جذور الأستبداد فى مصر , لمحة تاريخية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جذور الأستبداد فى مصر , لمحة تاريخية

  نشر في 18 أكتوبر 2015 .


أن اردنا وضع تعريف بسيط للاستبداد يمكننا القول بأنه عدم توازن القوى فى المجتمع فتتركز القوة والسلطة فى يد فئة صغيرة من المجتمع منفصلة عنه تعمل لمصالحها وليست نائبة عنة تهين أرادتها على سائر الفئات.

وأن حاولنا الاجابة على السؤال الصعب لماذا بقيت مصر للأستبداد دولة ولم تتحول رغم طول كفاح أبنائها الى الديمقراطية لابد أن ننظر للخلف قليلاً.

وعندما نظرت وجدت ثلاثة عوامل ربما يكون لها الاثر الاكبر فى تأصل جذور الاستبداد فى مصر

أ- الخلل الطبقى

بعدما ضم السلطان سليم الاول مصر الى الامبراطورية العثمانية أتخذ ترتيبات ادارتها فى الشهور القليلة التى قضاها بها فاعلن جميع اراضى مصر ارضاً للسلطان ونزع ملكية جميع الملاك الزراعيين صغيرهم و كبيرهم وابقاهم عليها كعمال للسلطان مقابل دفع الضرائب التى يتولى دفعها الملتزمون الذين كان اغلبهم من المماليك الذين استبقاهم السلطان للافادة من خبرتهم ومعرفتهم ولان تولية الاتراك مهام الادارة فى مصر على كثرتها وتشعبها فكرة غير عملية فتشارك الاتراك والمماليك حكم مصر القرون الخامسة التالية.

فلم تكن هناك من طبقة برجوازية بل فقط سلطة أجنبية عن الارض يصفها ستانلى لى بول بقطيع من الذئاب الاجنبية تتحكم فى ملايين الاغنام وهم فى امان كامل و محكومين تحت نيرهم يصفهم الجبرتى بأنهم اذل من العبد المشترى فربما كان العبد يهرب من سيدة اذا كلفة فوق طاقتة او اهانة او ضربة اما الفلاح فلا يمكنه ولا يسهل علية ان يترك وطنة و اولادة وعياله ويهرب واذا هرب الى بلدة اخرى وعلم استاذة مكانة احضرة قهراً و ازداد ذلاً واهانة.

وجاء محمد على ليكرر فعلة السلطان سليم فيضم كل الاراضى الى حوزتة حتى اراضى الاوقاف ويزيد فيحتكر الصناعة والتجارة وفى اواخر عهدة بدئت طلائع طبقة برجوازية تتكون من ظباطة الذين انعم عليهم بأبعديات و كبار موظفية من اولاد البلد والاتراك والشراكسة الذين تمصروا بمرور الزمن ومشايخ العربان الذين وهب لهم مساحات من الاراضى نظيراً لتقديمهم الخدمات المعاونة لجيشة.

ثم أتى سعيد الذى أحدث فى سنوات حكمة التسع أنقلاباً كبيراً فى التراتبية الطبقية حيث أنة أعتبر نفسة مصرياً فساعد المصريين على كسر أحتكار الاتراك والشركسة للمناصب الكبرى فى الادارة والجيش وسمح للمصريين بتملك الاراضى الزراعية و توارثها فتكونت طبقة الاعيان من المصريين الاصلاء و المتمصرين.

ولكن هذا التحول توقف فى عهد اسماعيل الذى لم يكن كسلفة وإدى تسلط الظباط الشراكسة و الاتراك وأضطهادهم نظرائهم المصريين الى روح التمرد التى سرت فى نفوس الظباط المصريين خاصة بعد هزيمة الجيش المصرى فى حرب الحبشة التى قادهم فيها بالاضافة للظباط الاتراك والشراكسة مرتزقة أنجليز و أميركين أستعان بهم أسماعيل لسد العجز فى المناصب القيادية دون أن يرقى المصريين و دفعت أزمة الديون التى أوقع أسماعيل مصر بها الطبقة البرجوزاية الناشئة الى التحرك و المطالبة بالمشاركة فى حكم البلاد و تسيير امورها على اسس دستورية نادى بها المستنيرون من ابناء الوطن وقاد حراك البرجوزاية شريف باشا ابو الدستور المصرى الذى كان يعبر عنهم فى ارتيابة من الحراك العسكرى و اشترط على العرابيين الولاء له واخراج القوات العسكرية من القاهرة وقد اطاعوة وقاد الحركة الوطنية كلها الى ان اضطر تحت التهديدات الاوربية الى الاستقالة عندما وجد نفسة يمثل أقلية ترى الانحناء للعاصفة وتجنب الدخول فى صدام مع القوى الاوربية بأى ثمن.

وظل الريبة مسيطرة على تحالف البرجوزاية مع العسكريين حتى وقع صدام فى اجتماع رفع فية بعض العسكريين سيوفهم مهددين الاعيان والنواب الذين خالفوهم الرأى فى خلع الخديوى فوجدوا انفسهم يشاركون فى استبدل أستبداد الخديوى بأستبداد عسكرى فأنسحب جانب منهم من المشاركة فى الشأن العام و سقط أخرون فى وحل الخيانة و عاونوا الانجليز على احتلال مصر.

وظلت الطبقة الحاكمة فى مصر حتى قيام ثورة 19 أجنبية عن شعبها حتى ان نوبار باشا التركى ذو الاصول الارمينية الذى تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات لم يكن يحسن العربية و لم يحصل على الجنسية المصرية قط بل حصل على البروسية.

وبعد السنوات الاولى للاحتلال بدئت الحياة الحزبية بأنشاء الحزب الوطنى وحزب الامة و كلاهما كان يعبر عن الطبقة البرجوزاية المكونة من كبار ملاك الاراضى فى المقام الاول.

وكذلك الوفد الذى كانت نشأتة عن طريق التوكيلات الشعبية وأن كان مثل الامه كلها فى تطلعها للاستقلال ألا ان تكوينة كحزب سياسي كان يعتمد على كبار الملاك أعضاء و داعمين حتى انه فى أزمة عام 1941 طلب النحاس من الملك فاروق أن يحل البرلمان باعتبارة يمثل الاقلية فكان رد عبد العزيز فهمى باشا قطب الأحرار الدستوريين بأن البرلمان القائم يمثل البلد كغيرة وأنة يضم الاعيان والمثقفين المساويين تماماً فى الكفأة والمؤهلات لهؤلاء الذين خسروا فى الانتخابات وأن اغلبيتهم أقارب او زملاء للخاسرون.

وأتهمت الصحف الوفدية عبد العزيز باشا بالفاشية و التنكر للديمقراطية ولكن مقصدة كان إيضاح حقيقة أن كلا الحزبين ممثلين لطبقة واحدة.

وربما يوضح أكثر ان قانون الانتخاب 1923 قد أشترط لعضوية مجلس الشيوخ ان لا يقل دخل النائب السنوى عن الف وخمسمئة جنية ( فى عام 23) بالاضافة الى ذلك أشترط دفع مبالغ مالية كبيرة فى حالة الترشح تضمن بالاضافة الى تكلفة المعركة الانتخابية المرتفعة ان لا يترشح الا السراة و قد لاحظ باير فى دراستة أن الثلاثين عائلة زراعية الأكبر يمثلها كل منها عضو او اكثر فى أحد مجلسى البرلمان وبعد 52 نص دستور 1964 على لزوم ان يكون المرشح لمجلس الامة عضوا فى الاتحاد الاشتراكى (كانت العضوية لازمة لعضوية المجالس المحلية والتشكيلات النقابية و مناصب العمد و المشايخ ) وفى 1976 أنشأ السادات الحزب الوطنى وتولى رئاستة بعدما سمح بنشأة الاحزاب والباقى تعرفة :) فلم تكن دولة رجال الاعمال فى أواخر عصر مبارك أستثنائاً من قاعدة أحتكار الطبقة أو بالاحرى الشريحة العليا ( سواء كان الاستعلاء بالثروة أو بقوة السلاح أو كلايهما) فى المجتمع لمقدراتة.

ب-المركزية

عادة ما يشير سكان الاقاليم للقاهرة بأسم مصر ولديهم كل الحق

هل المركزية الشديدة اثر من أثار الاستبداد ام سبباً له ؟ ربما الاثنين معا

لا أستبداد بدون مركزية شديدة سواء من ناحية الاختصاص النوعى فتختلط السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية و القضائية وتفقد المؤسسات معنى مسماها فلا تكون مؤسسات منتظمة حرفية الاداء وانما مجرد اذرع للسلطة أو من ناحية الاختصاص المحلى الذى ينصب على تقسيم السلطة التنفيذية على الأقاليم والذى كانت بدايتة الحقيقة مع دستور 1923 الذى نص على تكوين مجالس محلية منتخبة ولكن مع الصراع السياسي المستمر مع الملك و الاحتلال وتعطيل الدستور و الخروقات المستمرة له و سيطرة كبار الملاك على المناصب الانتخابية لم يحدث هذا كبير فارق حتى الغى الدستور 1952 وفى أواخر السبعينات صدر قانون المجالس المحلية الذى أعطاها الاختصاص الاصيل فى أنشاء وأدارة جميع المرافق العامة الواقعة فى دائرتها ولكن سيطرة الحزب الواحد أفقدت النصوص معناها أما المناصب التنفيذية الكبرى فقد أنتقلت منذ 52 من فئة الغنائم الحزبية الى أحتكار اهل الثقة فمنصب المحافظ الذى يعين من خلال رئيس الجمهورية شغلة متوسط 81 % من العسكريين السابقين ( شرطة و جيش ) و كذالك منصب سكرتير عام المحافظة 88 % من شاغلية عسكريين سابقين والنسبة فى رؤساء المدن والمراكذ فتتراوح بين 70%: 80% منذ عام 52 الى 2010 ولما كان التعيين الذى يأتى من أعلى هو مصدر المناصب و الاختيار شبة محصور فيمن لديهم القدرة الاكبر على أطاعة الأوامر و غياب الانتخاب كانت التنمية عرضاً جانبياً عشوائية و متقطعة وغير مرتبطة بمصالح السكان.

فظلت الأقاليم تابعة للمركز أو بالاحرى من يسيطر على المركز فمن يملك القاهرة يملك مصر هكذا عرف نابليون الذى دخل العاصمة بلا مقاومة بعد هزيمة المماليك فى معركة أمبابة بعد أن دافعوا عن عاصمة ملكهم 45 دقيقة كاملين :) و بعدة جنرال لو الذى أحتل القاهرة بالف جندى أنجليزى فقط بينما عشرات الالاف من قوات الجيش المصرى موزعة فى الاقاليم و السودان فى أنتظار الاوامر التى لم تصل ابداً .

فالتركز السياسي و الثقافى و الرأسمالي و الادارى والاعلامى إدى لأن يكون الصراع على السلطة فى مصر على موطىء قدم يصعب زحزحة من يقف علية والى تسيس المؤسسات العامة وتحويلها الى إدوات سهلة الاستخدام لمن يقف على تلك النقطة التى تتكدس فيها كل السلطات.

ج- التباس الهوية الثقافية

أجنبية الطبقة الحاكمة فى مصر علامة مميزة فى تاريخها اللاحق على عصر الفراعنة كلة ولكن فى العصور الوسطى والحديثة كان مظلة الاسلام التى ضمت تحتها الحكام من المماليك و الاتراك و المحكومين تمثل وحدة ثقافية لكليهما تسد ولكن فى عهود خلفاء محمد على و خاصة أسماعيل ومع ازدياد عدد الاوربيين فى مصر و توليهم المناصب القيادية فى الجيش و الادارة المدنية و الحكومة بدئت شريحة من المجتمع بالتأثر بهم و محاكاة نمط حياتهم خاصة مع سعى أسماعيل المضنى فى تحويل مصر لدولة أوربية الثقافة و الهوى ثم كان الاحتلال الانجليزى الذى إدى اثرة الاستعمارى الى تغرب شرائح كبرى وأنفصالهم الثقافى عن سائر مجتمعهم الريفى الذى ظل كما هو بينما الطبقة العليا تحرص على متابعة الموضة الاوربية وتقضى سهراتها فى الاوبرا ثم الكباريهات لاحقاً وأبناء البرجوزاية من صغار الموظفين و التجار و الملاك يلهثون ورائهم ومع السيطرة الغربية على التعليم ظهر الصدام بين ثقافتين غربية و أخرى عربية أسلامية يتنازعان ناصية الوطن فى صراع غير منتج فالتنوع الثقافى لا يكون أيجابياً الا أن حصر فى بوتقة إرادة العيش المشترك التى تجعل من جماعة بشرية وجدت على ارض ما شعباً و وطن ولكن التوافق بين الثقافيتين لم يحدث ابداً فقط خفت صوت الصراع فى مواقف حاسمة معدودة ثورة 19 , العدوان الثلاثى , أكتوبر , 25 يناير ثم طفا للسطح بعدها مباشرة وبعنف يعوض ما حبس فى الصدور وقت الازمة .

ولما كانت الهوة بين أصحاب الثقافتين واسعة و يجد حملة الالوية فى المعسكرين ذواتهم فى محاولة القضاء على الاخر و محوة فى صراعهم على السطوة الاجتماعية كان كلاهما أداة للاستبداد فيضرب هذا بذاك ثم يندار ويضرب ذاك بهذا حتى صار الامر للناظر مملاً من كثرة تعاقبة ..

هل الاستبداد فى مصر "أصيل " نعم بالتأكيد لكنة ليس قدراً مقدوراً كل ما فى الامر أن العشرة لا تهون بسهولة والخلاص من الاصلاء يستلزم طوال جهد و توافر عزائم و عقول مستنيرة و الكثير من الصبر.


  • 1

  • أحمد فتحى سليمان
    كاتب و باحث فى مجالات القانون و الثقافة الاسلامية و العلوم السياسية
   نشر في 18 أكتوبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا