ابن آدم المُغفّل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ابن آدم المُغفّل

  نشر في 29 ديسمبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 03 يناير 2022 .

مرعب حقا أن يقتل الإنسان إنسانا آخر. لكن الأشد رعبا أن يقتل الإنسان نفسه، وتمضي ساعات عمره دون أن يجرب متعة العيش. ومثلما تفنن في ابتكار وسائل قتل الآخرين، يجتهد في ابتداع وسائل قتله لنفسه، من قلق، وتوتر، وبحث عن السعادة الزائفة، والأسوأ منها ما تفضي إليه المقارنة من هم ونكد وشقاء.

"أنا خير منه" فتحت باب المقارنة الشقية ليكون إبليس أولى ضحاياها. وسارت البشرية بعد آدم عليه السلام على نفس النهج، تقارن بين وضعين أسبابهما مختلفة لتحاول تحقيق مساواة غير عادية.

تلقننا الطبيعة كل يوم دروسا في فن العيش، لكن باعتبارنا المخلوق العاقل الوحيد الذي يركض فوق ظهرها، نتوهم أننا لسنا بحاجة إلى نصيحة مجرَّبة. هكذا تتجدد أمامنا حكمة الأرزاق دون أن نستخلص منها ما يخفف من أنانية العيش وألوان الفجيعة.

ينساب الماء رقراقا صافيا في جدول أو ساقية على مدار العام، بينما يتدفق الوادي كجيش ثائر قبل أن ينضب ماؤه، فلا يعينه على الحياة غير ما تجود به السواقي! مشهد يتكرر أمام العاقل الذي لا ترضيه قسمة الأرزاق، ولا يستشعر ما فيها من حكمة وتوازن، فيصر على أن يُجري مقاييسه، ويحقق عدالة توزيع تراق لأجلها الدماء.

مد أحدهم بضعة دريهمات لفقير فأبى أن يأخذها وقال: احتفظ بها فأنت فقير مثلي. فرد الرجل بكبرياء واضح: لكني غني.

- طيب، كم تبلغ ثروتك؟

- خمسين مليونا.

- وهل تسعى لأن تزيد فتصبح مئة مليون؟

- نعم، بدون شك

- إذن فأنت فقير مثلي!

تتجدد أمام أنظارنا كل يوم قصة الكوخ السعيد والقصر الكئيب والمهموم. قصة كُتبت بمداد الطفولة في كراساتنا المدرسية. ونشاهد تجلياتها في الحياة لسعادة لا تحتاج لرصيد بنكي، وبسطاء يؤمنون بأن بطارية العمر لا تتحمل كل هذا الصراع من أجل ثروة يجمعها المرء بحصاد عمره، وقد يُفنيها الأبناء صبيحة العزاء.

قال رجل في الستين من عمره للفضيل بن عياض: أنفقت عمري في جمع المال.

رد الفضيل: فهل جمعتَ أياما لتنفقه فيها؟

إن معادلة السعادة التي ترهق اليوم أعصاب البشرية هي الاستمتاع بما ربحه المرء من تعب السنين، غير أن السؤال الحارق الذي يتردد في أعماقنا هو: هل نستطيع حقا تحديد الوقت المناسب؟

لا زلنا نرى شيوخا جاوزوا الستين وأعناقهم متصلبة أمام شاشات البورصة.

وآخرين يطيرون إلى أنحاء العالم الأربع لعقد صفقات، والتفاوض حول مكاسب وخسائر محتملة.

وعجائز ينفقن الأموال والأعمار في عيادات التجميل وإصلاح ما أفسده الدهر.

وما هي إلا محاولات يائسة لمد حبل العمر أطول مما اقتضته المشيئة.

الدرس الثاني الذي تلقنه الطبيعة للمخلوق العاقل هو أن العطاء لا يتناسب بالضرورة مع الجهد. وإذا كان محصول القمح في الأراضي العالية أقل من مثيله في السهول الواطئة والدافئة، فهذا يقتضي إبداع شروط أخرى للعيش.

أحد أسرار السعادة ألا تخنقها بتمثلاتك وأوهامك. وهنا تقفز إلى الذهن حكاية قرية الصيادين التي اكتفى أهلها بصيد ما يحتاجونه للعيش في سعادة، بينما توهم الفيلسوف أن السعادة هي ثمرة جهد مضاعف، وهدر مزيد من الوقت لكسب ثروات تزيد عما يحتاجونه.

أما ثالث الدروس فهي العلاقة المتأرجحة بين النشاط الإنساني وتزايد معدلات القلق والضغوط النفسية. لا يحتاج الإنسان لأكثر من أن يعيش اللحظة الحاضرة، مادام الماضي قد فات، والمؤمل غيب، وليس لك إلا الساعة التي أنت فيها!

لا تشغل المخلوقات الأخرى نفسها برزق الغد، ومجريات الغيب، لذا فهي لا تزور عيادة الطبيب!


  • 2

   نشر في 29 ديسمبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 03 يناير 2022 .

التعليقات

نورا محمد منذ 5 شهر
أبدعت :)
0
حميد بن خيبش
أشكر لك متابعتك الطيبة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا