معوقات السلام في العالم المعاصر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

معوقات السلام في العالم المعاصر

  نشر في 26 شتنبر 2021 .

يعتبر السلام أو السلم الدولي من بين الأهداف الرئيسية التي لأجلها تأسست منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 عقب الدمار الذي خلفته أحداث الحرب العالمية الثانية. وقد عرف القانون الدولي السلم أو السلام على أنه حالة اللاحرب والإمتناع عن استعمال القوة فيما بين الأمم، لبلوغ حالة دائمة ومستمرة من السلم. بالإضافة إلى محاولة القضاء على دواعي الحرب، فإن المجتمع الدولي قد شرع في سن نصوص قانونية تطمح إلى منع اللجوء إلى الحرب عن طريق الخلوص إلى ميثاق الأمم المتحدة .

إلا أن مفهوم السلم اليوم أصبح يواجه معوقات كثيرة تحول دون استتبابه، وتحرم الشعوب المضطهدة من نيل حقوقها وحفظ كرامتها والتمتع بحريتها، رغم جميع الجهود الدولية والوطنية لترسيخ ثقافة السلم والأمن الدوليين. فما هي إذن معوقات السلم والسلام في عالمنا المعاصر وكذلك التحديات التي تحول أمام استتبابه؟

في عالمنا المعاصراليوم توجد تحديات كثيرة تمنع استتباب الأمن والسلام وتمنع الأفراد والأقليات من نيل حقوقها وحفظ كرامتها والتمتع بحريتها. ومن أهم هذه المعوقات ، الصراعات المحتدمة بين القوى الكبرى التي تملك حق النقض في مجلس الأمن الدولي، والتي تقدّم مصالحها وخدمة استراتيجياتها على مصالح أمن العالم وسلامه، ومنها أيضاً التعصبُ الديني والعرقي الذي يولّد التطرف العنيف والكراهية ويكون محضناً للإرهاب ودافعاً له، وأطماعُ القوى الكبرى في ثروات البلدان النامية وأسواقها، والعمل على دعم حكومات فاسدة تسهل عليها تحقيق هذه الأطماع مما يحدث الصراع والاحتراب بين أبناء هذه البلدان، ويجعلها دائماً في حالة فوضى وتخلّف وتبعية، ومنها كذلك اختلالُ النظام الاقتصادي العالمي بما يحدثه من فوارق كبيرة بين فئات المجتمعات العالمية، حيث يزداد الفقراء فقراً والأغنياء غنى، وهو الأمر الذي يولّد الغضب والتذمّر. سنتطرق لهذه العوائق جميعها ونحاول فهمها والتعرف على دورها في الحلول دون استتباب السلام العالمي.

-1- الصراعات بين القوى الكبرى

سببت الصراعات بين الدول الكبرى كالولايات المتحدة والصين و روسيا وغيرها شرخا كبيرا في استتباب السلم والسلام الدولي، واعتبرت هذه الصراعات من أهم المعوقات التي تحول دون ذلك، فهذه القوى تملك حق النقض في مجلس الأمن وبذلك تقدم مصالحها على أمن العالم واستقراره، وهي أيضا التي تتحكم في منظمة الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية، كمنظمة الصحة العالمية و الهيئة الدولية لحقوق الإنسان وصندوق النقد الدولي الخ، وقد تنافست هذه الدول إلى فرض السيطرة الإقتصادية والسياسية على المستوى الدولي وكذلك بسط النفوذ بتسخير قدرات ضخمة عسكرية وأمنية مستغلة حق الفيتو . فجميع هذه القوى تسير في اتجاه واحد هو ضمان سيادتها الدولية لخدمة مصالحها المتعددة غير مبالية وقال "هانز براندز" كاتب في وكالة بلومبيرغ : " في ظل الهيمنة المطلقة ومع مواصلة القوى العظمى السير في الإتجاه ذاته لا يستطيع المجتمع الدولي أن يصب جل تركيزه على الإرهاب وعلى التغيرات المناخية والأوبئة والإنتشار النووي وغير ذلك من إلأخطار المشتركة. وفي المقابل، من شأن التعاون أن يعزز من المشاعر الطيبة بين القوى الكبرى" .هذا يوضح لنا جليا وقع هذه الصراعات الكبرى في إعاقة السلم الدولي، وارتباط استتباب السلم العالمي باستقرار مصالح القوى العظمى.

-2- التطرف وخطاب الكراهية والتعصب

يعد التطرف وخطاب الكراهية من بين الأسباب الرئيسية التي تشعل فتيلة الحروب والنزاعات المسلحة والجريمة المنظمة وكذلك العمليات الإرهابية. فالتطرف هو أهم مولد لهذه الإختلالات المجتمعية التي تهدد بشكل مباشر السلم العالمي، ومن الخطأ الإعتقاد بأن التطرف ليس له إلا شكل واحد كما يعتقد البعض، وإنما التطرف له أشكال عدة تبدأ من تجاوز حدود الاعتدال والوسطية حتى تصل إلى مرحلة الغلو التي بدورها تقود إلى سلوكيات إجرامية وممارسات إرهابية تهدد أمن وسلم الأفراد والمجتمع .

وتجليات انعكاس التطرف سواء الديني أو السياسي هي على مستويات متعددة، خاصة على المجالين الأمني والإجتماعي، إذ أن تهديد السلم العالمي ليس رهينا فقط بانتشار الجريمة ومظاهر العنف وحدها، بل أيضا بوجود تنظيمات دينية وتيارات سياسية متطرفة، تزرع بآرائها وفكرها الخوف والرعب داخل المجتمع ، حيث تكثر ايديولوجيات تشجع على القتل واستباحة دماء الناس وممتلكاتهم وتهديد حياتهم. وهكذا يعد التطرف من أهم أعداء السلام الدولي لكونه يشجع على التفرقة والكراهية ونبذ التسامح.

3- التدخلات الخارجية في الدول الضعيفة من أجل الثروات

تلعب التدخلات الخارجية دورا كبيرا في إعاقة السلام العالمي وفي قيادة الدول إلى الفوضى والإنقسامات والنزاعات الداخلية التي أدت إلى انزلاقات كثيرة، وأهم تلك التدخلات نذكر التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق والذي كان لأجل وضع اليد على الثروة النفطية الهائلة بذريعة محاربة الإرهاب والتصدير لممتلكي أسلحة الدمار الشامل، وقد تحدثت تقارير عدة عن التحريض لغزو العراق من طرف مسؤولي شركات نفط أمريكية من بينها شركة "هاليبيرتون" النفطية التي كان "ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي سابقا يتولى إدارتها حتى عام 2000.

ولا ننسى التدخل الروسي في سوريا المغلف بذريعة محاربة الإرهاب وهو في الحقيقة رغبة صريحة في فرض النفوذ والسيطرة بمنطقة الشرق الأوسط بعد غياب طويل، وأهداف هذا التدخل سياسية واقتصادية أكثر مما تبدو عليه، وأدت التدخلات في سوريا إلى حرب أسفرت عن مقتل مئات الآلاف ودمار واسع في معظم المدن السورية، بالإضافة إلى تحويل البلد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب وتعزيز النفوذ. ولم تنجو ليبيا من هذه الأطماع، بل عرفت نشوب حرب أهلية داخلية بعد فشل الفرقاء في بناء عملية سياسية متوازنة في أعقاب سقوط نظام القذافي، وتعدد جهات محلية طامحة في الاستحواذ على السلطة مع دعم خارجي لهذا الطرف ضد ذاك الطرف. وفي مصر التي نجت إلى حد ما من النزاع الداخلي المسلح، أطاح الدعم الخارجي السعودي والإماراتي بالدرجة الأولى والإسناد من بعض الدول الأوروبية بنظام الرئيس السابق محمد مرسي. ولم تسلم المنطقة المغاربية من هذه التدخلات، فقد عمل التدخل الفرنسي في المنطقة منذ سنوات عديدة على استغلال الدول المغاربية من أجل استنزاف ثروات هذه المنطقة من النفط والغاز الطبيعي الخ.

4- دعم الأنظمة والحكومات الفاسدة

اعتبر الفساد لعقود طويلة أحد أخطر الأمراض السياسية والاجتماعية والاقتصادية استفحالا، فتحول إلى آفة تنخر المجتمعات العربية بمختلف فضاءاتها، وتربك نهوضها وتجهض تطلعات أجيالها للنهوض والإزدهار. فهو مرض معطوف على الاستبداد والنظام الفاسد والظلم وغياب الحكم الرشيد، وهذا قاد السياسة العربية إلى أزمة عامة مستحكمة. وقد وضعت الكثير من الدول العربية في صدارة الدول الأكثر فسادا، وأخرى الأكثر استبدادا، وبعضها ضمن الدول المتأخرة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

فقد عرفت المنطقة العربية أنظمة استبدادية فاسدة سواء في التصرف و الإدارة، والفشل في الإنجاز والتنمية، فهي أنظمة لا تعبر عن إرادة الشعوب ولم تصل للحكم عبر صناديق الاقتراع إلا قليلا، رسخت الحكم الفردي الديكتاتوري، مستخدمة كل أشكال الإخضاع والتحكم، وأهدرت كرامة مواطنيها، وانتهكت حقوقهم وحرياتهم الأساسية، وقد صاحب كل هذا عجز واضح عن تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، أو فرص للنهوض والتقدم وكل ذلك معطوف على فساد منتشر ينخر البلاد أجهزة وأمنا . صوحب فساد هذه الأنظمة بغياب الثقة بين الشعوب والحكومات وبالتالي غياب الأمن والسلام الداخلي، الذي ينعكس سلبا على السلام الدولي ويعرقله.

-5- اختلال النظام الاقتصادي العالمي

تعاني البلدان النامية من أزمة اقتصادية حادة، وفي حالات كثيرة من أزمة اقتصادية خانقة تتمثل في ظواهر مختلفة الأهم منها الركود والكساد الاقتصاديان، ومن الخطأ الفاحش أن توضع المسؤولية كلها ــ كما يفعل عدد لا يستهان به من المعنيين بهذه القضايا على نشوء هذه الأزمة على عاتق البلدان النامية وحدها، هذه المسؤولية تقع في الحقيقة على عاتق مجموعتي البلدان النامية والمتقدمة النمو كلتيهما، وتعود هذه الأزمة إلى الظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية والإدارية السائدة في البلدان النامية وأيضا ــ وذلك الأهم كثيرا ــ إلى انعدام البيئة الاقتصادية المؤاتية للتنمية الإقتصادية وإلى انعدام القدر اللازم من التعاون الإقتصادي العالمي وإلى اتخاذ إجراءات اقتصادية من جانب بلدان متقدمة النمو ليس من ايحاء مفهومي التكافل والتكامل الاقتصاديين العالميين، وما فتئت بلدان نامية تعمل في ظل هذه البيئة غير المؤاتية التي ما انفكت تحبط الجهود الدؤوبة التي تبذلها بلدان نامية لتحقيق التنمية الإقتصادية. وتتجلى هذه البيئة الإقتصادية الدولية المناوئة في الاختلالات الاقتصادية البنيوية (الهيكلية) بين البلدان المتقدمة النمو والبلدان النامية، وهذه الاختلالات بدورها تسهم إسهاما كبيرا في ايجاد وإدامة هذه البيئة، ذلك يوضح وجود تأثير متبادل بين هذه البيئة والاختلالات. وتجعل هذه الاختلالات البلدان النامية مجالا تحاول البلدان المتقدمة النمو عن طريقه وقد حققت نجاحا كبيرا في هذه المحاولة. وهذا الاختلال ساهم بشكل كبير في زعزعة العلاقات بين البلدان المتقدمة والنامية الذي أثر بالمقابل في استتباب السلام العالمي.

خاتمة

في ظل هذه المعوقات التي تحمل في طياتها تحديات جساما وأخطارا جمة على مستويات عدة، يجب دراسة هذه التحديات والأخطار التي تواجه السلام العالمي، وتدارست السبل الكفيلة بالتغلب عليها، وكذلك وضع خريطة طريق تعزز أمن الأوطان والمجتمعات، وتعمل على بناء القاعدة المتينة للسلم الأهلي وللوئام المجتمعي ، للعيش المشترك في ظل العدل الشامل، والأمن الوارف وتعزيز قيم الحوار والسلام، وهو إقرار للأمن واستتباب للإستقرار وترسيخ للسلام، والمدخل هو الحوار لأنه يفتح المجال واسعا للسلام ويقضي إليه. أما القيم النبيلة المشتركة بينهما، فهي القيم الأخلاقية السامية المستمدة أساسا من الرسالات السماوية ومن الثقافات الإنسانية المتراكمة، وهي قيم تحتاج إلى ترسيخ في العقول والنفوس. من خلال مناهج التعليم ومناهج الدعوة، ومنتديات الفكر والثقافة وكذلك وسائل التواصل والإعلام .

المراجع

- محمد بوسلطان، من حفظ السلم عن طريق النصوص القانونية إلى ثقافة السلم، مجلة إنسانيات للعلوم الإجتماعية، عدد 10/2000

- خطاب عبد العزيز التويجري، نائب سابق للحرس الوطني السعودي خلال مشاركته في مؤتمر الأزهر الدولي للسلام بالقاهرة، سنة 2014

- هانز براندز، الصراع بين القوى العظمى ،من وكالة بلومبيرغ لجريدة الشرق الأوسط على الموقع

https://aawsat.com/home/article/1471406/

- جلال الورغي، الأنظمة الفاسدة إذ تحفز الإرهاب، مقال على منصة عربي 21

https://m.arabi21.com


  • 1

  • لطيفة شوقي
    باحثة في العلوم السياسية وقضايا الشرق الأوسط
   نشر في 26 شتنبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا