بعض الكلمات الأخيرة... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بعض الكلمات الأخيرة...

هي مجرد لحظة واحدة.

  نشر في 27 غشت 2020 .

الخوف من المجهول ؛ من شيء لا نعرفه ؛ من مستقبل يطرق الأبواب ؛ الخوف من المصير ؛ القلق الانساني المستمر ؛ سنصبح بلا وطن ؛ سنصبح بلا ملجأ ؛ سنُكْتَب في التاريخ أننا جيل البؤس ؛ جيل الغضب ؛ جيل الغضب ؛ جيل الثورة الفاشلة ؛ الجيل الذي خاف من المستقبل فبقي متمسكا بماض هش ؛ يعيش على قصص أبطال لم يعرفهم ؛ نحن جيل النكسات ...

كتبت هاته الكلمات و جلست تعيد قراءتها ؛ متسائلة عن المصير الحقيقي ... ريح خفيفة تداعب خصلات شعرها المجعد ؛ ترفع احدى رجليها على الكرسي بينما الأخرى بقيت نصف موضوعة على الأرض الباردة ؛ تحرك رأسها يمينا و يسارا ؛ تبحث عن شيء ما ؛ تتحسس بسبابتها الندبة على رسغها ؛ هاته الندبة تركت جرحا أكبر مما سبقتها ؛ تُرْجع رأسها الى الوراء و ترجع بذاكرتها الى الشهر الماضي ؛ لا تتذكر الكثير عن ذلك اليوم سوى رجوعها من الجامعة ؛ دخولها غرفتها ؛ اخراج الشفرة التي اشترتها ؛ اشعالها لسيجارة ؛ انتهاء السيجارة ؛ الاستلقاء ؛ اغماض عينيها ؛ و البرودة في أطرافها ؛ صراخ أمها ؛ أخذها للمستشفى ؛ الطبيب النفسي و المحاضرات الفارغة و مجددا وقوفها امام اللاشعور ؛ نسيانها الوقت و المكان ؛ و مجددا وجدت نفسها تبحث عن أجوبة ....

لم تكن يوما فتاة عادية ؛ و لم تكن يوما فتاة محبوبة ... كانت القبيحة في نظرهم ؛ ملابسها غير متناسقة ؛ مضطربة دائما ... تقف امام المرآة كل يوم و تلعن الوجه القبيح و الحظ السيء ؛ الحياة الظالمة و تلعن بشدة جميع البشر .

كان الأمر موجعا حتى و ان لم تظهر ذلك ؛ أما لهم فكان عاديا ؛ كأنها لم تكن يوما شخصا ما ؛ أو حتى شيئا ما .

تحمل قلمها مجددا ؛ تقلب صفحة كراسها الذي كاد ان ينتهي ؛ تبدأ بكتابة نص جديد ؛ و رغم علمها التام انها لن تنهي هذا النص كغيره من النصوص العشرين السابقة :

( الى عزيزي المجهول ؛ الى المستقبل الذي لم أعد أخاف منه ؛ الى الشيء الذي لا اعرفه رغم أنه قريب مني ؛ أنا أحييك ... أما بعد :

لا أظن أن بامكاني النجاة مجددا ؛ كما تعلم يداي مليئتان بالندوب ؛ و قلبي لم يعد يستطيع التحمل ... اكتفيت من همسات الناس كلما مررت بهم ؛ لم اجد أحدا يمكنه فهمي ؛ لم اجد أحدا ينزع عني قناع الشجاعة الذي أرتديه و يحتويني ... أم تقلق علي بشدة و هي الوحيدة التي تفعل هذا ؛ هي الوحيدة التي أخاف انكسارها ؛ هي الوحيدة الصادقة معي ؛ و طبيبي النفسي الأحمق يظن ان الأمر سيزول بسهولة ... ببساطة أنا هشة و لا أعرف أحدا كميلينا أو كنفاني ؛ انا هشة و حان وقت رمي الشظايا المنكسرة بعيدا ...

الريح تناديني و النجوم تبتسم لي ؛ القمر أجمل اليوم ؛ انه اليوم المثالي ألا تظن هذا ؟؟

ربما ... ربما في حياة أخرى سأواجهك ؛ لكن الآن و في هاته الحياة انت الفائز و أنا الخائفة ...)

وضعت قلمها جانبا ؛ أغلقت كراسها و ابتسمت ...

وقفت أمام المرآة مرة أخرى ؛ سرحت شعرها و وضعي مكياجا خفيفا يليق بها ؛ تعطرت ؛ و ودعت الوجه القبيح .

الليل هادئ ؛ الريح خفيفة ؛ اختلطت عليها الروائح فجأة ؛ رائحة التراب و القرفة ؛ رائحة جدتها و الورد الذي كان ينمو تحت عمارتهم ؛ مرت عليها الروائح بسرعة و سببت لها نشوة خفيفة .

للحظة قصيرة ظنت أن القمر يناديها ؛ كل أرواح المتمردين ينادونها ؛ تطالبها أن تكون شجاعة لمرة واحدة في حياتها ؛ أحست أنها تحمل مسؤولية أكبر مما توقعت فظلت تردد : ( أنا أستطيع فعلها ...)

نظرت الى الأسفل ؛ لطالما أخبرتها أمها أن تبتعد عن حافة النافذة ؛ اقتربت أكثر اليوم ؛ الرِجْل الأولى ثم الثانية ؛ شهيق و زفير ؛ النظر الى السماء ؛ مخاطبة القمر و النجوم ؛ كل شيء يبدو مثاليا ؛ كل الأشياء تستعد لها ؛ افلات و سقوط من الهاوية ....

بعض الدماء البشرية لن تغير من واقع تراجيدي ؛ الكون لا يزال باردا ؛ الناس لا تزال باردة ...

تركت نافذة مفتوحة ؛ الريح لا يزال يداعب الستارة ؛ القمر توارى وراء مجموعة سحب ؛ النجوم انسحبت ... تركت ورائها العديد من الأجوبة التي تحتاج الى أسئلة ؛ الكثير من الدم و الدمع ... من الحيرة و الحسرة ... من الغضب و العتاب ... الكثير من المشاعر التي عاشتها و لم يهتم لها احد .

بقيت كتاباتها غير منتهية ؛ بقيت خزانتها تحمل بعض ملابسها الغير متناسقة ؛ بقي عطرها في أرجاء المنزل ؛ غرفتها لا تزال دافئة ؛ قلمها لم يستعمله أي أحد منذ رحيلها ... بقي كل شيء كما كان الا انها لم تعد هنا ... تركت كل شيء و رحلت ؛ توارت خلف القمر ... و مع النجوم .

ملاحظة : الرسمة لصديقة لي.



  • fairouz
    مرحبا ؛ أنا فيروز في العقد الثاني من عمري ؛ أدرس اللغة العربية و أدابها ...كاتبة مبتدئة أحاول ترك بصمتي في كل شيء....
   نشر في 27 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا