مأسسة الدين والدين المدني | كريم أبو الروس . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مأسسة الدين والدين المدني | كريم أبو الروس .

عناوين تحت المقصلة

  نشر في 23 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 29 يونيو 2017 .

بعد موجة التحولات التي عصفت بالمجتمعات العربية، صعدت أصوات تنادي بحوار إجتماعي من أجل رسم معالمٍ جديدة لبيئة الدين وبيئة الدولة، وماهية العلاقة بينهما، كما إتجه الجميع إلى تعريف المفاهيم مرة آخرى وبصيغة جديدة بعيداً عن حالة التشتت في عمل الدين كشيء منفصل أو ملتصق بعمل الدولة .

وهنا لا بد من طرح مفهومين يعيش الأول في نقيض بيئة الآخر، وهما الدين المدني والمؤسسات الدينية، أي بمعىى أنه كلما كان هنالك مؤسسات دينية لا يمكننا طرح مفهوم الدين المدني والذي جاء به جان جاك روسو في المجلد الرابع من كتابه " العقد الإجتماعي "، ومن ثم إن كان هنالك دين مدني فلا حاجة لوجود المؤسسة الدينية والتي من شأنها أن تحتكر الفهم لنصوص الدين الذي من المفترض أن يكون مفتوحاً لمن يمتلك أهلية التفسير ومحاكاة حاجة الواقع للنص، فإعتناق الدين لا يعني إعتناق نصوصها الثابتة، بل هي عملية موائمة بين النص الثابت وبين الفهم لهذا النص ومن ثم خلق معرفة دينية قابلة للتطور .

وتكاد تكون حالة الجدل بين الجماعات التي تطالب بدولة دينية مشابهة تماماً لدولة الخلافة الإسلامية ـ سابقاً ـ وبين الجماعات التي ترى أن الدين بنصوصه الثابتة يمكن له أن يتماشى مع التغير الإجتماعي وتطور السلوك الإنساني، لذلك ترى الجماعة الأولى أن فهمهم لأن الدين صالح لكل مكان وزمان، هو أنه يمكن وضعه كقالب صلب على أي عصر كان، وترى الجماعة الآخرى أنه لا يمكن للدين أن يكون قالباً صلباً بل يرون أن الدين صالح لكل زمان ومكان ـ كموجود ـ وأن عملية التفسيرات المتطورة للدين والفهم المتجدد هي التي تجعل من الدين ثابتاً .

وفي الحقيقة مأسسة الدين أخطر ما يعاني منه المسلمون العرب في الوقت الحاضر، فالتأييد أو الرفض الجماعي لقضية ما بالضرورة ستؤدي إلى تجريد الناس من كرامتهم الإنسانية وتحل بدلاً منها التبعية المتطرفة اللاوعية النابعة من تفسير فقهي جمعي لنص ثابت كان بالإمكان جعله مرناً وفق منهج الإجتهاد الديني، أو بالفردانية في إختيار التفسيرات أو المناهج الدينية، فمأسسة الدين أو تفرد المؤسسات الدينية في إحتكار فهم النص سيجعل حتماً من الدين جمعية تعاونية، يرأسها فئة من العلماء وطلبة الشريعة ويحددون وفق فهمهم المنفرد التشريعات الإجتماعية الملاصقة للدين، وإستصدار فتاوي تكاد تكون في أغلبها جبرية .

لذلك إن المجتمعات العربية بتناقض القوانين التي تحكمها والتي لم تحدد ماهية الدولة بشكلها الصريح لإعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية، ولكن إنه ليس من المفترض أن تكون المؤسسات الدينية عامل من عوامل رسم سياسات دولة ما كون القانون ينبثق أصلاً عن الهوية الثقافية والتاريخية والدينية للمجتمع .

وبالتالي سمحت الأنظمة العربية للمؤسسات الدينية أن تشغل دور ليس دورها بل وأدت إلى خلق فجوى بين فهم المجتمعات للدين، ودرجة تاثير الدين في حياتها، وموقعه من منظومتها القيمية وبنياتها العلائقية والمادية، أي بمعنى أنه انعكاس لعوامل غير دينية في الأساس ومن هذه الزاوية فان ما يوصف بالتعصب الديني في مكان او التسامح في مكان اخر، وما يعتبر التزاما شديدا بالدين هنا او تساهلا هناك، لا يرجع في حقيقة الامر الى الدين نفسه، بل الى العوامل التي تسهم في صنع التجربة الاجتماعية في كل مجتمع، سواء التجربة التاريخية ، او مصادر المعيشة ، او مستوى الثقافة والتقنية، او درجة التفاعل مع المجتمعات الاخرى المختلفة في تجربتها ونظام حياتها .

وإن عملية الفصل بين الدين والدولة لا يمكن لها أن تحصل عملياً في المجتمعات العربية، ووجود المؤسسات الدينية أيضاً لا يعطي إنطباعاً ـ عملياً ـ أنه لا يوجد فصل بين الدين والدولة، بل هو أعطى الدين عملاً لا يحل له وأعطى الدولة هوية ليست هويتها في الأساس، ويمكن القول أنه بصراحة أن الدين المدني الذي خرج به جان جاك روسو لا يعطي تصنيف للدولة، بل تحدث روسو عن علاقة الدين بالسلطة السياسية، فقد قدم تصوراُ سوسيولوجيا لدور الدين في حياة الناس وتاثيره على علاقاتهم، يدور في الاساس حول الفصل بين المثاليات الدينية المجردة والتطبيقات العملية التي يتداخل فيها المثالي بالواقعي .

ومن هنا يمكن القول أنه لا يجب أن تتدخل الدولة في تأثير الدين على حياة الناس في المجتمع، وفي الجانب الآخر لا يجب للدين أن يشغل عملاً مؤسساتياً من خلاله يُحتكر النص وفهمه . 



  • كريم أبو الروس
    كريم أبو الروس من قطاع غزة كاتب وناشط مجتمعي وحقوقي، طالب علوم سياسية في جامعة الأزهر .
   نشر في 23 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 29 يونيو 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا