لماذا لا نخرج من عزلتنا ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لماذا لا نخرج من عزلتنا ؟

كيف يمكن أن نتحول لاقتصاد لا يمكن الاستغناء عنه؟

  نشر في 03 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 26 نونبر 2016 .

كانت الساعة في تمام الثامنة والنصف، في جو متوسطي شديد الرطوبة، وهواء ساخن يلفح وجهي كلما أسرع خطاي لأنقذ ما تبقى لي من وقت، لكن لا فائدة من التسرع فآمالي المتبقية أضحت معدومة واقتناص تلك الآمال في جني ثمار المحاضرة الأخيرة، إنها الفرصة الوحيدة التي يقوم فيها مُحاضر المادة بتسجيل أسماء الطلاب الأكثر حضوراً لينالوا حظاً أكبر في التقديرات ويفتح باب النقاش لحل الطلاسم وتذييل العقبات؛ زاد التوتر داخلي بمرور الوقت، لم أستطيع أن أطيق ملابسي التي أترديها ولا الحديث مع أحد، هو ذا أنا الواصل إلى تجمع السيارات الذاهبة إلى جامعتي، والكل ينظر إليه نظرة من فاته القطار في آخر اللحظات، لقد نسيت حتى كتاب المحاضرة، شرعت في التساؤل عن الحافلة المسافرة حالاً، وإذا بسيارات النعش الطائر (1) - والتي لم أكن من المناصرين لها- تنتظر سبعة من سيئي الحظوظ يتزاحمون فيها للسفر، واقفة في مأرب وتنتظر ، اضطررت للركوب في آخر مقعد، وأنتظر يوماً طويلاً من الإخفاق، لكني قلت في نفسي أن الله سيعوضني بالأفضل، فجلست بجوار النافذة أرتقب اللحظة التي يعلن فيها القدر علي لسان السائق أن العدد سوف يكتمل وأننا سوف نتحرك .

السيارة فارغة تماماً ! وأنا وحيداً منتظر أن يكمل السائق عدد الركاب، لازلت أراقب النافذة وكلي شغف في الرحيل، وإذا بسيدة من ذوات العيون الضيقة وبيدها حقيبة ضخمة تستأذن أن تجلس جواري، كانت عَربيتها ملصمة ، لكنها جيدة نوعاً ما، ولم يكن لي باع في كونها لم تجلس في باقي السيارة ولم تجد إلا ذلك المقعد، طلبت مني أن نبدل المقاعد فحدث لها ما أرادت، قلت في نفسي أن اليوم بدى واضحاً من بدايته، الصينيون ضاق بهم العالم شرقاً وغرباً ولم يجدوا غير "بيجو" الفِرنس والمقعد الخالي جواري، إنه يوم لن يمر علي خير ، بئس اللحظات وبئس تلك الحقيبة وبئس تلك المرأة الباردة، استحكمت الصينية الجلسة ورتبت أغراضها، ثم خيم الصمت على المكان حتي إكتمل العدد وإنطلقنا.

الزجاج محكم الغلق، فقد عفى عليه الزمن، والهواء يدخل صدري ساخناً، وحالتي لا تحتمل الحديث لأحد، لكنها إستطاعت أن تستدرجني للحديث حينما أخرجت محفظة النقود ظاهرة منها عملة حمراء اللون وعليها ماو تسي تونج، تأكدت أنها صينية، وبدأ هنا سجال من الحوار الذي لم ينته إلا في نزولي إلى مدخل المدينة وقد إكتظ عقلي بمعلومات عن بلاد الصين وطبائعهم الأغرب من الخيال.

قامت الثورة الشيوعية في الصين، وكانت غايتها الكبري تكمن في تحويل الصين لمجتمع منتج ومصدر وعامل، لقد أصبح للصين دولة لا يمكن الإستغاء عنه، فحدثتني المرأة عن البرلمان الصيني(2) الذي يتعدي الألفي عضو -وهو بالمناسبة أكبر برلمان في العالم- وعن الحزب الشيوعي الذي هو بمثابة خلية النحل، لكني كنت في فضول لأعرف سبب وجودها بمصر وخاصة في إقليم من الأقاليم التي لها نسبة سكانية منخفضة مقارنة بباقي الأقاليم المصرية، فعرفت منها أنها تعمل في شركة في مجال تكنولوجيا الهواتف الذكية وهذه الشركة متخصصة في تصنيع قطع الغيار لعدد من الهواتف، فشركة مثل سامسونج تطلب منهم تصنيع عدد من الشواحن أو الإطارات أو اللاصقات الزجاجية لهواتفها في مقابل الجودة في الإنتاج، أما الشركة التي تعمل بها هذه المرأة تسعى للوصول إلي سوق يتمتع بقدر من القوة الشرائية ليتمكن من شراء منتجاتها، وهي استطاعت تجزئة السوق المصري تبعاً لخطة تسويقية هدفها تحقيق نصف مليار يوان في أربع محافظات مصرية، فهي بدأت بدمياط وسينتهي الحال بها في السويس وتعود للقاهرة.

أدهشني هذا الأمر بطريقة جعلتني أنسى المحاضرة وأنسى حرارة الجو، وتبادر في ذهني أن أخوض في تفاصيل أكثر حول شركتها، وما الذي يجعل العملاء المصريين أن يشتروا منتجاتها دون أخرى؟ فأسرعت القول بأن السبب هو السعر الأقل والجودة والعلامة التجارية والخصم التجاري والنقدي، كما أن شركتها تعطي رحلات وإقامة في الصين للعملاء ممن يشتروا منتجات بشكل أكبر، كما أن شركتهم تعطي ولاءاً أكبر للعميل وقت كساد الأسواق بل ترسل له العديد من الأفكار التي تُحسن من تسويق منتجاتهم، ثم جاء دوري في الحديث.

لف السائق عجلة القيادة معلناً دخولنا منطقة العشرين كيلو متراً التي تبدأ بقرية الديبة علي يسار الطريق الساحلي، التي بحوزة محافظة بورسعيد أولى مدن قناة السويس، سألتني المرأة عن عملي وعن دراستي، فانطلقت إلي الحديث إليها وأنا ناظر إلي النافذة، أني أعيش في مجتمع منتج وغير منظم، فإندهشت بفضول ورأس حالها يقول لها كيف؟، فمدينة دمياط هي المحافظة الأولي في مصر في كل شئ إيجابي فلا بطالة ولا أمية، حتي أقل المدن المصرية في معدلات الجرائم، والأعلي في الدخول كأكبر تجمع للطبقة المتوسطة، ولكنها لا تزال بمعزل عن العالم بأسره، فنحن نصنع كل شئ، لكن ينقصنا تسويق المدينة وصغار المصنعين، كيف يكون كل عامل من العمال نواة لشركة كبرى، لماذا لا يحدث هذا؟ لماذا ننظر دائماً أسفل أقدامنا ونعتمد علي التجارة الداخلية؟ ولما فكرنا في النظر خارج الإطار كان أكبر آمالنا في الأردن والخليج؟، قالت لي أنها شاهدت العمال في كل مكان في المدينة ولكنهم بائسين، فالحال عندكم ضيق لأن اقتصاد المدينة مرتبط بالدولة المصرية؛ وإذا ما توقف الحال بها توقف معها كل شئ، فرددت مسرعاً أن الحل في خروج المدينة من عباءة السوق المصري هو الحل المثالي، علينا أن نفعل مثل ما تفعلين، أن نسوق أنفسنا ومنتجاتنا وطموحاتنا.

منذ عامين أرسلت لي أحد الزميلات صورة لصالون إستقبال فرنسي كان ثمنه 17.000 دولار أمريكي، أي ما يعادل 200.000 جنيه مصري، عندما رأيته شعرت بالدهشة والاستنفار لسلعة تباع هنا ب35.000 جنيه وفي أمريكا بهذا الرقم المهول، إذا فإن مجهوداتنا كمدينة وإقليم غير مقدرة لأننا لا نستخدم العلوم الادارية،وأني أؤمن دائماً بهذه الكلمات بأننا نعاني من رأس مال جاهل؛ أو بجهاز اقتصادي غير منصف لصغار المصنعين، أو أن هذه المرأة الصينية تعيش في كوكب آخر يضم عقول نظيفة بالعلم والمنطق والتفكير السليم.

علينا أن نفكر بطريقة مختلفة وأن نسوق منتجاتنا بطريقة مختلفة، ليس من أجل الحصول على مال، أو تحقيق مكسب مادي من نوع آخر، لكنني أري فيه مخاطبة للعالم بأن أمتنا العربية الإسلامية ليست عالة علي الحضارة الإنسانية وأن كانت وستظل المشكاة التي تضئ للإنسانية الطريق، وتنشلهم من الظلام والتخلف والرجعية.

____________________
(1) أطلق المسوقون المصريون علي سيارة البيجو عند اصدارها في الثمانينيات من القرن الماضي بالنعش الطائر نظراً لسرعتها وطولها الزائد ولكسب المزيد من المبيعات.

(2) هو أعلى هيئة تشريعية في جمهورية الصين الشعبية أي البرلمان ويتكون من 2987 نائبًا ينتخبون لخمس سنوات عن طريق الاقتراع السري غير المباشر من طرف نواب المجالس المحلية الذين انتخبهم الشعب يعني أن أعضاء المجالس المحلية هم من يحق لهم الانتخابات.


  • 2

  • محمد الكُتبي
    باحث اقتصادي لدي الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا ومهتم بمجالات الاقتصاد أشاركك معلومة اقتصادية قد تكون جديدة بالنسبة لك .
   نشر في 03 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 26 نونبر 2016 .

التعليقات

إن شاء الله بأمثالك أستاذ محمد تعود الريادة للأمة
1
محمد الكُتبي
أعزك الله يا عبد الرحمن
بارك الله فيك ونفع الله بك أمة محمد

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا