل السكان اليهود والمسيحيين العيش الكريم دون تضييق او حط من كرامة أو تقييد للحرية الدينية. والأمر نفسه وجده غير المسلمين من يهود ومسيحيين عندما اعاد الملك الناصر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب التكريتي بيت المقدس الى حِمَى الاسلام بعد ان اغتصبها الاوروبيون في حملاتهم الصليبية.

ولمّا دارت الأيام دورتها ، ها نحن نتابع اليهود ويومياتهم الدموية ضد أهلنا في فلسطين منذ أن استولوا على هذه الأرض المباركة بمساعدة الامبراطورية البريطانية وأقاموا دولتهم المسماه ( اسرائيل) . منذ ذلك الحين ( قيام دولة اسرائيل المزعومة عام 1947) ونحن نسمع من خلال الاذاعات وقتها ثم بدأنا نشاهد على الهواء مباشرة ان اليهود يسومون أبناء فلسطين ذوي الاغلبية المسلمة أشد أنواع العذاب ، فلم يعدموا وسيلة من وسائل البطش والتنكيل إلا واستخدموها ، ولم يتركوا سبيلا الى اذلال والتضييق على الفلسطينيين في مقابل رِفعة شأن والتوسيع على المواطنين اليهود إلا وسلكوه . فأضحت كل الموبقات مستخدمة من قِبَل اليهود ضد الفلسطينيين فلحق الأذى والبؤس بكل أبناء المجتمع الفلسطيني بدءا بالجنين ومرورا بالجنسين الذكر والأنثى في الأعمار المختلفة وإنتهاءا بالكهول .

وعودٌ على بدءٍ ، حيث حضارة المسلمين في الأندلس ( كان يسكنها شعب الوندال – وتقع في شبه جزيرة أيبريا – فتحها المسلمون سنة 711م بقيادة طارق بن زياد وظلت تحت سيطرة الخلافة الاسلامي حتَّى سنة 1492م وتضم الآن اسبانيا والبرتغال وجزء من جنوب فرنسا وكانت متغيرة الحدود وخاصة من الشمال تبعا للمد الاسلامي شمالا او المد الاوروبي جنوبا في أعقاب المعارك) .استمرت حضارة المسلمين في الأندلس قائمة لثمانية قرون كاملة . شهدت تلك البلاد إبان هذه السنين التي اقتربت من الثمانمائة ، طفرات متتالية في الاقتصاد والعلوم والتصنيع العسكري ، وما يهمنا هنا هو جانب الحقوق والحريات ، فقد عاش الشعب الوندالي المسيحي مع المسلمين العرب والبربر الفاتحين ومع الشعب الوندالي الذي اعتنق الاسلام ومع اليهود ، ويمكن القول بكل أريحية أن تلك القرون الثمانية مثَلّت نموذجا متفردا في العالم حيث التلاقي الثقافي المحمود الذي شمل العرب والأمازيغ ( البربر) والقوطيين ( شعب الوندال) والإفرنج ، وكانت الشريعة الاسلامية مصدر المسلمين للتشريع فيما سُمح للمسيحيين والنصارى الاحتكام لشرائعهم مقابل الجِزية ، فأضحت الأندلس كالمنارة العلمية التي يسودها التوادد والتعايش ولم نسمع يوما عن فتنة طائفية او اضطهاد ضد غير المسلمين فيما بقيت بلاد الفرنجية ( فرنسا )في شمال الأندلس في ظلام وظلم وجور وجهل.

أخذت شوكة المسلمين تضعف فينة وتقوى فينة أخرى في مجابهة ممالك اوروبا الملاصقة للأندلس من الشمال ، وواحدة تلو الأخرى بدأت المدن الاسلامية في الأندلس في التساقط بيد الفرنجة الاوروبيين ( فرنسا حاليا ) . وكانت غرناطة آخر المعاقل الحصينة للمسلمين في أيبيريا وفي الثاني من يناير سنة 1492م استسلم أمير غرناطة أبوعبدالله محمد الثاني عشر الى الافرنج وسلّم المدينة إلى الملكين الكاثوليكيين ايزابيلا القشتالية وفيرديناند الثاني الاراكوني بموجب معاهدة سلام وبذلك طُويت صفحة الحضارة الاسلامية في الأندلس . ومازال في غرناطة مكانا يُعرف بـ ( زفرة العربي الأخيرة) حيث المكان الذي ألقى منه محمد الثاني عشر نظرته الأخيرة على غرناطة حيث قالت له أمه عائشة بنت محمد بن الأحمر الشهيرة باسم ( عائشة الحرة) : إبك مثل النساء ملكا مُضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال.

فبعد هذا التعايش المثالي بين أبناء الاعراق المختلفة واتباع الشرائع المتنوعة ، تُرى كيف عُومل المسلمون بعد الاستسلام ؟ على سجيتهم المُحبة للظلم والقهر والعداء للاسلام ولكل ما هو اسلامي ، عامل المنتصرون المسلمين المستسلمين ، حيث غادر محمد الثاني عشر الأندلس هو ومن معه إلى فاس في بلاد المغرب حيث عاش هناك حاملا العار والخيانة والتفريط حتى مات عن عمر يناهز الخمسة والسبعين عاما.

ومن مقال لروجر بواس ( طرد المسلمين من إسبانيا ) تم نشره في موقع قصة الاسلام نقتبس التالي : ( طبقا لنصوص المعاهدة فإنه يحق للمسلمين الاحتفاظ بمساجدهم ومعاهدهم الدينية واستخدام لغتهم وممارسة عاداتهم ، إلا أن المعاهدة نُقضت خلال السنوات السبع التالية حيث أُجبر قادة الدين الاسلاميين في غرناطة على تسليم أكثر من 5000 كتاب تم بعد ذلك حرقها وتم تخيير المغاربة بين التعميد(الردة إلى المسيحية) أو النفي، فكان التعميد بالنسبة للأغلبية هو الخيار الشكلي فأصبح المسلمون الاسبان فيما بعد المسيحيين الجدد ( نظريا) .. إلا أنهم استمروا في تطبيق الدين الاسلامي سرا .. واستجابة لطلب المسلمين الاسبان ، أصدر المفتي الأكبر لمدينة وهران أحمد بن أبو جمعة حُكما بجواز احتساء المسلمين الخمر ، وتناول لحم الخنزير.. كما أفتى أيضا بجواز إنكار الرسول محمد بألسنتهم شريطة أن يُكنُّوا له في الوقت نفسه المحبة في قلوبهم ، إلا أنه لم يوافق جميع العلماء المسلمين على هذا الافتاء .. صٌنف جميع المسيحيين الجدد أو المتحولين عن دينهم ، سواء أكانوا من أصل إسلامي أم يهودي ، صُنف هؤلاء بالمارقين المتسترين.. فالفرد الذي يرفض احتساء الخمر ، او تناول لحم الخنزير قد تتهمه المحكمة الكاثوليكية بأنه مسلم .. قام فيليب الثاني في عام 1567م بتجديد مرسوم لم يتم تنفيذه بإحكام من قبل ، وهو ينص على عدم شرعية استخدام اللغة العربية ، وحظر الدين الاسلامي واللباس والعادات الاسلامية ) .

ومن أكثر الاعمال الوحشية – والكلام مازال لروجر بواس – التي ارتكبها نبيل النمسا الدون جوان تدمير مدينة غاليرا وحتى شرق غرناطة ومحوها تماما ، حيث قام بمذبحة راح ضحيتها 2500 امرأة وطفل ، وإلى تشتيت شمل حوالي 80000 مغربي متواجدين في غرناطة... وبحلول عام 1582م اقترح مجلس دولة الملك فيليب الثاني فكرة طرد المسلمين واصدر فيليب الثالث عام 1609م مرسوم الطرد. وقال جوان دوربيرا كبير الأساقفة في خطبة دينية في 27 سبتمبر 1609م ( إن الأرض لن تزدهر ثانية ما لم يتم طرد هؤلاء الزنادقة)  .. وتمت الموافقة بمنح لوردات بلنسية اراضي المسلمين المطرودين وذلك تعويضا عن خسارتهم سفنهم التي سيحمل عليها المسلمين المطرودين الى شمالي افريقيا .. وفي 11 سبتمبر أُعلن في بلدة بلنسية عن قرار الطرد ، وغادرت أول قافلة من دانية عند حلول الظلام وذلك في الثاني من أكتوبر ووصلت الى وهران في أقل من 3 أيام.

ويضيف روجر بواس: ومن خلال قوائم المسافرين على متن السفن ، أن هناك حوالي 275000 مسلم إسباني قد هاجروا خلال السنوات 1609-1614م من مجموع 300000 مسلم إسباني. ولا يتساوى هذا التقدير المعتدل مع الروايات المعاصرة العديدة التي تقدر عدد المسلمين بحوالي 600000 مسلم .. وهناك تضارب مماثل حول عدد المسلمين الذين قتلوا خلال التمرد المسلح أو أثناء رحلتهم إلى المنفى .. توفي أكثر من 50 ألف مسلم أثناء محاولتهم مقاومة طردهم .. في حين أنه توفي أكثر من 60 ألف مسلم أثناء رحيلهم خارج البلاد .. نجد أن أكثر من سدس المسلمين قد أُبيدوا خلال فترة السنتين فيما أشار هنري تشارلز لي بعد دراسة المصادر المعاصرة أن نسبة وفاة المسلمين تقع بين ثلثي وثلاثة أرباع مجموع عددهم.

ويكمل روجر بواس قائلا : في يوليو 1610 م أوصت الكنيسة بأن يتم بيع جميع الأطفال المسلمين ممن هم فوق سن السابعة الموجودين في مملكة بلنسية الى المسيحيين القدامى بشكل دائم.

بسقوط الامبراطورية الاسلامية في الأندلس ، كانت امبراطورية اسلامية أخرى آخذة في النهوض ، كان ذلك في البلقان حيث نهض الأتراك وأخذوا في توسيع نفوذهم وتأسيس إمبراطورية اسلامية ( بديلة عن الاندلس) – هكذا يمكن اعتبارها- . اخضعت الامبراطورية الاسلامية العثمانية منطقة البلقان وامتدت حتى أبواب فيينا لكنها لم تتمكن من فتح فيينا التي تعتبر بوابة غرب أوروبا ، وأحكم الاسطول العثماني قبضته على البحر الأبيض المتوسط .

في كنف وظل هذه الامبراطورية الاسلامية التي أسسها عثمان الأول بن ارطغرل والتي استمرت نحو ستة قرون كاملة، فضَّل السلاف الذين أغلبهم من المسيحيين ، فضّلُوا الحُكم التركي الاسلامي على الحُكم البيزنطي المسيحي ، بل قاموا بمساعدة المسلمين على إلحاق الهزيمة بالبيزنطيين. ورغم هذه السيطرة الاسلامية على أوروبا الشرقية من خلال أبناء عثمان ، إلا أن التسامح ساد العلاقة بين المسلمين الحاكمين والمسيحيين المحكومين ولذا بقيت غالبية السلاف على مسيحيتها ودخل القلة منهم في دين الله .

لكن هذا ما لا يحدث عندما يعلو الاوروبيون المسيحيون على المسلمين وفي هذا يقول مهاتير محمد في المجلد الاول من موسوعته (صفحة : 253) :  (كان هناك نوع من العداء الكامن الذي لم يحمله الأوروبيون لأي من أصحاب الديانات الأخرى ، وإنما اقتصر فقط على المسلمين . وعلى الرغم من أن بعض الأجناس التي قُدّر لها التعامل عن قرب مع المسلمين قد قبلت الإسلام إلى حد ما ، إلا أنّ الأوروبيين رفضوه رفضا يكاد يكون جماعيا . وعلى الرغم من أن سكان أوروبا المعاصرين قد لا يكونون متعصبين إلا أن موقف أوروبا وعداءها للإسلام والمسلمين قد بقي كما هو دون تغيير. ولم تتردد أوروبا في التعبير عن عدائها للمسلمين بأساليب بالغة القسوة ، حيث تم عزل أمم بأكملها وفرض الحصار عليها ومعاقبتها لمجرد أخطاء إرتكبها البعض).

فحتى الشيوعيين ، عندما حكموا الاتحاد السوفييتي السابق ، قاموا بقهر المسلمين ومحاربة الاسلام محاربة عِرقية لم يكن ممكنا معها أن يُجاهر أي مسلم بدينه ، وقد فعل الشيوعيون الأمر ذاته ضد مسلمي ألبانيا عندما حكموها. وفي الحرب اليوغوسلافية ، تحرَّك حلف شمال الاطلنطي ( الناتو) لحماية الأقليات المسلمة – هكذا أعلنوا – لكن قوات الحلف تركت للصرب المجال ليُعملوا السيف في المسلمين هناك دون هوادة أو رحمة.

إن صفحات التاريخ متكدسة بالأحداث المأساوية التي قام بها أهل أوروبا ضد المسلمين بل ولم يسلم منهم حتى البعض من غير المسلمين , ورغم كل ذلك يُتهم الإسلام بالإرهاب والتطرف . الحقيقة التي يتناساها هؤلاء أن أول من اختطف طائرة مدنية لم يكن مسلما ولم تتم عملية الاختطاف في البلاد الاسلامية. كما يتناسون أن أول من استخدم قنبلة ذرية ( نووية) في العالم هو الجيش الأمريكي إبان الحرب العالمية الثانية حين ألقى طيار في سلاح الجو الأميركي يدعى (بول تيبيتس ) قنبلة ذرية على هيروشيما اليابانية حيث وصل عدد القتلى نتيجة هذه القنبلة حتى ديسمبر 1945 إلى 140 ألف إنسان وهو أكثر انسانا على وجه الأرض يقتل هذا العدد من البشر ثم زميله ( فريدريك بوك) الذي ألقى القنبلة الذرية على ناجازاكي اليابانية أيضا والذي ادى الى وفاة 80 ألف إنسان ياباني نتيجة هذه القنبلة حتى ديسمبر 1945.

ومن صور الارهاب الاوروبي ( وابنته الولايات المتحدة ) حرق السحرة في كل من أوروبا واميركا. وكذا فإنّ ما قام به الأوروبيون الذين استعمروا العالم الجديد ( الامريكتين) تجاه الهنود الحمر ليس بغريب على هذه ( القارة الحَقُود) إذ استولى المستعمرون على أراضيهم وعملوا على إبادتهم في كندا وأميركا .

كان السكان الاصليون في امريكا من قبائل أوننداجو و وموهاك و شيروكي ، وفي كندا كان يطلق عليهم عادة شعب أبورجينال. وحين وصل كريستوفر كولومبس عام 1492 م أرضهم ظن أنه وصل إلى جزر الهند ؛ ثم اطلق عليهم الهنود الحمر تمييزا لهم عن الهنود الشرقيين، وكان عددهم يقدّر ما بين 40 إلى 90 مليونًا. ولكن عددهم الان نحو 48 مليون نسمة . وحين جاء الأسبان وجدوا 50 قبيلة هندية في الغرب بما فيها شعب بيبلو وكوماتش وبيمان ويمان ، وكان لهم لغاتهم المتنوعة. وجلب الأوربيون معهم الأمراض كوسيلة حرب بيولوجية كالجدري والحصبة والطاعون والكوليرا والتيفود والدفتيريا والسعال الديكي والملاريا وبقية الأوبئة التي كانت تحصد السكان الأصليين. وكانت السلطات البريطانية توزع عليهم الألحفة (الأغطية) الحاملة للأمراض عمدا بهدف نشر الامراض بينهم وهذا اكبر سبب لتناقص اعدادهم اضافة الى التهجير والحروب .

كانت أول مجموعة من الأمريكيين الأصليين التقاها كولومبوس هم شعب التاينو في هيسبانيولا، الذي كان تعداده ربع مليون نسمة، غير أن 70% من ذلك الشعب قضى نحبه في ظرف ثلاثين عاماً من جراء الأمراض الأوروبية (كالحصبة والجدري). واتجه أفراد شعب التاينو إلى السلوك الانتحاري كوسيلة للخلاص من الامتهان والعمل الإجباري الشاق الذي فرضه الإسبان عليهم، فكانت النساء يجهضن أنفسهن أو يقتلن أطفالهن الرضع بأنفسهن، والرجال يقفزون من المرتفعات أو ينتحرون بتناول سم المانيوق الزعاف.

ولم تتوقف آلة القتل الأوروبية إلا بعد أن نجح أحد زعماء التاينو ـ ويدعى إنريكيّو ـ في الاعتصام بجبال باهوروكو مدة ثلاثين عاماً استطاع خلالها إلحاق خسائر فادحة بالإسبان وحلفائهم من الهنود الحمر، وبسبب وطأة هذه الثورة أرسل الإمبراطور كارلوس الخامس الكابتن فرانشيسكو بارينويبو لعقد معاهدة سلام مع المتمردين الذين كان عددهم يتناقص باضطراد، وبعد شهرين اتُّفق على منح إنريكيو أي جزء من الجزيرة ليعيش فيه بسلام. وتعد قوانين بورغوس (1512 ـ 1523) أول نظام قانوني مكتوب ينظم سلوك المستوطنين الإسبان في العالم الجديد، وخاصة فيما يتعلق بالسكان الأصليين، الذين كانت هذه القوانين تحظر إساءة معاملتهم وتساند تحويلهم إلى الكاثوليكية. غير أن التاج الإسباني لاقى صعوبة في فرض هذه القوانين في تلك المستعمرة البعيدة جغرافياً.

ومن نماذج الحقد الأوروبي ضد غير المسلمين ما فعله الانجليز في السكان الاصليين لاستراليا من ابادة وتقتيل ، لدرجة أنهم لا يشكلون سوى 2.4 % من اجمالي سكان استراليا حاليا . وتؤكد الوثائق التاريخية أن الامبراطورية البريطانية افترست السكان الاصليين لأستراليا بأكثر من وجه .

( الأطفال المسروقون أو الأجيال المسروقة ) هي واحدة من أقذر أنواع الإجرام الأوروبي ضد الاستراليين الأصليين حيث إنتزع البريطانيون – الذين شكلوا الحكومة الفيدرالية الأسترالية – الأطفال من عائلاتهم ، ولا يخفى دور البعثات التبشيرية الكنسية في هذه السرقات. ويعتبر كتاب ( الأجيال المسروقة) لبيتر ريد الصادر عام 1981م واحدا من الكتب التي حاولت توثيق هذه الاختلاسات . وأخيرا صدر اعتذار رسمي إلى الأجيال المسروقة في 13 فبراير 2008 بقيادة كيفن رود رئيس الوزراء آنذاك وأقره البرلمان في أستراليا.

وبدءا من العام 1883م بدأ البريطانيون في طرد السكان الاصليين من استراليا ولم يتوقف الأمر إلا بعد أن استيقظت بعض الضمائر رافعة شعار ( أعيدوهم إلى الوطن).

وفي الختام ، نؤكد على أنّ أوروبا التي تتشدق بالمسيحية – كغطاء لحقدها – لم ولن تتورع عن سفك دماء المسلمين متى ما سنحت لها الفرصة لذلك ، وليست الإبادة الجماعية التي تقودها روسيا الفيدرالية ضد إخواننا من شعب سوريا المسلم السُني إلا نموذجا معاصرا لهذا الحقد الأعمى الذي أحال مدننا بأكملها إلى أكوام من الركام وتحولت الضواحي التي كانت تعج بالحياة يوما إلى مساكن للأشباح ، وأزكمت رائحة دماء الأبرياء هناك أنوف مسلمي العالم ، وبات الموت الأسود يرفرف في كل الأرجاء . لقد مات مئات الآلاف من السوريين وأبيدت مدنا بأكملها ولم يعد لها على الواقع سوى بقايا هدام وأُجبر من بقي على قيد الحياة على الهجرات الجماعية الاضطرارية سواء الى خارج الديار السورية او حتى في الشتات الداخلي في بقاع يُظنُ أنها أكثر أمانا من غيرها.

حلب الشهباء ، باتت بسبب هذا الحقد الروسي (الأوروبي) اكبر المدن السورية تدميرا ، مئات الآلاف من البراميل المتفجرة والصواريخ متنوعة الأحجام والأنواع أُسقِطت من طائرات المجرم السوري / بشار الأسد وحليفه ذي القوة العسكرية الجبارة فلاديمير بوتين رئيس روسا . وآلاف الإيرانيين والعراقيين من الروافض المدّعين انتماءهم للاسلام – رغم أنهم ليسوا إلا عبدة نار وعبدة بشر. كل هؤلاء يقتلون في أبناء سوريا الأبية .

أصبحت حلب أكبر مدينة سورية تقع تماما في أيدي أعداء الاسلام . رغم أنهم أخذوها بعد أن دمروا أبنيتها ، وأماتوا أشجارها ، وقسموا أهلها ما بين قتيل وجريح نازح وناجٍ نازح ، فالأحياء فيها هُجّروا قسريا ، وكأنهم في بلاد الأندلس .

لماذا هذا الدمار وهذا الهرج ؟ فقط لأن الشعب يوما أراد الحياة الكريمة . فكان رد بشار الأسد عليهم بالرفض فقرر أن يُسكت شعبه إلى الأبد، فبدأ بإفنائهم باستخدام الجيش الذي يفترض فيه أن يحمي الشعب ، هذا الأمر لم يرق ولم يرضِ فئات كثيرة من الجيش فأعلنوا الانشقاق من جيش بشار وانحازوا الى الشعب مدافعين عنه من خلال تكوين عدد من الجماعات المسلحة شبه المنظمة ، إلا أن جيش بشار لم يستطع بمفرده الصمود فما كان منه إلا أن إستدعى مصاص دماء أوروبي مسيحي اسمه فلاديمير بوتين الذي وجد في الدماء السورية ارواءً لظمأه للدماء المسلمة .

هذه المشاهد التي أبطالُها دول ( القارة الحَقُود ) لن تتوقف مادام المسلمون عاجزون عن حماية أنفسهم ، وما دامت صفوفهم لم يتم تطهيرها ، ومادامت القلوب غير موجهة إلى رب القلوب ومقلبها ومثبتها. فكل إناء بما فيه ينضح.


  • 1

  • احمد يحيى يوسف
    صحفي ورئيس قسم التحقيقات في جريدة عالم اليوم اليومية الكويتية سابقا - مؤلف كتاب اسرار الحياة الغامضة المسجل برقم ايداع في مكتبة الكويت الوطنية 2014 ورقم ايداع دولي - مستشار اعلامي لاحدى المجموعات الاقتصادية بالكويت
   نشر في 02 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا