( هند .. تلك عقدة الذنب ) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

( هند .. تلك عقدة الذنب )

الحلقة الثانية ( قصة و حوار : تاج نورالدين )

  نشر في 31 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

                                   هند .. تلك عقدة الذنب ( الحلقة الثانية ) 

بهذه الكلمات الصادقة أخذ يونس كف أمه إلى خده وراح يعترف لها بما جرى قائلاً :

-عندما كنت عائدا من دار النشر لم أكن أتوقع في منعرج احد الأزقة أن ادهس بسيارتي صبية

في عمر الزهور بين الرابعة أو الخامسة من عمرها حيث أصابني ارتباك غريب فلذتُ هاربا

بين الأزقة مرة عن اليمين ومرة عن اليسار.. وأنا أفكر في اللجوء إلى الشرطة استيقنتُ أنّ

عقدة التامين توقفَ جريانُ سريانها منذ أيام قد خلت ..فرجعت أدراجي إلى البيت خائفا مذعورا

وقد هالني منظر الصبية وهي تلوّحُ بيدها .. كأنها تتوسل إلي كيْ لا أدوسها لكن القدر كان

أقوى مني ومنها..وكان أسرع مني ومنها .

الحاجة فاطمة وهي تضع يدها على رأسها قائلة :

- يا للمصيبة .. يا للفاجعة .. والطفلة ما مصيرها؟ هل أصابها مكروه كبير..

أتمنى لو تكون على قيد الحياة.. ماذا تقول ؟ صبيّة في عمر الزهور؟

يونس :

- لا أظن ذلك يا أمي فمن شدة الصدمة رأيت جثتها وقد تلاشت لعدة أمتار.

الحاجة فاطمة :

- يا للمصيبة .. يا للفاجعة .. وكيف سنواجه الأمر يا ولدي .. أليس من الحق والمروءة

أن نجالس أهل الضحية ونرضيهم بتقديم أيّ تعويض أو دية وبالمقابل نحصل على تنازل منهم

قد يعفيك من المساءلة .

يونس :

- هو ما أفكر فيه حاليا يا أمي.. لكني أخاف لو تعثّرت مبادرتي الآن معهم .. فاني سأواجه

عواقب وخيمة وخصوصا أن دم الضحية لم يجف بعد .

الحاجة فاطمة :

- ولكن قد يدلّهم أحدُ الأشخاص على أرقام لوحة السيارة فيزيد الطين بلة ..

وتكون المساءلة أصعب .

يونس :

- اطمئني يا أمي .. ساعة الحادثة .. كان الزقاق خاليا إلا من عجوز أظنها جدّة الصبية

كانت تريد قطع الطريق إلا أن الضحية سبقتها بدون مبالاة .. فكانت الطامة .

الحاجة فاطمة وقد أجهشتْ بالبكاء :

- كل أملي أن يتفهم أولياء الضحية أن الحادث كان قدرا مُقدّرا.. وان تعمل ما في وسعك

على إرضائهم .. ودعائي لهم بالصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون ..

قم يا ولدي وتوضأ ؟ واحتسب أمرك لله .. واصبر فإن الله مع الصابرين .

في هذه الآونة يقوم يونس إلى غرفته وقد بدا عليه إعياء وإرهاق شديدين ..

بعد أن اعتذر لأمه عن تناول وجبة العشاء معها ؛كما طلب منها أن تتصل بسميرة هاتفيا

لكي تضاعف من مجهودها في العمل بالمكتبة لأنه سيتعذر عليه الحضور إلى المحل

قبل يوم أو يومين أو ربّما أسبوع .

كانت الليلة الأولى أشد وطئا على يونس حيث اختلط السهاد بالأرق ولم يعرف للنوم سبيلا..

وكيف يتم له ذالك ؟ و طيف الصغيرة يلاحقه وهي تلوح بيديها.. ثم يقوم من فراشه وهو

يستحضر بمنطق الخيال : نطق المحكمة بأقصى العقوبة عليه ..ثم يتمدد منْهكا وهو

يستحضر كيف سيضيع كل شيء من يده ؟ تضيع منه المكتبة مورد لقمة العيش ..

و تضيع منه عروس أحلامه وقد كان قاب قوسين أو أدنى لإبداء رأيها في موضوع الزواج به ..

ثم يستدير جنبا محاولا إبداء نوع من المقاومة مستلهما تركيزه على الأيام القادمة للخروج

بخطة عقلانية ترضي أهل البنت وبالتالي يتفادى كل مكروه وكل مساءلة يمكن أن تعكّر

كل منشود وتعقِّد كل ما هو مستحب أو مطلوب .

أما الليلة الثانية فقد تميزتْ عن سابقتها بكونها عرفت دخول عنصر جديد وخطير على

مجريات ذلك الصراع الداخلي الذي أصبح واقعا مريرا يؤجج من نفسية يونس ويزيدها

ضغطا على ضغط .. ولم يكن هذا العنصر المتمرّس و الوافد الجديد سوى (عقدة الذنب )

التي باتت ترسم حدودها في سياجٍ مُحْكم التأويل بين ما هو معقول واللامعقول؛ وفي صراع

نفسي تتحكم فيه ازدواجية المدارك والمعايير. فيأتي الضمير فرعا ثانويّا فقط في

منظومة حب الذات .. ويأتي تقديم المصالح أولوية قصوى لدرئ المخاطر.. ويأتي الاعتراف

المعنوي كفضيلة و كملحق للهروب من واقع المساءلة مهما كانت التبريرات ..ثمّ يأتي

الثبات على المبدأ.. متغيرا من متغيرات تفسير المنطق .. لكن أي منطق هذا ؟

وايّ ثَباتٍ على المبدإ هذا ؟

نعم هي ( عقدة الذنب )عنوان الليلة الثانية بامتياز وإن كان يونس بين الفينة والأخرى

ومن خلال حواره الداخلي يحاول جاهدا طرد شبح هذه العُقدة بقوله :

- سأُكفِّر عن ذنبي .. سأنتصر لروح ضحيتي .

ولكن تعود الأسئلة لتحاصره من جديد من قبيل كيف؟ ومتى؟ ليعود إلى المربع الأول

من هذا الصراع الخطير صراع عقدة الذنب .

أما الحاجة فاطمة فسواء في الليلة الأولى أو الثانية فكان الدعاء لابنها؛ لا يفارقها وكم كان

يصعب عليها .. أن ترى يونس في هذا الوضع العصيب وكانت لا تستسلم للنوم إلا وهي تنادي :

- اللهم ألطف .. فيما جرت به المقادير..

- اللهم لا نسألك رد القضاء.. ولكن نسألك اللطف فيه..

- اللهم آمين .. اللهم أمين .. اللهم آمين .


( هند .. تلك عقدة الذنب ): يتبع مع تاج نورالدين


  • 3

  • تاج .. نورالدين .
    محام سابق- دراسات في الفلسفة والأدب - متفرغ الآن في التأليف والكتابة .- محنك في التحليل النفسي- متمرس في التحليل السياسي- عصامي حتى النخاع- من مؤلفاته :( ترى من هذا الحكيم ؟ )- ( من وحي القوافي ) في ستة أبواب وهو تحت الطبع .- ( علم ...
   نشر في 31 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا