رجل يتحدث عن مبادء الحرية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رجل يتحدث عن مبادء الحرية

ابراهيم ابوالقاسم

  نشر في 14 مارس 2018 .

تختلف التحديثات والتحديدات التي تُحاول تعريف مفهوم الاستبداد، كل حسب مجالات اشتغاله أو ميادين مقاربته، سواء من حيث الأفكار والمعتقدات أو من حيث الممارسات والسلوكيات. غير أن الطبيعة التي يَتولَّد عنها أو يُولِّدها في مكان وزمان تبلوره، تَظَلُّ واحدة. وغالبًا ما تكون متَّسِمة بالاستعباد والاغتصاب والاستحواذ والاستئثار دون وجه حق تارة؛ كما نجدها تَتَّسم بالنّهب والتسلط والطغيان تارة أخرى. وكيفما كانت الأوضاع التي يظهر الاستبداد فيها، فإنها غالبا ما تَتَّصِف بالمأساوية. وهي أوضاع، يَستلذُّ فيها المستبد بامتلاك القوة وبلوغ القمة، فتبدو له اللذة التي يستمتع بها، والتي تمنحه نوعًا من السيطرة والتَّجَبُّر، حقًّا مكتسبًا يَسمح له بالتلاعب برقاب الناس، واستباحة شرفهم، والتحكم في مصائرهم؛ في الوقت الذي لا يَنتُج –كل- ذلك سوى عن «غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة»، كما يؤكد العلامة عبد الرحمن الكواكبي في كتابه عن «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».

بل، إن المستبد رجلًا كان أو امرأة، مَلكًا أو أميرًا، رئيسًا أو زعيمًا، تظل رغبته في النزوع إلى الاستعباد والتسلط والاستلاب، قبل الوصول إلى سُدَّة الحُكْم، هي نفس الرغبة بعد تَرَبُّعِه على العرش، رغبة ممزوجة بميول طغيانية لا تتغير أو تتبدل، بل تزداد أُلْفَة واعتيادية عنده أكثر من السابق، نظرًا لتوفر المستبد على آليات وأدوات لدعم مختلف عاداته السيئة، ومحاولة فرضها على الآخرين لمجرد اعتقاده بأن كل سلوك يصدر عنه، يعتبر من وجهة نظره قيمة اجتماعية وسياسية، يجب تبنيها من طرف الآخرين والرجوع إليها في كل قضية يتنازع فيها أطراف المجتمع. أليس من شَبَّ على الشيء شاب عليه؟ وتلك، قصة غرور المرء برأي أحادي النظرة، واعتقاده في قوة زائلة، وإيمانه بسلطة غير دائمة.

أولًا:

أما الدولة، فهي الإطار الشمولي لفكرة التبني والقيادة نحو خير المجموع، الذي لا يقرر فيه سوى الحاكم المستبد، الذي يرى وجاهة أقواله لوحده، من دون سواه. والدولة بهذا المعنى، توجد لحماية القائد من كل ما قد يستهدف سلطته وقوة وحدانيته المتسمة في نظره بالتفوق على الجميع. لأن خاصية التعود في الإنسان أصعب من خاصية الاكتساب. وكل ما يَكُونه الإنسان في كبره، فهو نتاج ما تعَوَّدَه في صغره، من خلال محيط ولادته ونشأته وتعلمه. فإذا كان المرء، شديد التعصب لرأيه أو دائم الحزن، أو مُحب للملذات، أو مُفَضّل لنفسه على الآخرين، فإنه لا محال سيبقى كذلك حتى بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة. وآنذاك، فقط، ستبدأ أنياب وحدانيته التسلطية، والتي كان يخفيها عن الآخرين لإحساسه بالضعف والنقصان إلى التسلُّل عبر أفعال وردود أفعال في مواجهة أعدائه من الشعب. ويصف لنا ابن رشد في عبارات دقيقة، حالة المستبد التي لا تختلف عن حالته قبل لزومه للرئاسة -والتي لا تتغير- بل تزداد مأساوية، وهو يقول: «وحداني التسلط أشد الناس عبودية وليس له حيلة في إشباع شهواته بل هو أبدًا في حزن وأسى دائمين. ومن هذه صفته، فهو ضعيف النفس، فهو حسود وظالم، لا يحب أحد من الناس وذلك أن هذه الصفات لما كانت موجودة فيه قبل الرئاسة، فهي ألزم به بعدها». (نقلًا عن محمد عابد الجابري في كتابه «العقل الأخلاقي العربي»)

وأما حين يتوغل المستبد في حب السلطة، ويعتو في الأرض فسادًا، فإن حالته لا تختلف عن حالة الطاغية الذي وصفه إتين دي لا بويسيه Etienne DE LA BOETIE، في كتابه «مقال في العبودية المختارة»، قائلًا: «الطغاة كلما نهبوا طمعوا، كلما دمروا وهدموا، كلما موناهم وخدمناهم زادوا جرأة واستقووا وزادوا إقبالًا على الفناء والدمار. فإن أمسكنا عن تموينهم ورجعنا عن طاعتهم صاروا، بلا حرب ولا ضرب، عرايا مكسورين لا شبه لهم بشيء إلا أن يكون فرعًا عدمت جذوره الماء والغداء فجف وذوى».

ثانيًا:

وعلى هذا الأساس، وباسم الشعب، الذي نعتبره الوحيد، القادر على تجاوز كل الكبوات التاريخية التي –رغم ما تشهده الساحة العربية والإسلامية من ثورات الحرية، برغبة التحرر من أقفال الاستبداد الذي يُكَبّل أيدينا وألسنتنا- لا زلنا نجتر تبعاتها إلى اليوم؛ نُرَدّد، وباسم الفكر الحر: لكي نتحرر، يجب أن يتحرر الشعب أولًا، ولكي يتحرر الشعب أولًا، يجب أن نُعلن ولادة الشعب من جديد، ولكي نُعلن ولادة الشعب الجديد (ة)، لا نحتاج سوى إلى صرخة حق وحرية، نَلُفُّها في ثوب لسان جريء. وما الجرأة سوى استخدام عقولنا وأفكارنا المتوقف (ة) بريقها عن اللمعان -بسبب الضباب السياسي المصطنع- منذ أمد بعيد، حين تساءل إتين دي لابويسي، في استغراب كبير: ما الذي يدفع بالمئات، والآلاف، والملايين من الشعوب، إلى أن ترزح تحت وطأة الطغاة والطغيان، راضية مَرْضية (؟)، دون تحريك أي ساكن! وذلك، في جَوّ لا تفوح منه سوى رائحة مُرَّة، بطُعم «العبودية المختارة»؟!

ثم يَستَطرد إتين دي لا بويسيه، قوله، مُسْتَفهما، مُتَعجّبًا: «ما هذا يا ربي؟ كيف نُسمي ذلك؟ أي تَعس هذا؟ أي رذيلة أو بالأصدق أي رذيلة تَعسَة؟ أن نرى عددًا لا حصر له من الناس، لا أقول يطيعون بل يخدمون، ولا أقول يحكمون بل يُستبد بهم، لا مُلك، ولا أهل، ولا نساء، ولا أطفال، بل حياتهم نفسها ليست لهم! أن نراهم يحتملون السلب والنهب وضروب القسوة، لا من جيش، ولا من عسكر أجنبي ينبغي عليهم الذود عن حياضهم ضده، بل من واحد لا هو بهرقل، ولا شمشون، بل خُنث، هو في معظم الأحيان أجبن مَن في الأمة وأكثرهم تَأنُّثًا، لا أُلفة له بغبار المعارك، وإنما بالرمل المنثور على الحلبات (إن وطئها)، ولا هو يحظى بقوة يأمر بها الناس، بل يعجز عن أن يخدم ذليلًا أقل أنثى! أنُسَمّي ذلك جُبنًا؟ أنقول إن خُدامه حُثالة من الجبناء؟… إن لكل رذيلة حَدًّا تأبى طبيعتها تجاوزه. فلقد يخشى اثنان واحدًا، ولقد يخشاه عشرة. فأما ألف، فأما مليون، فأما ألف مدينة إن هي لم تنهض دفاعًا عن نفسها في وجه واحد، فما هذا بجبن، لأن الجبن لا يذهب إلى هذا المدى، كما أن الشجاعة لا تعني أن يَتَسلق امرؤ وحده حصْنًا أو أن يهاجم جيشًا أو يَغزُوَ مملكة. فأي مَسخ من مُسُوخ الرّذيلة، هذا الذي لا يستحق حتى الجُبْن، ولا يجد كلمة تكفي قُبْحَه، والذي تَنْكُر الطبيعة صُنْعَه، وتأبى اللغة تسميته؟».

ثالثًا:

ماذا يتبقى لنا من القول! أمام عبارات هذا الصرح العظيم؟ من الوصف، والتشبيه، والاستعارة، والبلاغة اللفظية، وباقي المحسنات البديعية، التي يشملها بصفة عامة، نص «مقال في العبودية المختارة»، والتي تُحيط تدقيقًا وإجمالًا بحقيقة الاستبداد والمستبدين، الذين لا يرى –إيتين دي لابويسي- للخانعين لظلمهم وجورهم، أدنى مُبرر يسمح لهم بقَبول العيش، وبكل إرادة وخنوع، وسط تلك الوضعيات الاستعبادية التي تأبى حتى اللغة تسميتها!

فمن ذا الذي يَرضى -مِنْ بعد ربيع العرب الذي تُدشن فيه الشعوب العربية والإسلامية، حدائق الحرية يومًا بعد يوم- بالإهانة والاحتقار، بالفساد والسرقة، بالظلم والجور، باستفحال غرور الطغاة والطغيان؟!

ونحن، بجانب الشعب، الذي نعتبره المفتاح القديم في ثوب جديد، والذي نطمح لأن يكون مفتاحًا صحيحًا لفتح قُفل الاستبداد المعاصر، نؤكد جازمين –ونحن في كامل وعينا– بأننا: لا نُريد توجيه خطاب معين، أو التمكن من حظوة معينة، أو تحريض أحد ما، أو جُموع ما؛ بقدر ما نريد فقط، استعارة العبارة الشهيرة من زعيم الثورة الثقافية الصينية، ماو تسي تونغ Mao TSE-TUNG: «لندع المائة زهرة تُزهر» تاجًا للحرية وحرية للتاج. فمن يدري؟ فقد تتحقق نبوءة الروائي الفرنسي جورج برنانوس Georges BERNANOS، والقائلة: «ومن جديد سوف تهز خطوة الفقراء العالم»! لنحيا جميعًا، متكافئين ومتحررين من كل أشكال الظلم والقهر والاستبداد، جنبًا إلى جنب، شعبًا وتاجًا. لذلك، يتوجب على الجميع محاولة إعمال عقل الاجتهاد؛ بغية تجاوز عمل الاستعباد في الفكر والثقافة والمجتمع



   نشر في 14 مارس 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا