صَبي المَعلم كامل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صَبي المَعلم كامل

  نشر في 06 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 شتنبر 2017 .




تعالا دمياط واحد .. دمياط واحد .. واحد دمياط يا باشا؟؟ اركب ... يللا يا اسطا اتكل عربيتك تمام.

واحد !!! باشا!!! هناك من يقول لي "باشا" !!! والأعجب أن هناك من يحسبني أصلًا إنسانًا أو كما قال " واحد " ... لقد نسيت هذا منذ زمن ؛ ما أعظمك يا الله يا جابر المنكسرين سخّرت لي من يقول لي ( باشا ) بين الحين والأخر في ذلك الموقَف حتي لا ينقطع خيط الأمل الضعيف في نفسي بأنّي ما زالت لديّ كرامة.. أنا.. عمّار أو ( ابن الكلب ).


...............................................................................................................


كانت الساعة الثانية صباحًا حين انطلقت السيارة الأجرة من موقف الأقاليم بمحافظة كفر الشيخ في طريقها إلي دمياط؛ وكان عمار جالسًا في المقعد الأمامي يستعد للنوم  إلي جانب السائق الذي أمسك بجهاز التحكم ( الريموت ) الخاص بمذياع السيارة وضغط عدة أزرار  لتشغيل بعض الأغاني التي تساعده علي البقاء مستيقظًا طوال ذلك الطريق.

"    يا بوى.. ع الليل وآخرة لما بتصحي جروحي ؛ حِمل.. وما جادرش أتَاخرُه..عنى.. وع تِوجّ روحى؛ زحام أوهام ماليني بدعي اللهم ليني .. يا همومي وهملّيني وبدال ما تاجي روحي"

أمال عمار برأسه إلي الخلف مستندًا إلي ظهر المقعد وهو يقول لنفسه ساخرًا ؛ يبدو أنه ليس هناك نوم الليلة؛ تبًا لك يا عليّ يا حجّار  أيقظت جروحي بكلماتك تلك علي أخر الليل.

تعطل المذياع فجأة فانقطع صوت الأغنية ولكن لم يلبث السائق إلا أن أصدر صوتًا أخر من عمق أعماق جيوبه الأنفية معبرًا عن امتعاضه لتعطل الجهاز مرة أخري بعد أن صرف خمسين جنيها علي إصلاحه  منذ أقل من خمسة أيام ؛ مع بعض السباب الفاحش والبذيء والوعيد لفنيّ التصليح وعائلته عندما يعود لكفر الشيخ.

سكن المذياع .. سكن أنف السائق .. وسكن الجميع استجابةً لهيبة سكون الليل التي تفرض سطوتها علي كل شيء ؛ ما عدا تلك الذكريات _ في رأس صاحبنا _  التي تتمرد دائما وتضربُ بتلك السطوة عرض الحائط.

...............................................................

" أنا نجحت يابا وطلعت الأول وخدت الابتدائية؛ أنا نجحت ياما"

لم تتغير ملامحهم كثيرا بعد ما قلت؛ بل لم تتغير علي الإطلاق؛ مبروك يا عمار .. قالها أبي بلا مبالاة؛ تعالَ يا عمار أريد أن أتحدث معك في موضوع؛ خير يابا؟؟.

لقد كبرت يا عمار وأن الأوان أن تعتمد علي نفسك وتعرف كيف يأتي القرش ؛ فأنا لن أعيش لك طوال حياتي ؛ لا بد من أن تتعلم صنعة تستطيع أن تعمل بها وتكون قادرًا علي الإنفاق علي بيتك وأولادك. ؛ أولادي!!!!!! حسنا يا والدي معك حق في ذلك لقد كبرت؛ من الغد سأذهب للعمل مع حسن ابن عمي في دمياط لأتعلم صنعة حتي تنتهي الأجازة وأعود لدراستي.

دراسة؟؟!! قالها والدي مقطبًا حاجبيه ؛ ومن قال أنك ستعود للدراسة ؛ لقد حصلت علي الابتدائية وهذا يكفي كي تقرأ وتكتب؛ ماذا فعل المتعلمون بعلمهم؟؛ إنك قِرشك فقط هو من سيضمن لك مستقبلك؛ لابد أن تعمل وتتكسب حتي أستطيع بناء شقة لك وتتزوج مبكرًا انظر إلي أبناء أعمامك فكل واحد منهم يمتلك بيتًا ملكه وحده لا يستطيع المتعلمون امتلاك غرفة واحدة منه بشهاداتهم؛   ستذهب إلي دمياط مع  حسن غدا وتتعلم صنعة ولا أريد أن أسمع منك شيئا يخص الدراسة مرة أخري؛ أنا أدري منك بمصلحتك؛ لكن يا والدي!!!


اخرس يا ابن الكلب.

......................................................................................................

" ليلاتي في الميعاد ده ينعاد عمري اللي عدّي ويجي الماضي اللي عاد ده .. عالحاضر يستعدّي ..والحزن في جلب ناخره .. والريح ناح فوج سطوحي"    ........   أصدرها المذياع فجأة ثم صمت ثانيةً.


" ادخل يا عمار سّلم علي المَعلّم كامل اللي هتشتغل عنده "  قالها حسن ابن عمي في حزم.

تقدمتُ نحو المعلّم كامل؛ رجل أربعيني العمر أكرت الشعر جهوري الصوت أسنانه مثيرة للاشمئزاز لا تفارق السيجارة يده؛ مددت يدي في خوف لأسلم عليه فمد يده... لكن مدّها علي خدّي الأيسر بقوة ؛ لماذا؟؟!!! هل هذه تقاليد السلام في دمياط؟!!؛ لم يمهلني كامل الكثير للتفكير في الإجابة فقاطعني بصوته الأجش ( ما لك خايف كده ليه ما تسترجل ياااالا ؛ حاكمن أنيِ في  الشغل معايا بحب العيّل الحِرك ) قالها بلكنة كانت  غريبة  علي أذنيّ بعض الشىء  لكني الأن أستطيع تحدثها بطلاقة؛ "إن ضرب المعلم لك علامة علي أنه أحبك؛ هيا ادخل الورشة واسمع الكلام وسأتي إليك في المساء لنذهب إلي السكن"  قالها حسن ثم انصرف.

" اسمك ايه يااالا؟؟ " سألني رجل خمسيني قصير قمىء؛ عمار .. اسمي عمار ؛ " منين يالا؟" سأل رجل أخر خمسيني أيضا لكنه كان أخضر العينين نظيف الثياب ولهجته أقل حِدة من ذلك القصير؛ من كفر الشيخ - الحامول ؛ " ملعونة دي  بلد هي   والأشكال اللي تيجي منها " قالها القمىء ثم أتبعها ب ( ايه مش عاجبك يا ابن ال..... ) ؟!! ؛ نعم إنها أُمّي التي تم سبّها للتو من دون أن ترتكب إثمًا؛ لكني كنت أملك من الذكاء ما يجعلني أتغاضي عن ذلك ولا أرد ؛ فلطمة المعلم كامل لم يُمحَ أثرها من علي وجهي ولا نفسي بعد..

"تعالا يالا هاتلنا فطار " ؛ لا أعلم لماذا ينادونني ب ( يالا ) حتي الأن؟؟!! إذن فلِمَ سألوني عن اسمي في البداية؟؟!! ؛ ذهبت إلي المطعم لأُحضر الافطار واشتريت لنفسي أيضا؛ رجعت إلي الورشة وبعد أن تلقيت بعض السباب بسبب تأخيري جلست مثلهم لأتناول طعامي ولكن ها تلك  سبّة أُخري من أحدهم ؛ كيف لوغد مثلي أن يتجرأ ويأكل قبل أن يُحضر الشاي لأسياده؟؟!! ذهبت للمقهي وأحضرت الشاي؛ أظن أن الأن من حقي أن أتناول إفطاري؟!!؛ نعم بكل تأكيد  ولكن للأسف يا عزيزي فإن أحمد مشمش ذلك البغل العشريني لم يكتفِ برغيفين فاستحلّ رغيفك الصغير وأكله دون أن يعوضك عنه وذلك هو القانون هُنا؛ إن مشمش ( صنايعي ) يتعب ويشقي طوال اليوم لا بد  أن يتغذي جيدًا؛ ولكن أنت صبيّ تذهب لقضاء المشاوير أو تجلس دون عمل ؛ من الأفضل أن تكسبه في صفك وإلا فإن كنت رجلًا بحق تجرأ واطلب تعويضًا عن طعامك؛ سيدفعه لك ولكن تحمل ما سيذيقه لك من ويلات ومشقة طوال فترة عملك هنا دون أن يحاسبه أحد ودون أن يهتم لأمرك أحد يا ابن الكلب ... هاهاها لقبي الجديد.

.......................................................................................

" بادعي الله تعالي .. يطفي شوجي وحنيني.. يا فَجر يا جاي تعالا.. شيل حِمل تَجيل حانيني.. لا يضيع كنزي اللي داخره .. ونوحي يا روحي نوحي.. ويا عيني عالليل وأخره لما بتصحي جروحي"  ... تبًا لهذا المذياع ؛ بدأت أشعر بالتعاطف مع السائق.


" اطلع  شوف مرات المعلم عايزاك ليه وما تتأخرش يا ابن الكلب " قالها مشمش.

تعالَ يا عمار خذ تِلك المقشّة ونظف حظيرة الدجاج ؛ إنها صغيرة لن تتعبك ولن تأخذ وقتًا وبعد أن تنظفها اجمع القمامة واذهب وألقِها بعيدًا ثم تعالَ لتقضِ لي بعض المشاوير...؛ صباح الخير يا حبيبتي اذهبي وأحضري يوسف الصغير ليشاهد عمار وهو ينظف الحظيرة ويضحك عليه؛ كانت تتحدث إلي ابنتها مريم التي كانت في نفس سنّي تقريبًا ؛ كم أرسلتني لأُحضرَ لها أوراقًا من صديقاتها اللاتي في نفس سني أيضًا؛ كم حملّتني حقيبة ظهرها الخاصة بالدراسة والتي لا تخلُ إلا من كتاب واحد علي الأكثر  وأمشتني وراءها لأوصلها إلي الدرس فقط لإشباع رغبةٍ سادية للظهور أمام صديقاتها بأنها تملك عبدًا لا يري لا يسمع لا يتكلم.. ابن كلب.

أما محمود ويوسف الصغيران فكانا أكثرَ طيبةً ولطافة فقد اكتفي محمود ذو الثلاث سنوات بمناداتي بابن الكلب وسط ضحكات أمه وأحضانها؛ ويوسف ذو السنة الواحدة الذي اكتفي فقط بالبصق علي وجهي من مِسكِ فمه كما قالت أمه ( علي الأقل حتي الأن ) فأتوقع أنه سينطق لفظ ( ابن الكلب ) قبل أن ينطق ( بابا ) و ( ماما ).


انتهينا إذًا من تنظيفِ الحظيرة وتلبيةِ طلباتِ الأميرةِ المدللةِ  الصغيرةِ؛ جدع يا عمار والأن اذهب إلي بيت أختي وبعدها إلي بيت أمي  فأحضر لهن ما يريدن؛ ويا حبذا لو ذهبت سريعًا لقبر أبي تسأله إذا كان يريد شيئا (لم تقُلها لكن ما كنت أستبعد أبدًا أن تقولها )؛ ولا مانع من تقديم بعض الخدمات الأخري إلي جانب ذلك؛ فيمكن أن أنقل ما قالته أختها لجارتها عن جارتها الثانية؛ أو مع من يتحدث زوجها في الهاتف وماذا يقول؛ في مقابل بعض المزايا الخاصة مثل نصف ساعة زيادة لي في وقت الغذاء مثلا ؛ أو أن تعطيني أمر الانصراف ساعة مبكرًا ؛ أو تتستر عليّ حين أقوم بفتح الورشة متأخرًا... ولا أخفيكم سرًا كنت أحب ذلك فهم أوغاد يتجسسون علي أوغاد ... أما أنا فابن كلب.

.....................................................................................

مرت السنوات ... جنيت من المال الكثير  ؛ مات أبي وهو راضٍ عني وأنا غير راضٍ عنه؛ بنيتُ المنزل الذي حلِم به علي أنقاض منزلي الذي أردته في خيالي؛ تزوجت من المرأة التي يريدها بعد تطليق كل فتيات أحلامي؛ ارتحت وأنا صغير _ سنًا _ كما أرادني ولكن روحي تجاوزت المائة قرن منذ زمن .

للمال طعمٌ حلوٌ  _ خاصةً حين تمتلكه في سن صغير_ كما قال أبي ؛وهذا حقيقة؛ ولكني أبي   في المقابل باع كرامتي وطفولتي وبرائتي وأخلاقي ؛ رأيت ما لا يجوز لمن في سنّي أن يراه ؛ سمعت التباهي بين الرجال الكبار بما  يدور في العلاقات الخاصة مع زوجاتهم دون أي تحفظ لوجود ابن الكلب ؛ تلفظتُ بكلماتٍ لو كانت تملك إرادَتها لامتنعت عن الخروج من فمي؛ شُوهتّ روحي ونفسي للأبد ؛ وكانت حُجتَهم  الدائمة لتبرير كل تلك القذارة ( لابد أن تتحمل ذلك كي تتعلم؛ كلنا كنّا هكذا )؛ الضرب .. السب.. الإهانة .. انتهاك الكرامة هي مناهجنا في التعليم هُنا إجباريًا وتُضاف للمجموع .


أنا اليوم أملك ورشتي الخاصة؛ أصبحتُ المَعلم عمار ؛ لم يعد أحد بعدُ يُناديني بابن الكلب ........ ولكني سأظل في داخلي وحتي أموت  ابن الكلب الذي باع روحي... فهو الذي قالها حين أنهي النِقاش وحكمَ عليّ بذلك.


" نازل وأنا ماشي عالشوك برجليا ... وانت السبب يابا ياللي خليت بيا"

عاد المذياع مرة أخري مصدرًا تلك الكلمات؛ حينها  كانت  السيارة قد وصلت إلي دمياط؛ فنزل صاحبنا من السيارة مدندنًا " يا عيني يا وعدي عالمغرمين بعدي والطيبين فيها".

تمت بحمد الله. 

 




   


  • 1

   نشر في 06 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا