بين زوايا البار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين زوايا البار

وكلٌ يغني على ليلاه

  نشر في 17 أبريل 2020 .

وكلٌ يغني على ليلاه... عبارة قد تجدها الأنسب لوصف المشهد داخل بار حديث احتضن قليلاً من البشر بكثير من الأسرار... وهذا سببا لكونهم اعتادوا التردد على المكان بلا أصحاب... الأسرار تحتاج إلى مرافقة الخيال ولا بد من حلقة وصل بينهما، وهذا ما تفعله الموسيقى، حينما تحمل نغمات عتاب أو تصاحبها كلمات تثير الماضي المتناسى فتسحبنا إلى واقع إفتراضي رفقة ذلك الماضي، عادة البار أن يجلس الشخص (إن كان بمفرده) غارقاً في التفكير مع موسيقى الجاز أو ال underground التي تصدرها وحدات صوت المكان، لكن هنا تحديداً ونظراً لاختلاف افتراضات الجميع الذى بدوره يخلق الواناً مختلفة من الذوق الموسيقى، الجميع استخدموا سماعات الأذن، لخلق ضجة داخلية تعزلهم عن ضجة المكان.

وكونه يحمل مشاعر معظمة كالتي يحملها مصاصي الدماء في ال vampire diries تتيح له سماع صوت دقات القلب، أراد في تلك المرة قبل أن يغرق في عالمه، أن يبحر جولة في عوالم المحيطين به، استغلالا لشئ فريد يميزه قدرته على سماع ما يفكرون به وبالطبع ما يستمعون إليه، الأمر به انتهاكاً لبعض الخصوصية لكن هو أراد فقط أن يلقى نظرة غير متعمقة في عميق وجدانهم، ولأن هذة كينونته أتاحت له ذلك فرأي أنه لا بأس.

أمامة تجلس فتاة تبدو عليها كل معاني الأنوثة وأبرزها ملامحها الكلاسيكية، فرنسية عتيقة تحدق اتجاة النيل في الجهة المقابلة وسماعات أذنها تردد صوت جوليا بطرس"راح نتلاقى يوما ما"، محظوظ ذلك الذي يُنتَظر قدومه منها.

بجانبها يجلس شاب مراهق عشريني أعطت له نظارته والرواية الغارق في صفحاتها مظهراً أكبر قليلا لكن البراءة التي ترتسم عليه جعلته يخمن عمره، والأغنية التي يسمعها لجدل"حتى العيوب بتحليها" تناسب عمره أو تتماشى معه.

على بعد أقدام يجلس رجلاً أربعينياً يحمل تاجاً وهو شعره الأبيض، يبدو أنه يستريح من يوم عمل مزدحم وكالعادة ولأن طبيعة المكان ككل قد تكون غريبة عنه فضّل الانعزال بصوت أم كلثوم "قابلني والأشواق ف عنيه سلم وخد ايدي في ايديه " هي الأولى قبل فيروز من اتفقت عليها آذان جميع الأجيال المتعاقبة وهي أيضاً حجة الأجيال القديمة بانحدار الذوق الموسيقي "أنا جايلك من طنطا يا ست " .

أردف للجهة المقابلة حتى لا يُلحَظ تركيزه، رغم إيقانه بناء على حالتهم أن هذا صعب، إلى جهة يجلس رجلاً ثلاثيني زينت خصلات الشعر البيضاء سواد شعره، كلاسيكي المظهر ببدلته الإيطالية الزرقاء المقلمة، مظهر نادر وغير مألوف في عصر الملابس الممزقة لكنة يجلب احترام الجميع وملفت للنساء التي يروق لها الرجل ال جانتي gentil ، يبدو أنه يحب frank sinatra لاندماجة مع كلمات 

Strumming my pain with her fingers,

singing my life with her words,

killing me softly with her song,

telling my whole life with her words,

عيناه حادتين أو أنه هنا يحملق بشدة وهو غارق في التفكير، لا أعلم لما دائماً يكون الرجل الكلاسيكي شبة غامض،قادر على أن يجعلك تعشق تعبيراته ونظراته، لكنه حينما يخلو بشرودة، تشعر أنه يحمل ثقلاً كبيرا لا تتخيله، صمته يدفعك لتساؤلات كثيرة منها ومن لديه عقل لا يعذبه التفكير!.

بجانبه تجلس سيدة ثلاثينية، ابتسامتها ذكرته بالاميرة ديانا، يبدو أنها تعلم ذلك لأنها اتخذت قصة شعر مشابهة حتى اذناها اقتربت من ذلك كثيراً لسماعه لما تسمعه؛ صوت لا ينساه الكثير، داليدا تغني

"i find my love in Portofino"

كلمات تعكس جمال الجميلة داليدا وجمال مستمعتها أيضا.

عاد بنظراته للجهة الأخرى، فتاة شابة واضعة يدها على شعرها متكئة، وضع الغارق في شروده مع همومه، سرح قليلاً والسبب كالمعتاد هو صوت فيروز، هذا ما يحدث معه دائماً عند سماع صوتها، ارتبطت مشاعر العتاب لديه بصوت فيروز في حالات حزنها "ابعتلي بهالليل من عندك حدا يطل على"، لكن سرعان ما تغيرت ملامحة بعد انتهاء فيروز وتبعها صوت رجل يردد كلمات يتذكر أنه قرأها ل فدريكو جارسيا "لا أحد يفهم عطر زهر الماجانوليا الداكنة في أحشاءك، ولا أحد يعرف كم عصفور عاشقاً تعذب بين أسنانك" يبدو أنها تفتقد للحديث مع أحد أو أنها ممن تعلقت كلماتهم بين الصمت وحديث النفس، هؤلاء أكثر البشر حاجة للفضفضة، تتثاقل عليهم الأسرار التي لا يحملها جبل ولا جماد، لكنهم وياللعجب يصمدون، هم يشبهون الرجل الكلاسيكي الذي تحدثنا عنه،سابقاً الاثنان أو قد يكون الأول جزءاً من نوع الثاني؛ لديهم ما يشبة إعاقة عن البوح بأسرارهم وهمومهم، الأمر أصعب من أن تستفزهم الظروف أو كثرة الهموم ة؛ هي آسفاً تدعوهم لمزيد من الصمت، سلاماً عليهم وطابت قلوبهم من الحزن آمنين.

وللهررب من ذلك الألم لفت انتباهه شاب عشريني سارحاً مغمض العينين على وجنتيه ابتسامة ملحوظة، أظن أن الأمر مبهج، واتضح ذلك حينما سمع صوت Micheal Buble يغني أحد روائع الكلاسيكيات

"stay with me Sway with me"

يبدو أنه أستدعى أحدهم لرقصة خيالية، قد يكون الأمر صعب أن يقنعها واقعياً بذلك، أو أنها لا تجيد الرقصة.

كم أتمنى أن أرى ذلك الشاب ينفض غبار تلك البريئة الحزينة التي رأيتها قبله ويدعوها لرقصة تانغو على أنغام stay with me يزيح عنها حزنها ويحقق لذاته شيئاً من خياله، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن،المجتمعات جمدها مشاعر الخوف والتحفظ .

في الجهة البارزة  يقف النادل الماهر في عمل فنجان القهوة السادة مفعما بمساحة مبهجة يتمايل في حركاته بعض الشئ يستخدم سماعة بلوتوث حتى لا ينعزل عن عمله ولا عن استمتاعه بكلمات الأغنية الرائعة

Buongiorno italia col caffe ristretto

Buongiorno italia, Buongiorno Maria

هذة الأغنية توقعك في عشق روما حتى وإن كنت تكرة الإيطالية، وطنيتهم في تلك الأغنية وأيضاً في أغنية المقاومة Bella ciao قد يدفعوك لزيارتها يومياً ما.

أما الأغنية التي تعمل بوحدات صوت المكان والتي ولطرافة الوضع كانت لسيد مكاوي وأغنيته الأشهر "متفوتنيش أنا وحدي" ولكنها بصوت مختلف "فرقة مسار إجباري" ، صوت يتماشى مع متطلبات الشباب الجدد، الأصوات التي لم تجد كلمات أفضل من الكلمات القديمة لتحرفها وتخرج بلون جديد من الموسيقى صاخب لإرضاء استحداثات الجيل الحالي، على كل حال كانت الكلمات تتنافى مع الوضع الانعزالي الذي يحيط بالمكان لكنها كانت مريحة للآذان واختيار جيد.

استفاق على صوت النادل يدعوه لفنجان قهوته، جلب القهوه وعاد لا إرادياً لشروده ولكن شروده أصبح كشرودهم أخيراً، وكما قيل، كلٌ يغني على ليلاه. 



  • Ahmed Abdelrahman
    أحمد أحمد عبدالرحمن (عادل)، مهندس برمجيات، مطور تطبيقات، كاتب مقالات، رئيس IEEE Beni-Suef
   نشر في 17 أبريل 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا