أصل الفساد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أصل الفساد

الفساد ما بين الماضى والحاضر

  نشر في 06 يوليوز 2019 .

التغول على المال العام والفساد وإهدار موارد الدولة ومقدراتها ليس آفة العصر الحديث بل يبدو أن له جذورًا وامتدادات في تاريخ هذه الأمة، ويبدو أن الموضوع متعلق (بضبط المصنع) لنسبة ليست بالقليلة من هؤلاء الذين يتولون أمر الناس في بلادنا إلا من رحم ربي!

قد يعتقد بعضنا أن الربط بين الحاضر والماضي أمر في غير محله وفيه تكلف لا يصح، ولكن يبدو أن هناك خيطًا ممتدًا عبر تاريخ هذه الأمة يربط بين ما جرى في ماضيها مع ما يحدث في حاضرها، العقل الباطن لهذه الأمة يبدو أنه يحتشد بتراكمات وأنماط حركة مجتمعية رسخت في ذهن أفراده وصارت تنتقل بينهم بالوراثة جيلًا بعد جيل!

قرأت مئات القصص المتشابهة عن مجالس خلفاء وأمراء وولاة يعجبون بقصيدة أو موعظة أو مدح أو موقف لأحد الجلساء فيطلقون عبارتهم المشهورة: أعطوه ألف دينار، 10 آلاف، 100 ألف.. كلما سمعت قصة من هذا النوع كنت أطرح نفس السؤال: بأي حق يعطى شاعر ما آلاف الدنانير مقابل قصيدة تقطر نفاقًا وتملقًا؟ وبأي حق يتصرف هذا المسؤول بالمال العام فيقوم بتبذيره على من هب ودب؟ وما ذنب المال العام أن يهدر بهذه الطريقة؟ وهل أموال الأمة (سائبة) لهذه الدرجة حتى يوزع منها ولي الأمر وكأنه ورثها أبًا عن جد، أو اكتسبها من كده وعرق جبينه؟ ألا يعلم هذا المتساخي أن العشرة آلاف دينار التي تمنح لشاعر منافق يمكنها أن تطعم وتكسو أهل بلدة كاملة؟

كل ما أعرفه أن الخليفة أو الأمير أو الوالي مجرد موظف براتب مثله مثل حارس قصره، وأن هذا الراتب محسوب بحيث يكفي ولي الأمر هذا وأسرته حتى يتفرغ لخدمة الناس، فمن أين جاء إذًا بالمائة ألف هذه ليعطيها لمن تملقه ومدحه مقابل ضحكة رسمها على شفتيه؟

معظم البسطاء الذين يقرأون التاريخ بسطحية يعجبون بفعل الخليفة والسلطان حين يفيض بالعطايا على من يسمونهم أدباء وشعراء باعتباره يقدس الأدب والعلم ويرفع من شأن العلماء والأدباء والشعراء ولم يتطوع أحدهم ليسأل: بأي حق يتصرف هذا (الموظف) بالمال العام بهذا الشكل؟ ومن منحه الإذن لتكون ميزانية الأمة تحت تصرفه دون حسيب أو رقيب؟ ومنذ متى كان منح المال للمداحين المتلونين شكلًا من أشكال دعم الأدب والفن والعلم؟

الأدهى والأمر من هذا الإسراف والتبذير أن طريقة الخلفاء والأمراء في إغداق الأموال العامة على أهل الأدب والفن والشعر قد حولت نسبة ليست بالقليلة من هؤلاء الأدباء والشعراء إلى مرتزقة يأكلون بشعرهم ويرتزقون بفصاحتهم وتحولوا لمجرد منافقين ومتملقين ليس لهم شغل إلا مدح الخليفة فلان والأمير علان، سواء كان هذا الوالي أو الخليفة يستحق أم لا. في العصر الحديث تعيد هذه الظاهرة تكرار نفسها على شكل صحافيين وكتاب مقالات وأعمدة ومدونات مهمتهم الأولى (التصفيق) أو (التبرير) لكل من يجلس على كرسي المسؤولية طمعًا بأعطية أو منصب أو حظوة عند أصحاب المعالي. الأمر يبدو أنه (جيني) لدى هؤلاء ويبدو أنهم يسيرون بإخلاص على خطى من سبقوهم من الذين مارسوا هذه (الشحاذة).

بالنسبة لهؤلاء المادحين في مختلف العصور فإن النفاق والتملق أسلوب حياة وليس مهمًا ما يقال عنهم بين الناس ما دامت (صرر) المال تتطاير عليهم، وما دامت القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تتفجر من بين أيدي هؤلاء الحكام والخلفاء! إن كانت القاعدة الأدبية تقول أن أعذب الشعر أكذبه! فإن هؤلاء المرتزقة يرون أن (أنفع) الشعر أكذبه لأنه الوسيلة الأسرع لجلب الدراهم والدنانير، وهي وسيلة أنتجت مجموعة (متسولين) باسم الأدب يكسبون المال والهدايا والعطايا بفصاحتهم وبلاغتهم بدلًا عن الطرق التقليدية في التسول متناسين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب.

لا يمكن أن تجد في تراث أمم وشعوب الأرض مجتمعة كمية مدح توازي أو تداني التراث العربي والإسلامي وربما لن تجد أيضًا كمية فساد وهدر مالي كما في تاريخ حكامنا! يحفل تاريخنا بقصص كثيرة جدا عن نفاق الأدباء وتبذيرالخلفاء، يقال مثلًا أن الخليفة العباسي المهدي أعطى أحد الشعراء خمسمئة ألف درهم على قصيدة مدح! ويروى أن الخليفة المأمون منح أعرابيًا 30 ألف درهم على قصيدة! أما المعتصم فقد منح الفتح ابن وزيره الخاقان 100 ألف درهم لأنه أعجب برده على سؤاله: أي الدارين أحسن: داري أم دار أبيك؟ فقال الفتح وكان ابن سبع سنوات وقتها: أي الدارين كنت فيها فهي أحسن!

تراثنا الأدبي يفيض بهذا النمط الأدبي عند الأدباء والشعراء والنمط التبذيري عند الحكام والخلفاء، ولو قررنا أن نوثق قصص هذا التبذير والإسراف والتغول على أموال الدولة لربما احتجنا عشرات المجلدات أو يزيد!

تخيل ماذا سيحدث لو أن الرئيس الفرنسي أو البريطاني أو الأمريكي أو أي رئيس غربي أعطى كاتبا مدحه بمقال ألف دولار من أموال الشعب وموازنة الدولة كعرفان وتقدير لهذا الكاتب! سيسقط الرئيس والحكومة وربما تسقط الدولة كلها!

حين ترى أمراء وملوك وسلاطين العصر الحالي وهم يبدعون في تبديد الثروات وإهدار المقدرات فلا تستغرب من ذلك لأنه يبدو أن نفس (الكتالوج) منذ قرون يأتي مع كل وال وسلطان وملك وأمير وخليفة ومسؤول، هذا الكتالوج يمنح هؤلاء السلطة المطلقة وشيكًا مفتوحًا يمكنهم من التفنن في إهدار المال العام تبعًا لأهوائهم ونزواتهم وحالتهم النفسية.

المادحون والمهللون لمثل هكذا تصرفات لديهم أيضا نفس الكاتالوج، فهم عبر التاريخ يرون في فعل الخلفاء هذا أمرًا محمودًا يدل على أدب الحاكم وعلمه وحبه للأدباء والعلماء لذلك صار الفساد المالي مبررا ومستساغا في تراثنا وصار إسراف الخلفاء والأمراء أمرًا مقبولًا، بل مطلوبًا وممدوحًا أيضا حتى ترسخ في العقل الجمعي للأمة أن البذخ والإسراف والإهدار والفساد جزء طبيعي من بهرجة الحكم ومتطلباته الإجبارية ولا يستدعي هذا الأمر أي نقد أو اعتراض أو مجرد علامة سؤال!

ربما نحن المكان الوحيد في هذا العالم والتي تشيع فيها استخدام كلمة (مكرمة) دون غيرنا من الأمم والشعوب لأن الحاكم يعتبر مال الدولة والناس ماله الخاص وحين يقرر أن يكرم عليهم فإنه يؤمن إيمانًا راسخا أنه يتصدق عليهم من ماله ويؤمن الناس أيضًا أن الحاكم يجب أن يمدح ويشكر لأنه تبرع بجزء من مالهم لهم!

رحم الله عمر بن عبد العزيز الذي سأل منذ يومه الأول في ولاية أمر المسلمين عن رواتب ومخصصات وامتيازات تصرف لأفراد بني أمية (عشيرته وأهله) فقالوا له إنها سنة من قبله من الخلفاء فأمر بوقفها فورا وربما تساءل: بأي حق يأخذ هؤلاء راتبًا شهريًا من بيت مال المسلمين؟ كانت هذه أول خطوة في الإصلاح الاقتصادي الحقيقي، لذلك لا نستغرب حين نعرف أنه في خلال سنتين فقط من ولاية ابن عبد العزيز لم يجدوا أحدًا من الرعية يأخذ الزكاة.

لدينا مشكلة كبيرة في قراءة التاريخ والحاضر بحيث لا نستطيع التمييز بين الفساد المالي وبين الإنفاق المحسوب والمحاسب عليه، وأكاد أجزم أن زعامات اليوم قرأت عن مدح المؤرخين لإسراف كثير من الحكام فظنوا أن هذا الفساد أمر طبيعي فمشوا على نفس النهج! 


بقلم : السيد اسماعيل 



   نشر في 06 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا