الحساب.. من فضلك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحساب.. من فضلك

قصة قصيرة

  نشر في 14 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2018 .


عجيبة هى تلك الدنيا التى تجعلك تراقب كل هذه الوجوه من خلف زجاج سيارتك.. هؤلاء الاشخاص الذين تجبرك مهنتك على أن تقضى معهم أكثر من نصف يومك.. لا تعرفهم ولا يعرفونك.. وما هى الا دقائق وتنتهى علاقتك بهم.. تعرف عنهم القليل لكن ترى منهم الكثير.. ترى فى سماهم وملامحهم ما يجعلك تقترب منهم، وترسم سيناريو جيد لحياة كل منهم…

هذا شاب يرتدى بذلة سوداء يحافظ دوما على مظهرها، وينظر كل دقيقة الى ساعته.. بالتأكيد انه فى طريقه الى مقابلة عمل… وهذه فتاة تمسك هاتفها بكلتا يديها ولا ترفع عينيها عنه ابدا وتضغط بكل اصابعها فوق شاشته بسرعة هائلة، بالطبع فهى اسيرة لذلك العالم الافتراضي الذى لا تعرف شيئا خارجه، وتضيع كل اوقات يومها فى معارك "اللايك والشير"..

وهذا شاب مع فتاة اصر ان يجلس خلفا بجانبها، فلم يحتاج الامر الكثير من الذكاء لتعرف انها حبيبته او خطيبته ولا يريد فراقها.. اما اذا جلس فى الامام بالتأكيد هى زوجته…

دارت كل هذه الخواطر فى رأس ذلك السائق الذى يقود سيارته الاجرة بهدوء وسط زحام شوارع المدينة، لم يقطع صمته الا رنة هاتف تلك الفتاة الجميلة التى تجلس خلفه، ليقطع حبل افكاره الذى ينسج سيناريو جيد يضع عليه بصمته لحياة تلك الفتاة هى الاخرى، التى ردت على هاتفها بابتسامة راقبها من خلال المرآة، وقالت:

- ايوه يا كريم.. لا مش هتأخر عليك يا حبيبى.. انا ما صدقت اخد اجازة النهاردة عشان نقضى اليوم سوا.. ماتخافش بقى محدش هياخدنى منك النهاردة..

لم يخرج من فمها حرفا واحدا من تلك المكالمة لم تلتقطه اذن السائق الذى اخذ يراقب ملامحها من المرآة حتى ارتفعت ضحكتها وهى تقول:

- انا النهاردة بتاعتك وبس.. هتتبسط وتتمتع وتعمل كل اللى نفسك فيه.. انا جاية على طول مش هتأخر.

لم يحتاج للكثير من الذكاء ليفهم مغزى تلك المكالمة، انه موعد غرامى حار جدا، فنظر اليها مجددا وهو يراقب انفعالاتها، وتدخل قائلا:

- معلش بقى الدنيا زحمة النهاردة.. شكلك هتتأخرى على جوزك.

- مش جوزى على فكرة.

قال السائق فى نفسه:

- مش جوزها.. وبتقوله هتتبسط وتتمتع.. قال وانا اللى كنت فاهمك صح.

ثم ارتفع صوته مخاطبا اياها بنظرة تفحصت كل ملامحها:

-حيث كده بقى يبقى تيجى تقعدى قدام.

نظرت له باستنكار قائلة:

- افندم!!

- لا ابدا ده عشان التكييف.. انتى دماغك راحت فين.

ختم جملته بابتسامة صفراء فهمتها الفتاة فقالت له:

- طيب تمام اركن على جنب.

- ايوه كده بقى.

توقف بسيارته فنزلت الفتاة ومالت نحو نافذة الباب الامامى، وقالت:

- الحساب من فضلك

- حساب ايه ده الطريق لسه طويل

اخرجت من حقيبتها خمسين جنيها وتركتها له وانصرفت دون ان تنطق بكلمة اخرى.

زمجر السائق غاضبا، وهو يقول :

- تبقى ف ايدك وتقسم لغيرك.. ارزاق.

قالها وانصرف فى طريقه حتى قابله رجل وقور طويل القامة يرتدى نظارة سوداء، ومعه شاب يصغره سنا، واشار للسيارة فتوقف السائق امامه..

فتح الشاب الباب الامامى وهو يقول :

- بقولك ايه اركب انت قدام عشان انا هنزل اخر الشارع وكمل انت بقى مع الاسطى.

وركب الاثنان وتحرك بهما السائق، وتحرك معه عقله الذى يبحث عن سيناريو جديد لركاب جدد، دوما يعشق هذه اللعبة ويظن انه بارعا فيها..

فجأة سمع صوت رنة هاتف يأتى من الخلف، عرف السائق تلك الرنة، انه هاتف الفتاة.

قال الشاب:

- تليفونك ده يا اسطى

- لا ده بتاع زبونة نزلت من شوية.. شكلها نسيته ولا وقع منها.. اصلها كانت مستعجلة.. عندها سهرة يا سيدى.

هنا فقط تحدث الرجل الوقور قائلا:

- وانت عرفت انها سهرة ازاى بقى؟!

- كانت بتكلم صاحبها قدامى.. ونزلت متلهوجة كده.

- وانت من مكالمة واحدة عرفت انه صاحبها وانها رايحة تقابله وفيها سهرة كمان.

- طبعا.. انا لامؤاخذة بفهمها وهى طايرة.

ضحك الرجل وقال:

- طب رد ع التليفون يمكن تكون هى بتسأل عليه عشان ترجعه ليها.. ولا ناوى تضرب عليه؟!

- لا.. الا الحرام.

اخذ السائق الهاتف من الشاب قبل ان ينزل من السيارة، وبالفعل كانت الفتاة، وتصرف السائق هذه المرة باحترام، واخذ عنوانها ليعطيها هاتفها، وليرى صديقها ايضا.

- يا ريت مايكونش عندك مانع لو نروح المشوار ده فى طريقنا.. واهو بالمرة عشان اثبت لك ان كان عندى حق.

- يا ريت مايكونش عندك انت مانع وماتحكمش على حد.. الحساب مش عليك انت.

استمر حديثهما حتى وصل الى العنوان ووجدها فى انتظاره امام مبنى وضع عليه لافتة مكتوب عليها "دار ايتام".

وقفت الفتاة امام الدار، يدها فى يد طفل فى عمر عشر سنوات، فاقترب منها السائق واعطاها هاتفها فردت بابتسامة:

- شكرا جدا يا اسطى

ثم نظرت للطفل وهى تقول:

- قول شكرا لعمو يا كريم.. عشان عنده امانة واحنا لازم نبقى زيه.. وكمان عشان هنلحق نروح الملاهى عشان تتبسط زى ما وعدتك.

نظر له السائق باستنكار قائلا:

- انت كريم!!

- م اهو عمو السواق طلع طيب اهو مش زى ما انتى قلتى انه قليل الادب.

ضغطت على يده وهى تقول باحراج:

- انا اسفة جدا الولد مايقصدش.. انا بس بصراحة اتضايقت من الموقف اللى حصل ف التاكسى.

ابتسم لها السائق وهو يقول بخجل:

- مش عارف مين المفروض يعتذر لمين.

هنا وقف الرجل الوقور بابتسامة عريضة تملأ وجهه، ونظر للسائق وهو يقول:

- الحساب من فضلك.

- اللى تدفعه يا باشا.

اخرج الرجل النقود من جيبه واخذ منها ورقة واحدة تحسسها بيده لثوان قبل ان يعطيها للسائق قائلا:

- دى عشرين جنيه.. صح!!

نظر له السائق باستغراب، فقد اكتشف توا ان تلك النظارة تخفى خلفها عيونا اصابها العمى، فقال بدهشة:

- انت كفيف؟!

- مش انا.. عرفت دلوقتى مين فينا اللى كفيف.

تمت

محمود سباق 

13-10-2018


  • 4

   نشر في 14 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2018 .

التعليقات

روعة ...و جميلة جدا
0
Mahmoud Sebaq
شكرا جدا لذوقك
قصة جميلة جداااا بصراحة التسلسل عجبني مشوووقة
أهنيك على روووعة الموضوع
هل أنت الذي كتبتها ؟؟
0
Mahmoud Sebaq
اه انا اللى كاتبها.. شكرا جدا على كلامك ورايك
روحي لله أبثها
ماااشاءالله بصرااحة بداية موفقة وجميلة استمر وإلى الأمام دااائما .. يشرفني أنك تقرا كتاباتي على صفحتي
نور جاسم منذ 5 شهر
جميلة جدا ☺
1
Mahmoud Sebaq
شكرا جدا لذوقك.. واتمنى لو فيه اى نقد او ملحوظة تفيدينى بوجهة نظرك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا