شروخ غير قابلة للترميم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

شروخ غير قابلة للترميم

عبدالوهاب شعبان

  نشر في 26 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 ديسمبر 2018 .

ورثنا الحبَّ عن آبائنا، فبدده الغياب، واستئناس السراب.

(1)

اهتزت الأرض قبيل عصر الثاني عشر من أكتوبر عام 1992، تصدعت جدران البيت المصنوعة من "الطوب اللبِن"، واحتمل الزلزال انهيارًا كاملًا لسقفه المغطى بـ"جريد النخل"، فقصدنا حينئذٍ غرفة جدتي ذات الجدران الحجرية، وتكومنا خلف باب البيت.

وبينما يلملم الناس أبناءهم من كل اتجاه في شارعنا الحيوي، ارتدى والدي-رحمة الله عليه-ملابسه، وتهيأ للسفر إلى شقيقته المقيمة وقتئذٍ بمركز "امبابة"-تبعد عن قريتنا نحو ما يزيد عن 100 كيلو متر-، تسابقه خطاه إلى من أيقنت بوجود السند، وحتمية المدد.

لم يتأثر حب العمَات بأية "زلزلة"، ولم يهتز رغم طواحين الحياة.

(2)

لا تصدق قبلات المساء، وعناق ما قبل العَشاء..

على امتداد الشارع الصغير تستند ذكريات-ما بعد رحيل الوالد- إلى حائط شاهد على تعاقب السنوات، ومكامن الحكايات، وفي ممره الأزلي تستدير الوجوه من لظى الحنين المنبعث عبر منحدره، يقترب باب بيت العائلة الكبير من الظهور عند هبوط اضطراري مع المنحنى، وتبرز الخديعة كمشهد آخر للعلاقات حين تضاء الأنوار، ويرفع الستار.

وكنّا نحن الصغار نتحلق حولهم، ونسقِطُ مثالية أحداث المسلسلات التليفزيونية في أوائل التسعينيات على لقاءات الأنس العائلي هذه، ونفصِل في خيالاتنا أبطالًا لعوالم أخرى، ترق أرواحنا لنوادر الجلسات، والضحكات العالية الرنانة، وتبرق وجوهنا مع بهاء المودة التي كنّا نظنها غير مخدوشة بشيء، فاستحالت فيما بعد إلى "لاشيء".

العيش الذي تقاسمه بعضهم كان غموسه التربص، والتنكيل، وبراعة التمثيل.

(3)

والليل إذا يغشى، ويستمر في غشيته، بلا تجلٍ للنهار ..

ليل قريتي كنهارها لا يشذ عن تقاليدها إلا مغامر-حسبما جرت العادة الآن-، لكنها في سنوات ليست ببعيدة كانت تحفظ لكل شيء مقامه، وقوامه، الحب، الحزن، الوصال، وحتى الانفصال، كل شيء ورثناه على نقائه، وعايشنا جزءًا من هذا النقاء واقعًا آنستنا روائحه في الصبا البريء، وأرهقتنا ملامحه في تبجح حاضره الرديء.

مجتمعنا الريفي-( كان ريفيًا وبات معلقًا على مقصلة تدلت منها هويته القروية إلى الحضيض)- تصالح مع مظاهر التمدن البلهاء الفارغة-، واستخرج من عناد الأسر ما يبدد دهشة تسارع حالات الطلاق في الأشهر الأولى، فضلًا عن عبادة "النيش"، وأساطيل السيارات التي يغاظ بها الفقراء، وتدهس إطاراتها أمنيات العقلاء.

كل هذا التربص في علاقاتنا ولا يزال بعضنا يشكو الله إلى عباده كل صباح.

(4)

لم يكن بمقدورنا رفع الغطاء عن "التلفاز"-فضلًا عن تشغيله- إذا مس أحد جيراننا سوءًا، ولما كبرنا بدت سوءاتنا دون أثر لحق الجيرة..

دار الزمان دورته في قريتي حتى التقى في فضائها صوت الأغاني الصاخبة، مع صدى صوت القاريء (إنمّا يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) المنبعث من مأتم الجيران، فتسمم هواؤها، وأتمت التبريرات عدتها، واستقرت على هيئة مسخ حياتي لا قدوة فيه، ولا رادع إلا قبلية رعناء هاجت في شوارعنا، وأخرجت لسانها عن آخره لأهل المنطق.

كل أشيائنا مزيفة، مراسم الزواج، طقوس العزاء، وما تلاها من تسعير الذمم، وتسليع القيم.

(5)

إنّ مجتمعًا استبدل الكلفة-التلكف- بـ"الألفة" لا يمكنه النجاة إطلاقًا من وحل الضغائن.

(6)

حدثني عن آخر زيارة أسرية صافية منزوعة السبب، وكيف استقبلها أحدهم، أو إحداهن-على محمل صلة الرحم ؟!..

عن هذا الوصل الرائق في دوائرنا العائلية، جلسات بلا تقطيع في هذا، وذاك، بلا هتك خصوصية، أو نبرة استعلائية على من كان جالسًا ثم انصرف فجأة، بلا شماتة في جار، أو فضح أسرار، عن امتنان لمعروف، أو نية مبيتة على مساعي الخير، حدثني عن هذه المفقودات التي ركلت بالأحذية في طرقاتنا المتعرجة، وأنبتت واقعنا الأعرج.

دخان السجائر في مآتمنا أوضح من مشاعر من المواساة، وأصدق من في سرادقاتها هو (عامل القهوة)، حتى القرآن يخرج مستغيثًا من أفواه قارئيه.

(7)

إننا مطالبون بحياة الأسوياء، حتى وإن كانت أرواحنا مستهلكة تمامًا، مطالبون بالمجاراة، والمداراة، ومعانقة المأساة.
والعزلة، ما العزلة !..هي تلك المساحة التي تشترط على مريديها الاستغناء، والصبر على العناء !..
فإذا طرقت بابها فلا تبتئس بـ"اتهامات الجنون، وإساءة مستمرة للظنون"
.

(8)

استعطف ذاكرتي لتَكُفَ عن تكرار ما عرفناه في طفولتنا كطلاسم غير مفهومة، ولما نضجنا حملناه أعباءً فوق أعبائنا (ايه معنى دنيتنا وغايه حياتنا / إذا بعنا فطرتنا البريئة الرقيقة/ وإزاى نبص لروحنا جوه مرايتنا/ إذا احنا عشنا هربانين م الحقيقة)-كلمات الشاعر سيد حجاب التي أغوتنا، لم تبق لنا براءة، ولم تؤمن طرق الهروب.

ما ودعناه طائعين من طباع "السماحة، العفو، وحسن الظن"، ندفع ثمنه الآن مكرهين في متوالية(المكائد، والكبر، وفجر الخصومة)، حتى اتسعت الشروخ واستعصت على الترميم.

(9)

تآكلت أرواحنا في دروبها مثلما تآكلت مساحتها الخضراء، وتبلدت مشاعرنا كبناياتها الزاحفة الصمّاء، ولم يبقى منها سوى مسمى "القرية"، وبعض الذكريات، وأصدقاء يذكروننا بتفاصيل الحكايات.

لأبنائنا ما ورثناه عن آبائنا، و مسوخ حاضرنا ومستقبلهم.


  • 1

  • عبدالوهاب شعبان
    حاصل على جائزة مصطفى وعلي أمين في القصة الإنسانية عام 2017.... حاصل على جائزة نقابة الصحفيين في التغطية الميدانية عام 2014
   نشر في 26 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 ديسمبر 2018 .

التعليقات

راوية وادي منذ 3 أسبوع
من أجمل ما قرأت. ما بين الحقيقة و الوهم و الصح و الخطأ و المقبول و المرفوض، واقعنا مشوه سلبت منه هويته بالتدريج سلب منه كل ما هو جميل و طاهر و نقي. المباديء ليست كلام و ليست سلوكيات اجتماعية شكلية كإجتماع الأسرة و وصل الرحم و إحترام الآخرين. بل هي أفعال نؤمن بها تجعلنا أقرب للفطرة السليمة و تقودنا للمحبة و المشاركة و الحرص على كل ما هو جميل و فاضل و نقي. سلمت يمناك.
0
عبدالوهاب شعبان
شكرًا جزيلًا لحضرتك ..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا