جاري البحث عن زوجة.... عروس من مراكش...... المحاولة التاسعة (9) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جاري البحث عن زوجة.... عروس من مراكش...... المحاولة التاسعة (9)

قصة قصيرة

  نشر في 14 أبريل 2015 .

مجموعة قصص: جاري البحث عن زوجة....

عروس من مراكش...... المحاولة التاسعة (9)

سافرت في حافلة نقل إلى مراكش. كـُتبَ عليها فخمة ومريحة، وأنها ستنطلق على شعار السلامة. بناء على دعوة صديقة الدراسة وزبونة العمل. ارتأت أن تعرفني ببعض صديقاتها ، لعلي أجد نصفي الأخر، وأرِوحُ على نفسي من ضغط الحياة... قررت خوض التجربة...

استوطنت مقعدا فوق العجلة، خاليا من الترقيم قرب النافذة. فالترقيم فعال في بلادي إلا على بطائق التعريف أو في السجون...

استلقيت وحصـّنت نفسي بأدعية السفر والنجاة بدل حزام السلامة. احتميت بأحلامي اللذيذة، لدرجة أني لم أسمع لغط الجميع حين فقدت امرأة مسنة وعيها، بينما انتصب على رأسها أطباء وطبيبات اللحظة، واصفين لها أدوية سريعة وفعالة: ابتداءً من شم الكولونيا والبصل... وانتهاءً بوضع المفاتيح في يدها اليمنى وقراءة آية الكرسي والمعوذتين... ولا حين تقيأ الطفل الذي بقربي وملأ حذائي بسائل لزج، من كثرة وقوفه تحت شمس يوم صاهد، وشربه المياه بتحريض من أمه، مع خضنا فوق العجلة طول المشوار...

احتملت السفر في تلك الحافلة التي تنزل منها رائحة العرق والقيء، لأنني كنت أعرف أنها في النهاية سيسجل القدر ملكية استغلالها لي كعادته؛ فأحلامي لم تكن كلها وردية... فأنا ملك الكون أجلس على كرسي صغير... ذات يوم، سيـُنصت الناس لي، والجميع سيهتف بحياتي ويأتون لالتقاط الصور معي من كل فج عميق.

حملت رجلي، جارا حقيبتي إلى العنوان المقصود، وسط كيليز في عمارة باذخة الواجهة. طرقت الباب، بعد أن صعدت المصعد. فتحت الخادمة، لم تتوقف عن فرقعة العلك بين أسنانها...

سألتها: هل نجاة موجودة؟

أجابت والزبد يتطاير من حواش فمها: لالا... تكلمي...

دقت الثامنة في الساعة الحائطية المعلقة في البهو. سمعت وقع خطوات كعب عالي، على مرمر البلاط، لذيذة المسمع.

كانت تلبس جلبابا من الحرير المخطط بالأبيض والأخضر. تضع شالا أبيض بأهداب طويلة. بعد عناق وقبلات على الخدين، وترحيب بقفاشات مراكشية، أزالت نظاراتها، ظهرت عيناها المنتفختان وهالة زرقاء تحيط بهما على الجانبين. ارتعبت:

- ماذا بك؟ ماذا وقع؟...

- لا شيء

- أأحضر لك ماء باردا وكمادات؟

- أجل

جلسنا في صالة جميلة على طرف اللحاف المغطى، بثوب "الموبرا" في اللون البني برسوم بديعة بالأصفر المذهب. مائدتان كبيرتان منقوشة الجوانب. تتوسطان الصالة، عليهما غطاءان بيضاوين بنقوش فاسية مطرزان بالأخضر. الستار ثوبه من نوع "مـَلـْفْ"، مكون بقطعتين: الخارجي والداخلي، حوافه مطرزة بشريط "الستان"، ومجادل ذهبية مثبتة بأقراط على الحائط...

أحضرت الخادمة لنا كوب ماء وضعت فيه قطعا ثلجية، كانت فوق ميني بار المتواجد على مدخل الصالون. بدأت أضع كمادات القطن على عينها...

- ماذا وقع؟...

- زبون أهوج... لا أعرف لماذا ذهبت بنفسي؟ كان يكفيني أن أرسل البنات...

- يا لطيف... وماذا دهاه ليضربك... هكذا؟...

- لا أعرف... الرجال وحوش في الأصل... دخلت المدنية متأخرة جدا... يتصرفون بعنف... لا أفهم أحوال أهل المدن...

قاطعتنا الخادمة... أحظرت حليبا ساخنا... وانصرفت وهي تقول:

- لالا... سأذهب لحال سبيلي... ها هي القفة مليئة بالخضروات... والمتطلبات الأخرى التي طلبت ... مع السلامة...

أجابتها نجاة:

- لا عليك... مع السلامة... سأنهض لإعداد وجبة العشاء...

قاطعتها:

- والله... لن تقومي من مكانك... أنا سأتكفل بإعداد العشاء... وأنت استريحي...

- تعال لأريك غرفتك، ولتغير ملابسك وترتاح قليلا، بعد ذلك المطبخ لك... كانت هذه الغرفة لأختي. لم أفتحها مند زمن، لكن الخادمة أتت اليوم، ونظفت كل شيء من أجل مجيئك... مرحبا وألف مرحبا...

- شكرا... ترحب بك الجنة...

- مند اليوم هذا سريرك وهذا دولابك... به بعض الملابس..

- شكرا... أحضرت ملابسي...

- استرح الآن ... أنا في غرفتي أو في البهو الصغير...

أغلقت الباب ورائها. غيرت ملابسي. مسحت وجهي ببعض من ماء ورد. وضعت فوقية على جسدي. انتعلت شبشبا. أخذت لوازم الحمام وفوطة كبيرة، توجهت إلى الحمام، لإزالة شوائب تعب السفر...

بعد نصف ساعة، التحقت بالمطبخ. رتبت الخضر في الثلاجة، ملأت القنينات بالتوابل. أعددت طاجين "مسلالة" من اللحم والزيتون، وطبق جانبي "زعلوك" بالبدنجال والطماطم... بعد العشاء، تفرجنا قليلا على التلفاز... ونامت على الكنبة...

في اليوم الموالي... استيقظت على الساعة الثامنة صباحا، توجهت إلى الصالة. كانت لا تزال نائمة منكمشة على نفسها كجنين...

- سأحظرُ لها فطورا جيدا... سأعد خبزا بالبيض... أكيد ستحب ذلك بدون شك...

حاولت أن أوقد قنينة الغاز الصغيرة. بعد أن انطفأت. أعواد الثقاب كانت ندية. حككت الواحدة تلو الأخرى في بطن يدي، قبل أن تشتعل إحداها...

كسرت البيض وخفقته جيدا في قعر إنائي. غمست فيها قطع خبز يابس، ووضعتها في إناء الزيت الساخن...

انتبهت إلى أن قطع الخبز صارت مذهبة اللون، وضعتها على أوراق مصاصة في صحن زجاجي. دردرت عليها سكرا سميدا. لم أعرف مكان السكر الصقيل...

جهزت إبريق شاي فضي. شاي منعنع تصاعدت رائحته. وضعته على صينية فضية، منقوشة السطح. رفعت الإبريق عاليا. صببت الشاي ليتكون الزبد في الكؤوس ذات الحافات المذهبة، وهو ليس أمرا سهلا، إنه فن مند القدم... أخطئت الكأس ووسخت الصينية...

نظرت في المرآة، سرحت شعري المنكوش... رائحة الخبز المقلي في البيض تداهم أركان البيت...

فطوري جاهز هذا الصباح... وضعت الإفطار على الطاولة الصغيرة. جلست على الكنبة. فكرت: لم أنعود أن أفطر وحدي. لكن ما العمل؟...

ذهبت لأوقظ نجاة، لم أجدها في الصالة... سمعتها تناديني:

- سعيد... اعطيني الفوطة التي على السرير...

حملت الفوطة. وقفت قرب باب الحمام منتظرا أن تفتح، تراءت لي من الباب الزجاجي:

جسدها أية من التناسق. ضامرة الخصر. مدورة العجيزة. ممتلئة النهدين. مررت خرقة الصابون على وجهها، متوقفة عند كل تفاصيله. الماء ينساب على جسدها وهي تغسل عنقها بالخرقة. أدخلت أصبعيها في أذنيها، وبدأت تغسل ذراعيها. الرغوة تنساب بيضاء على صدرها، على فخديها، على ساقيها...

- سعيد.. الفوطة

- افتحي..

لفت جسدها الرائع في الفوطة.

حملت صينية الإفطار إلى قاعة الجلوس. عـُدت إلى غرفتها لأناديها. كانت قد لبست فستانا للبيت، لونه "صومو" رائع. بدت كعروس صبيحة زفافها. لماذا لم تتزوج؟ من المؤكد أنها عرفت رجالا مهمين في حياتها: وأنا مالي ... تلك حياتها الخاصة...

- نجاة ... الفطور كيبرد...

- حاضر... أنا قادمة...

أعجبها كثيرا ما حضرته... ابتسامة على محياها. صرخت كطفلة:

- مند زمن بعيد لم أتناول خبزا بالبيض... ممتاز... شكرا

- لا شكرا على المجاملة...

- ليست مجاملة. أنت بالفعل طباخ ماهر... وسعدات التي ستتزوجك...

- احكي لي عنها... لقد أتيت مسرعا ومتلهفا لملاقاة صديقتك... لقد شوقتني إليها..

- انتظر قليلا... اجمع طاولة الإفطار... وسأتصل بها في الهاتف...

جمعت بقايا فتات الخبز والبيض بإسفنج في الصحن الفارغ، ثم حملت الصينية إلى المطبخ. وضعت المواعين في المغسل... لحين...

على كرسي في الشرفة، دخنت سيجارتي الأولى... لا أريد رائحة سجائري تلوت منزل صديقتي المحترمة...

رجعت إلى البهو الصغير، وجدتها ممددة على الأريكة. كانت تدخن، وهي تتحدث في الهاتف. كانت أول مرة أراها تدخن. سمعتها تخاطب فتاة في الطرف الآخر من الهاتف:

- سي سعيد... إنه راجل بكل المواصفات المنتظرة... أنيق، شهم، محترم، طباخ، وضعه المادي مريح... بالنسبة للسرير.. تعالي الليلة هنا ... لتجربي بنفسك... وبعد ذلك قرري...

فهمت مستنقعي... كان لدى نجاة عملين: "قوادة" صباحا وعاهرة ليلا...

سعيد تيركيت

الخميسات - المغرب - 14 / 04 / 2015



   نشر في 14 أبريل 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا