هل عاد دارناطينوس من بين الأموات ليسلب حضارتنا ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل عاد دارناطينوس من بين الأموات ليسلب حضارتنا ؟

هل أصبحت ظاهرة إحياء الشخصيات الميتة تاريخيا موضة تجارية جديدة ؟

  نشر في 01 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 13 يناير 2018 .

و أنا جالس بحي النجع القديم باسكندرية , أرتشف قهوتي الصباحية ككل يوم , حاملا جريدتي المفضلة التي أقرؤها على الدوام , حتى لفت انتباهي احدى المقالات المصغرة في أسفل الصفحة بعنوان " باحثون ايطاليون يتوصلون إلى أن المسيح سافر إلى الأمريكيتين " , نزعت نظارتي و مسحتها ثم أعدتها لأنظر و أدقق النظر مجددا في كلمة " المسيح " , فوجدت أن العنوان لا زال كما هو , لقد زعزتني نزعتي الدينية المسيحية , فكيف أصدق هذا العنوان الذي يعتبر مخالفا للناموس الذي كبرت عليه من المهد , و كل التاريخ الذي تعلمته من الكنيسة و من كل كتاب قرأته عن السيد المسيح الذي مات مصلوبا و قام بين الأموات في اليوم الثالث و عاد لملكوت الرب , دخلت مباشرة في صلب الموضوع لأكتشف التفاصيل , فوجدت أن هذا الاستنتاج تم التوصل إليه عن طريق إعادة إحيائهم لما يسمى بـ " معضلة دارناطينوس " , فعرفت مجريات المقال من غير أن أكمله حتى !

إن إحياء ما يسمى بـ " معضلة دارناطينوس " لهو بحد ذاته تخريف و إضاعة للمال و الوقت , فقد نوقشت قبل عقود في إيطاليا و تم تصنيفها ضمن مجال الميثولوجيا كون مصادرها لم تتجاوز بضع كتب طغى عليها الغبار و أكلتها الحشرات و لم تعد أصلا ذات قيمة تاريخية و علمية , إضافة إلى الكتاب المزعم تأليفه من طرف الرحالة الايطالي " ميشالانجيلو صوديريني " الذي كان بعنوان " قصة دارناطينوس الفيلسوف البربري " , الذي يزعم بعض المؤرخين الايطاليين انه ترجمة للكتاب الاصلي لهذا الفيلسوف البربري و الذي تمكن " ميشالانجلو " من العثور عليه في نهاية القرن السابع عشر في جنوب امريكا الشمالية , رغم أن موضوع " أسطورة دارناطينوس " قد تم إغلاقه بتصنيفه ضمن " الميثولوجيا " في بدايات التسعينات , إلا أن ما يعرف بـ " نادي سانتا لوس رومانا " أعاد فتح الجدل بخصوصه بطباعة نسخة جديدة من كتاب " قصة دارناطينوس " في عام 2004 و إعادة طبع نسخة ثانية مترجمة إلى العربية من طرف الكاتب المصري " آدم زكي " في عام 2006 , لا أخفي على القارء شيئا و لكنني اعترف انني اقتنيت نسخة منه بعد عام تقريبا عن طريق صديق مقرب من هناك و حاولت استكشاف شخصية " دارناطينوس " الذي انتشرت عنه شائعات و اساطير عديدة منسوبة , فوجدت أنه مجرد شاب بربري كان والده راعي خنازير , حاول صنع المجد لوطنه بذكر أساطير بأن أجداده الذي سبقوه بآلاف السنين كانوا ذوي علم بكل العلوم و أنهم هم بناة الحضارة و أنهم هم من بنى الأهرام و شيدوا المباني الضخمة , و أن خراب حضارتهم كان بسبب الحضارات المجاورة كالحضارة المصرية و بعض الحضارات الغريبة الاسماء المبهمة أماكنها , و كذا روايته لقصته حيث ذكر أنه ابتكر فلسفته الخاصة استنادا على فلسفة أجداده و علومه , و محاولته اكتساب المعارف الجديدة بالسفر إلى اليونان , و كذا انضمامه للجيش الروماني ثم تمرده عليهم و التأثر بمبادئ صديقه الروحي " يانايور " , إضافة إلى بعض الأحداث لسنا في صدد للتطرق إليها , بل و فقد ذلك أيضا محاولة هؤلاء الباحثين نسب تسمية أمريكا إلى هذا الفيلسوف البربري , و الزعم بأنه قام بتسميتها باسم " أموريكا " و الذي يعني بالبربرية " أرض الوطن " بإضافة الاختصار الروماني " إيكا " الذي يأتي في نهاية كل كلمة ترمز إلى منطقة معينة .

باختصار أرى من خلال قراءتي لذلك الكتاب , أن شخصية " دارناطينوس " كانت شخصية عنصرية متعصبة للقضية البربرية معادية للحضارات المجاورة و للوافدين , و كذا شخصية مهرطقة تكره رجال الدين و المعابد , بل تصل بها الوقاحة إلى تشبيه المعابد بـ " غار الشياطين " , و كذا التدخل في الفلسفة الدينية و القول بأن جنة الرب هي في تخلص أرواحنا من هذه الأجساد المنهكة و رحيلنا إلى مكان لا ذكر فيه و لا أنثى و لا شيخ و لا شاب و لا شهوة و لا أي شيء آخر يمكن تخيله , إضافة إلى هرطقات أخرى ..

في الحقيقة ما الفائدة أًصلا من إحياء شخصية ميتة تاريخية و لم يتعدى ذكرها بضع أسطر في كتب بالية لم تعد ذات قيمة أصلا , و هل في إحيائها مصلحة للجهة الناشرة أو محاولة تجارية كسبية , أم محاولة تشويه و طمس للحضارات الأخرى ؟

و لكن ما يزعجني حقا هو أنه كيف لجريدة مصرية لا داعي لذكر اسمها أن تذكر هذه الشخصية التي كانت تعادي مصر و الحضارة المصرية و تحاول سلب انجازات الحضارة المصرية لنسبها لحضارة اخرى , بل و ما دخلنا فيها أصلا و لماذا التطرق لدعوة الباحثين الجزائريين في المساهمة في البحث لإحياء هذه الشخصية .

أقول إلى كاتب المقال و إلى رئيس تحرير تلك الجريدة , فلنبقى في تاريخ بلدنا الذي يعود إلى أكثر من 5000 عام بدل من التطرق إلى تاريخ أوطان لا ناقة لنا و لا جمل معها , فرغم احترامي للحضارة البربرية , و لكن تعدي حضارة على حضارة أخرى بل و السعي إلى دعمها لهو أكبر جريمة في حق التاريخ .


  • 1

   نشر في 01 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 13 يناير 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا