الاحترام الإصطناعي..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاحترام الإصطناعي..!

إتركوا البشر لما تهديهم إليه الفطرة من احترام.. لربما يكون دوائهم في الاعتماد على النفس واستخدام العقل بدلاً من الإدمان على تعاطي الجهل الذي لا أمل في شفائه دون افشاء روح الاحترام..!

  نشر في 29 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2019 .

"الصورة من أعمال الفنان السوري علي فرزات"

بقلم/ محمد أحمد فؤاد..!

لا شك أنك لا تستطيع أن تفرض على أحدهم أن يكن لك الإحترام بالأمر المباشر، أو بالقوة والإجبار، فالإحترام الحق لا يتأتى دون أن تكون أهل لذلك بشخصك وقولك وفعلك، ورد فعلك أيضاً.. وما غير ذلك لا يُعتد به كمؤهل لإكتساب إحترام الأخرين مهما كانت الآليات..

مؤخراً، وأمام ثالوث الحداثة المؤسف.. "الجشع والانتهازية والتهور" تلك السلوكيات التي صارت من أبرز وأبغض سمات العصر، ظهر نوع من الإحترام الإصطناعي والمفتعل كنتيجة لإحتياج بعض الطغاة وبصورة مُلحة لإكتساب مكانة مرموقة لا يستحقونها في مجتمعات عشوائية تعج بأنماط متفاوتة من الجهل والقهر والطبقية، ومع الأسف ساد مع هذا ظهور مفاهيم كثيرة مغلوطة بعضها مادي أو معنوي إقترن بمتطلبات هؤلاء من الشهرة والوجاهة الإجتماعية الزائفة، وكان من شأنها إفساد مفهوم الإحترام في العموم، أو على أقل تقدير تحييده عن معناه الصحيح..! منذ قرابة خمسة عقود أو تزيد، أشار الراحل الأستاذ/ عباس محمود العقاد في أحد كتاباته النادرة لمصطلح "علم الاحترام".. رصد الرجل حينها بوادر تراجع وإرهاصات نضوب الاحترام في الحياة اليومية، فما كان منه إلا أن حاول الدعوة لتأسيس علم جديد يبحث في أقدار الناس، وما يتفاضلون به من عروض الحياة ومحاسن الشيم..

الاحترام هنا ليس كالعلوم الأخرى.. فهو علم لا كتاب له يحصر أبوابه وأقسامه، ويضبط قواعده وأحكامه، وهو لا يخضع لمعلم يمليه على طلابه، لكنه مُفرق بين الناس بكافة طبقاتهم، الرفيع منهم والوضيع، وعلى من يبتغيه أن يتتبع تفاصيله في داخل شخصه، لأنه ببساطة إن لم يفعل سيجهل ما يحترم به الناس، وسيجهل الناس ما يحترمونه به..!

هذا العلم الذي لا يدركه إلا القليل ما أحوجنا إليه حالياً في ظل ما نواجهه يومياً من إمتهان للقيم والمعايير الإنسانية، ولشديد الأسف لا يعمل به إلا ما ندر من البشر. إن صح التعبير، فالإحترام هو علم شعوري بحت، من عرفه عرف الإنسان والإنسانية، ومن جهله فقد جهل كل شئ..

والمقصود هنا ليس الاحترام السلوكي المصطنع الذي تفرضه آداب البروتوكول الحركي كالتهيب والانحناء والتوجل، فهذه أمور شائعة حفظها كثير من الناس وأتقنوها، حتى أنهم نجحوا في تعليمها للحيوانات الأليفة والوحوش في حلقة السيرك.. آداب السلوك تقول لك إحترم من ينفعك، وتقول آداب الصدق إحترم ما ينفع الناس.. والمقصد بين المذهبين أن تحترم من وما لا يسعك إحتقاره في سرك أو علانيتك، فأغلب الناس في حياتنا يحترمون من يتَّقون شره ويهابونه أكثر من احترامهم لمن يبتغون بِره، وربما شاب احترامهم لأهل البر بعض الرياء، أما احترامهم للطغاة فهو لشديد الدهشة خالص وممتد لا شية فيه..!

أغلب البشر مثقلون بالهموم، وتجدهم يواصلون حياتهم يوماً بأخر بين عوز وكلل وقنوط.. لكنهم في الأغلب راضون بما تجود به الأقدار، لا أدري إن كان ذلك عن إيمان وقناعة، أم لأن البديل هو كآبة أبدية تنتهي بالفناء والانقراض؟ والجهل هو علة التخبط والخلط لدى الانسان البسيط، وليس غريباً أن هناك من يستمدون قوتهم من هذا الجهل، وكذلك هناك من ينتحلون صفات آدمية وفي واقع الأمر هم طغاة ذوي مناصب وسطوة، بعضهم يحكم ويتحكم، وبعضهم يدلس ويداهن، وبعض أخر يزَوِر ويبرر.. وجميع هؤلاء يتاجرون بسلعة واحدة هي الاستغلال حيث لا يعتدل ميزان الإنسانية..

حقاً الأمر محير..! فبعد إنتهاء عصر الأنبياء حيث لا عصمة لبشر بعدهم، ومعيار قياس الاحترام بات ثابتاً لا يخضع لمتغيرات الطبيعة بقدر ما تجده يتأثر بعوامل صنعها بشر، كالاحتكار والعنصرية والسادية.. فهل هناك في عصرنا هذا مُعلم رشيد يستطيع تفنيد تلك الإشكالية للناس ليستفز الوعي الكامن داخلهم؟ أم أنه سيخشى أن يحتقرونه بما يعلمه بالضرورة..!؟ تماماً كشأن الفقيه المنافق في كتب الدين.. يلقن الناس فقط ما يُدر عليه الرزق، ويحني له الرؤوس، ويعمي عنه العيون، فينجح في الابتعاد بهم عن الفكر القويم ويسوقهم لغياهب الجهل، ويحيد بهم عن اليقين فيغرقهم في أعماق التخبط والضلال..!

الأمور ربما وصلت إلى مراحل متأخرة من اللا معقولية في تصنيف البشر بشكل عنصري وطبقي عنيف أحسبه أذاب كل ما تبقى من ملامح فطرة الإحترام لدى كثيرين من البسطاء والمعدمين، لذا ربما سيكون الخلاص في إسكات كل من أضله لسانه عن قول الحق من المرتزقة والمدلسين، وأن يتنحى كل عالم لينشغل فقط بعلمه وينقطع له، والأهم أن يراجع كل داعية نفسه وضميره قبل أن يحرك دعواه.. وليتركوا البشر لما تهديهم إليه الفطرة من احترام لربما يكون دوائهم في الاعتماد على النفس واستخدام العقل بدلاً من الإدمان على تعاطي الجهل الذي لا أمل في شفائه دون افشاء روح الاحترام..!   


  • 5

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 29 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا