أشعرُ بالخزي ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أشعرُ بالخزي !

  نشر في 03 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 06 يناير 2017 .

" أشعر بالخزي" هكذا كانت صديقة من إحدى الدول العربية تهمس لي على الخاص كلما اعتلى احد مواطنيها المنبر ليتحدث، اكثر من خزيها كانت تربكني بخيبتها في ابناء وطنها ومبالغتها، كنت امنعها من الاسترسال تفاديا للحرج الذي كانت توقعني فيه، فهي أحق بانتقاد مواطنيها مني، ولم أكن لأتجرأ على مشاركتها فيه احتراما لها ولبلدها الشقيق ..لكنها كانت تصر في كل مرة الى ان جرتها خيبتها بعيدا عنا قبل أن تورطني في عدائها الغريب لبلدها..

الآن أنا هي من تشعر بالخزي، من نفسي أولا ثم من مُواطنيّ، ليس عداءا ولا احتقارا كما هو الامر مع الصديقة، ولكن استهجانا امام أزمة المواقف التي نعاني منها نحن الجزائريون تجاه القضايا الكبرى التي تستجد على الساحة ، لكأنما الخزي أصبح نصيبا من الولاء المفروض الذي يوليه كل عربي لموطنه في توزيع عادل ومقسط للخيبات و المعايب على صفحة الوطن العربي ..

مواقفٌ غير متوقعة!

في لحظة انتظار ما، كنا مجموعة من الطلبة وبيننا فلسطيني، سمعت أحد الجهابذة  - الذيعرفت فيما بعد أنه طالب ماستر- يقول له بلهجة ساخرة : مالذي أتى بك إلى هنا ، إذهب لبلادك لتجاهد ، في مواقف أخرى مرّ عليّ كثيرون جامعيون ومثقفون يقسمون لي بأغلظ الإيمان أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود وأنهم يتجرعون حسرتهم ويستحقون تشتتهم ، هذه مواقف ربما قد تخففها الشعارات المتطايرة تجاه القضية الفلسطينية، وحالة الانتفاخ العنتري السائد ضد اسرائيل، لكن ماذا بشان القضايا الأخرى؟

في ثورة ليبيا أجمع أغلب الشعب الجزائري أن الليبيين خونة، وووصفوهم بأقذع الصفات التي لم تخطر على بال القذافي نفسه حين كان يمارس عنترياته عليهم، ولا يزالون إلى الآن يحقدون على الليبيين كأنما كان لهم ورث عند القذافي وخسروه!

في سوريا الولاء للأسد يكاد يكون أكبر من الولاء للجزائر، إيمان غاليبة الشارع الجزائري بالرواية النظامية كإيمان العجائز راسخ لا يتزعزع ، وان حدث وادانوا النظام لابد ان يدينوا معه الشعب لانه -حسبهم- يستحق مايحدث له ففي الاخير لم يجبرهم احد على الثورة !" ، وان جاءت المعجزة واقنعتهم بادانة النظام ادانوا سورية كلها معه!

لا اريد ان أفرض وجهة نظري في أخلاقية الثورات أو تبريرها، لكن ما يمكن ان نتفق عليه مساحة الاختلاف أوسع من أن تكون موقفا متشنجا واحدا يعتنقه آلاف البشر تجاه قضايا متعددة ، لا أحد مجبر على اتخاذ موقف ما في صراع ما ، لكن التعاطف الانساني هو اضعف الايمان ، احترام ارادة الشعوب هو المبدأ الأساسي مهما كانت ارادتها خرقاء وغبية وغير مجدية حسب ما نعتقد، المصيبة أنه لا شيء من هذا موجود لدى جزائري 2016 ، كلها مواقف سلبية تتجاوز المساحات التي يوفرها الحياد وعدم الانحياز الى التطرف المباشر وآخرها الشماتة في أهل حلب الذي ينز من عشرات الصفحات والحسابات والالسن، هو انحراف في القيم الاخلاقية بطبيعة الحال يجعل الحس الانساني لدى الجزائري محل شك!

حتى النُّخب؟!

قد نحاول التخفيف من حجم المصيبة بأن نزعم أن هذه مواقف العوام، وهي آراء لا يُعول عليها ، مادام الشارع انعكاسا لما يضخه الإعلام المضلل في وعيه، لكن ماذا عن النخب الجزائرية ؟

دعونا نعرّج في جولة قصيرة في الجامعة الجزائرية ، منبع الوعي ومربض العلم والعلماء، ومنبت النخب!

في سنتي الأولى في الصحافة، من فرط حماسه وايمانه بنا اول ما اوصانا به استاذنا في الاعلام هو أن نغض أبصارنا عن الجزيرة والعربية وفرانس 24 و وو ! لماذا ؟ لأنهم سحرة، وممن نتعلم الاعلام الاحترافي يا استاذ ؟ من التلفزيون الجزائري!

في السنة ذاتها، تعمدت احدى استاذاتي في الإعلام ايضا اهانتي حينما دخلنا سجالا حول من يقتل من في سوريا واستطاعت بحكم انها دكتورة في الإعلام ان تقنع الجميع ان الارهابيين هم وراء الخراب، وبنفس الذريعة ايضا اغلقت الموضوع ، استاذ آخر وصحفي في ذات الوقت موقن أن الاخوان هم من انقلبوا على السيسي ، وان مجزرة الكيماوي كانت فبركة المسلحين الذين قتلهوم ليلا ليتباكو عليهم نهارا، أستاذ صحفي ثان لا يجد مانعا في اي مناسبة من الاعلان عن مملاءته لمحور الممانعة والمقاومة وعشقه الكبير لبوتن، ولا يخفي حماسه الكبير للدفاع عن القضية الصحراوية التي تستحق التناول اكثر من القضايا المملة الأخرى!

إذا كان هؤلاء اساتذة إعلام وصحفيين، فهل حري بنا أن نسأل عن الوعي في الجزائر دونما أن نخجل؟ وفي ذات الصدد أتساءل إن كانت فعلا ازمة وعي حتى لدى النخب؟!

ماكان مطلوبا من هذه العينة من النخب، ليس الموافقة على رواية دون أخرى ، أو تبني موقف دون آخر، ما كان منتظرا منهم هو القليل من العمق في الطرح ليوازي مستوياتهم الأكاديمية السامقة ، يمالؤون بشار قد نمررها ، لكن عفوا قليلا من التعقيد في الطرح قليلا " من التبلعيط" حتى يبدون اكاديميين بحق يمكن الركون اليهم في عمل تحليلي أو نقدي أكاديمي فعلي، شيء من الاختلاف في التفاصيل والجزئيات، المرونة في الاخذ والرد وتحوير التموقع وزوايا النظر، أما ان يأتيك الراي منهم كأمر منزل منسوخ عن قناة الدنيا.. فهذه هي الطامة الكبرى ..

يقول الكثيرون أنها أزمة إعلام ووعي ، واقول أنها ازمة اخلاق، أخلاق مجتمع بكامله ، بنخبه وعوامه، أسوء شيطان على الأرض قد يرق قلبه أمام مأساة انسانية مهما كانت هوية أصحابها ومهما تدافع الحقد بين اطرافها ، ومهما طغت القسوة والحقد على قلب انسان ، فمنها من يتفجر منها انهار من الدموع اشفاقا وعطفا ..ورغم ذلك الجزائري يبقى موقف المتفرج والشامت ..انه أمر يبعث على الخوف أكثر مما يبعث على الخزي !

ختاما
 يبدو الجزائري في تفاعلاته وسلوكاته تجاه قضايا انتماءه الشرقي منسلخا من انتماءاته القومية، ذاك النفور الشديد الذي يوليه للعرب بجريرة "انهم تخلوا عنا في العشرية السوداء" وتحت مبدأ "ذق انك أنت العزيز الكريم" ، او حتى بدون سبب، حقده على جيرانه وتوجسه من اشقائه العرب والمغاربة على حد سواء يبدو واضحا في خريطة تفاعلاته واهتماماته، بغض النظر عن الاعتبارات العرقية واللغوية والتمثلات الذهنية التي يحملها عن امتداده الشرقي وجيرانه ، يبقى الجزائري معزولا عن انتمائه الاكبر ، متقوقعا على ذاته ، مترفعا عن الوشائج التي تعزز وجوده وهويته، مشدودا دوما بخيط نحو الشمال الذي يمعن في إذلاله .. الجزائري الآن يعيش في قوقعة تفصله عن عالمه الحق حواجز نفسية وثقافية وحضارية..وخالية من اية وشيجة من وشائج الاخوة والانتماء الى اشقائه ..ولهذا السبب بالذات تاتي مواقفه باهتة باردة وفي اغلب الاحيان متطرفة أمام من يفترض ان يراهم اخوانا واصبح بفعل العزل يراهم أعداءا !



  • 3

   نشر في 03 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 06 يناير 2017 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 7 شهر
للأسف السبب الرئيسي لهذا الأمر هو الإعلام الذي صار يشعل الخلافات بين الشعوب العربية و للأسف أيضا فإن الناس يسلمون آذانهم للإعلام دون وعي أو تحقق .
المشكلة لا تختص بها الجزائر وحدها بل هي منتشرة في مختلف الدول العربية .
0
فاطمة بولعنان
ان كانت أزمة إعلام فأين هي النخبة التي من المفترض أن تتعالى عن الخطاب الإعلامي المضلل، وتنحى منحى أكثر رصانة وعقلانية ..اعتقد أن الأمر أكبر من مجرد وعي ، المسألة متعلقة بمنطق التفكير وأخلاقيات التعاطي مع معطيات الواقع ومجرياته ..نحن في أزمة كبيرة تفوق التصور ..والله المستعان

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا