توالي الصدمات - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

توالي الصدمات

قصة.. هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 06 شتنبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2018 .

توالي الصدمات..

هيام فؤاد ضمرة..

بدت وكأنها تعيش آخر لحظات هذا الكون، يُحاصرها الحزن ويثقل عليها شعور الفقد، صار البيت كئيباً، غارقا في ضباب قاتم، فاقداً الضياء والرجاء، عبثاً ذهبت محاولات أبنائها لإخراجها من أجواء التوحد، تطارحها أفكارا تتوقد، كأن في لسعها الموت، تاهت في الضياع نظراتها، استعظم الهم مآله، إذ ترك عيناها عاجزة، ما عادت تتقن البصر.

ثمانية أشهر مربكة مرت عليها، وما زالت صورته تتماثل في ناظريها، المقعد الكبير الذي تعود التمدد عليه أمام التلفاز، رافضا الامتثال بالانتقال إلى السرير لأخذ قسط من الراحة، وهو المتعب المتهالك، فيغفو بين تجمع أفراد أسرته أمام التلفاز، وكأنه يخشى إنْ ابتعد عنهم، أنْ يفاجئه الموت المتربص به.

يحاول مغالبة حالة التهالك التي تهاجمة، فيمازح زوجه وأبناؤه، ويذكرهم بإحضار تلك الحلوى التي تحبها والدتهم، هي الأخرى كانت تعيش لحظات الخوف حدِّ الرُعب، وقد جافاها النوم، وحط غراب البين على حافة نافذتها، فمصير رجلها يقترب جداً من النهاية، وتحاول ألا تظهر أي رد فعل يُنبئ عن علمها بما تعلم، وعما أفضاه إليها طبيبه المُعالج، أنْ لا سبيل اليوم لإنقاذه، فقد تعدى ذلك حدود المستطاع، وبات مصيره محسوم بالنهاية القريبة، كانت هي الأخرى تخشى أن تفقده في لحظة غفلة، فلا تفارق مجلسه، أو تغفل عن لحظات منامه، فتقضي الليل بين صحو ونوم، تتفقد انتظام أنفاسه.

وككل ليلة كان يطارحها فيها الكرى، انتقلت إلى ذلك المقعد الكبير في غرفة المعيشة، لإلا حركة تقلبها تُقلق منامه، وإذا النوم يزورها ويختطف وعيها، لتصحو على يد تلكزها..

سامية تأملي كيف أن مشيتي تنحرف لا ارادياً، وأفقد السيطرة على السير باتجاه مستقيم!

هالها ما لاحظته، ونهضت من رقدتها لتعانقه باسمة وهي تردد

لا تجعل الأمر يقلقك! فسنذهب حالاً إلى طوارئ المشفى القريب، وسنكتشف أن الأمر لا يعدو كونه حالة دوار.

داخل السيارة؛ فار تنور توقعاته، وبكى نفسه والحياة التي توشك أنْ تلفظه، تشبث بيدها وعيناه المغرورقة بالدمع تتكسر فيها نظرات الفجيعة، كان واضحا أنه يداري حقيقة ما بات يشعر به من انهيار متلاحق، فما أن وصل المشفى وعاينه الطبيب، حتى توقفت قدرته على الكلام، وفقد ردات الفعل، وخلال فترة نقله إلى جناح العناية الحثيثة بدأ يفقد وعيه تدريجياً، ويتحول إلى جسد يفقد شيئا فشيء السيطرة على تشغيل أجهزة جسمه، ولم يمضي سوى أقل من ساعة داخل غرفة العناية الحثيثة والأجهزة تتصل بجسده لتحل محل أجهزته، ليأتيها نبأ إعلان الوفاة محطما كافة احتمالات تجالدها، لتدور بها الدنيا ساحبة منها وعيها، فيلتقطها ولدها الشاب قبل أن تهوي إلى الأرض.

ثمانية أشهر مرت ثقيلة تفيض بالأحزان، والإنزواء مع الذات، تُنازِلُ أمواج اعتمالاتها، تترع الحنظل مراً، وتذوي به سقماً، إنها لا تدري أي قوة تلك التي واتتها، لتحمل وحدها أثقل الأسرار وأشدها مراراً، تخشى أن تفيض بالسر، فتجرح مشاعر شفقة الآخرين إحساسه، فاحتوته على ما يحب ويرضى، وكتمت ألمها داخلها، لتحترق به بصمت.

حتى كان يوما تلقت فيه من حارس المزرعة اتصالا، يخبرها عثوره على باب المزرعة مفتوحا عنوة، فانتقلت وابنها إلى هناك لتكتشف سرقة محتويات بيت المزرعة، لم تكن بالقوة التي تحتمل تتابع المصائب، لكن كان عليها أن تتخذ الاجراءات اللازمة في مثل هذه الحالة، لتكتشف أنَّ جهاز الأمن أشدُّ عَجزاً منها، وأنّ هذه القضايا محكوم عليها بالتجاهل والاهمال، لأسباب ليست بالخافية، وأنّ ما يؤخذ من اجراءات هي محاولات شكلية لا غير، لن تغير من الأمر شيئا، ولن تعيد المفقود بأي حال.

عادت إلى مسكنها مساءاً وهي تعاني الإرهاق، فيما الغروب يرسم لوحته الدامية على صفحة سماء غائمة، والطرق مالت لهدوء غير عادي، فتضاءل على غير العادة حركة المارين، لتكتشف أنها في حمأة الأحداث الغريبة، نسيت مفتاح بيت الأسرة في بيت المزرعة المنكوب، فحين تتوالى الاهتزازات تحت الأقدام، يفقد العقل كفاءته للتيقظ.

فاستدار ابنها بالسيارة ليحضر شقيقته ومفتاحها من موقع عملها، فيما آثرت هي الهبوط من السيارة لرغبة جامحة بممارسة رياضة المشي حول نطاق المنزل لحين عودته، مستغلة روعة الهدوء بعد يوم حافل بالأنكاد، لم يمضي سوى دقائق قليلة من الوقت، حتى مرت على محاذاتها القريب سيارة سوداء تسير الهوينا، بدت لها مقدمتها قبل أن تلتفت مستغربة باتجاه سائقها، وبلحظة خاطفة انطلق بها سائقها بسرعة عالية، وصوت ضغطة البنزين على العجلات يحدث دوياً هائلا، وبدا لها رأس شخص مد جسمه ليمسك بكل قوته بحقيبة يدها، فيما جسدها يندفع مع الحقيبة بقوة للامام، قبل أن تفلت من يدها، حين كادت تسقط تحت عجلات السيارة.

خرج أهل الجوار من منازلهم يستطلعون الأمر، ليجدوها تقف وحيدة مرتجفة، غير مستوعبة حجم الصدمة، تنظر ببلاهة في وجوههم، بالكاد عقلها يستوعب توالي الأحداث، وتلك النهاية الغريبة..

أيمكن هذا يا ربي؟ أكُلُّ هذا كان ينتظرها في وقت واحد؟.. كانت تترنح بمكانها وكأنها مشرفة على السقوط

لم تدرك وهي تقوم للمرة الثانية في ذلك اليوم، بتقديم شكوى إلى رجال الأمن، أنها ستتلقى الصفعة على الخد الآخر، بعدما تأكد لها بعد مضي فترة كافية من الزمن باجراءات التحري، أن القضية برمتها ليست إلا تطبيقا لقانون الابتلاء، من مأمنه يؤتى الحذر.. فهل تدركون معنى أن يتعرى المواطن من الأمان في بلده؟؟  


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 06 شتنبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 7 شهر
كلمات مؤلمة جدا ، فعلا في الحياة نفقد أحباءنا و نتعرض لمواقف تبقينا عالقين بلحظة حدوثها ، متقلبة ،تسعدنا وتحزننا و تتعبنا ، هي محطة سننتقل منها في أي لحظة و ذلك ما يقوينا ويجعل ما نواجهه فيها متحملا ، الموت قدر محتم و انعدام الأمن في بلادنا واقع مفروض سيعاقب المتسبب فيه ولو بعد حين .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا