أساليب نقل القارئ الى عالم النصّ ، ( وقت مفتّت ) نموذجا . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أساليب نقل القارئ الى عالم النصّ ، ( وقت مفتّت ) نموذجا .

  نشر في 12 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .


من ميزات كتابات فريد غانم المهمّة هو الجمع بين الفنية الكتابية العالية و القرب من القارئ ، مما يمكن القارئ ان يعيش النص رغم فنيته و رمزيته ، وهذا الجمع هو ما يجب ان يكون عليه الادب الرفيع ، فليس من الصحيح ان يكون الادب رمزيا حدّ الانغلاق بحجّة الفنية كما انّه ليس من الصحيح ان يكون الادب مباشرا توصيليا بحجّة التداولية و القرب من القارئ .

من العناصر المهمّة لأجل الاقتراب من القارئ في اللغة الأدبية هو شدّ القارئ الى النصّ ، مقرونا بالتقنية العالية و التوظيفات الفذّة . حينما يتحقّق نظام جامع بين الإقتراب و الفنية العالية نكون قد حقّقنا تلك اللغة المنشودة ، و لأنّا قد تحدّثنا كثيرا عن العناصر الفنية و التوظيفات الاسلوبية كعناصر إبداعية و مظاهر لتوهّج اللغة في مقالات سابقة ، فإنّا هنا سنركّز على أساليب القرب و التوصّل الى روح القارئ في نماذج تشتمل على فنية عالية و توظيفات واضحة، تجعله يعيش لحظة النص و عالمه و تنقله بقدرة عالية و كفاءة ظاهرة الى عالم النص منتجة بذلك حالة شعورية للقارئ يمكن ان نسميها ( حياة القارئ النصية ) .

ان التشويق عنوان السرد و علامته العظمى ، و الضوء الجليّ في تحقّق الفنية فيه ، الا انّ ما هو أعلى من ذلك من جهة نظرة سردية هو نقل القارئ الى عالم النص ، و خلق حياة نصيّة له . و حينما تتعمّق اللغة و تشتمل على الرمز و الايحاء ، تنتهي الى المقامات العالية . و في الجانب الآخر في لغة الشعر يكون الحلم الآسر و اللغة الراسمة ، كفيلة بنقل القارئ الى النص ، و بالرمزية و الايحاء تبلغ المقامات العالية . و في مستوى ثالث حينما تكون اللغة بذلك الوصول و العمق و التوهّج ، مخترقة لجميع إشكال الاحساس و مستويات الذوق فيتذوّقها القريب و البعيد و المتخصّص و غيره ، و الاديب و غيره ، و تكسر حاجز التعالي و أكذوبة النخبة ، نكون و بلا شك أمام لغة عظيمة .

لكي ينتقل القارئ الى عوالم معنى النص ، بأن يكون قادرا على رؤية الخيال الذي تسبح فيه المعاني و الافكار ، لا بد من حالة رسم بالكلمات ، و خيال شفيف يحاكي عوالم الجمال لدى القارئ ، بلغة بسيطة قريبة ، مع علوّ في التجربة تبهر القارئ و تدهشه . إذن لأجل رفع الحجب والحواجز بين القارئ و الكتابة و جعله يعيش في عالم النص ، لا بدّ من ( رسم خيال عال بسيط ) ، هذا المرّكب الخارجي سنتلمّسه في نموذج نصّي لنصوص فريد غانم الحرّة يحقق نقلا فذّا لذهن القارئ الى عوالم النص ، كعنصر أسلوبي لحياة القارئ النصيّة ، كما في نصّ ( وقتٌ مُفتَّتٌ(

( وقتٌ مُفتَّتٌ(

فريد غانم

(1)

في الثُّقبِ الأسوَد، في الطّريقِ السّريعِ بين المجرّات، حينَ تتّسعُ الأحداقُ فوقَ طاقتِها وترى العَمَاءَ وجهًا لوجهٍ، وحينَ تهطلُ الحَسْرةُ على ما كان يمكنُ أنْ يكونَ ولم يكُنْ، سوفَ تنحني الخطوطُ المُستقيمةُ، سوفَ يسبقُ الصَّوْتَ الصَّدى، سوفَ يصيرُ المكانُ فراغًا كاملًا، وتدورُ عقاربُ السّاعةِ على كلِّ الجِهات.

ها هُناك، في الثّقبِ الأسوَد، حيثُ تضيعُ "هُنا" في المسافات الفائضة، ويختلطُ الآن في ما سيأتي وما كان،

ها هُناك، سنضبطُ نبضَ قلبَيْنا على إيقاعِ الصَّمتِ، ونستعيدُ وقتَنا الضّائع.

فعَسانا نُحِبُّ قليلًا.

(2)

كان لدينا بيتٌ لا يعرفُ يومَ ميلادِه.

جِدارٌ مُعلَّقٌ على صورةٍ بالأبيض والأسود.

والصّورةُ مُعلَّقةٌ على جديلةٍ من شعرِ عنزةٍ جاهليّة.

والجديلةُ معلَّقةٌ على مسمارٍ.

والمسمارُ مُعلَّقٌ على صدَأٍ مؤجَّلٍ.

والصَّدَأُ مجبولٌ من قطرةِ ماءٍ وفُتاتِ نسمةٍ تسلّلَت في اللّيل وحفنةٍ من الوقت الاعتباطيّ.

(3)

من الصّورةِ، بالأبيض والأسودِ، يخرجُ جدّي ظلًّا وضَوْءًا، يحملُ طينَ رأسِهِ ورفشًا وإبريقَ ماءٍ، ويحفرُ في الفَيْء.

أقولُ لَهُ؛ يا جدّي من أينَ جئت؟

يرشُّ جدّي بسمةً بلا أسنان، يلقي نظرةً على المعابد في الدّروب، ويبحثُ في الأفق القريب، تحتَ جَفْنَيْهِ، عن إلٰهٍ عاشقٍ.

وفي اللّيلِ، عندما تنامُ الألوانُ، يصعدُ جدّي إلى صورتِه، يحملُ الحائطَ والمِسمارَ وحُزنَهُ، يتمسّكُ بالجديلةِ، وينتظر.

(4)

كأنَّني أقولُ:

تعالي نُلغي الأرقام كلَّها.

تعالي نمحو خطوطَ العرضِ والطّول.

تعالي نُسقطُ دورةَ الأرضِ من حساباتنا.

تعالي نقيمُ سريرًا في شرقِ اليابان، لتأوي إليهِ الشَّمسُ في لَيْلِها.

تعالي نُطلقُ حناجرَ العصافير في العتمة.

تعالي نزرَعُ الظّهيرةَ بالنّجوم.

تعالي نُركِّبُ عينَيْنِ للوَطواط.

تعالي نركضُ فوقَ الفصول.

تعالي نخرجُ من شرطِنا.

تعالي نبتكِرُ حالةً أخرى، خارجَ الدَّائرةِ المُغْلَقة.

ان الإحساس المنقول بالنص واضح و بالخيال العالي المنبّث في الصور و السرد ، يتحقق الإبهار ، و من خلال التركيز العالي على التأريخ النصّي ، و تحميل المفردات ثقل النص ، يشعر القارئ انّه يرى المفردات و معانيها ، و حينها تتحقق الألفة ، و مع الإبهار السابق و بمعونة الأحساس المنقول ، تختلط التجربتان التأليفية و القراءاتيّة، و ينتقل القارئ الى عالم النص و يعيش لحظاته و أحاسيسه . أجل انه رسم الخيال العالي البسيط . الذي يتجلّى بالاساليب التالية :-

1- الرسم بالكلمات

بسرد فذّ تصويري ترسم كلمات النص لوحة مكازمانية

(في الثُّقبِ الأسوَد، في الطّريقِ السّريعِ بين المجرّات، حينَ تتّسعُ الأحداقُ فوقَ طاقتِها وترى العَمَاءَ وجهًا لوجهٍ، وحينَ تهطلُ الحَسْرةُ على ما كان يمكنُ أنْ يكونَ ولم يكُنْ، سوفَ تنحني الخطوطُ المُستقيمةُ، سوفَ يسبقُ الصَّوْتَ الصَّدى، ) . و بهذا النَفَس الراسم يقدم النصّ لوحة مرسومة بالكلمات اخرى :

( جِدارٌ مُعلَّقٌ على صورةٍ بالأبيض والأسود.

والصّورةُ مُعلَّقةٌ على جديلةٍ من شعرِ عنزةٍ جاهليّة.

والجديلةُ معلَّقةٌ على مسمارٍ.

والمسمارُ مُعلَّقٌ على صدَأٍ مؤجَّلٍ. (

بل يزداد الرسم تجليا حتى انه تدخل مفردات مادية في الرسم ككلمة ( الصورة ) في نص يرسم الصورة كاملة :

( من الصّورةِ، بالأبيض والأسودِ \ يخرجُ جدّي ظلًّا وضَوْءًا، يحملُ طينَ رأسِهِ ورفشًا وإبريقَ ماءٍ، ويحفرُ في الفَيْء. أقولُ لَهُ؛ يا جدّي من أينَ جئت؟

يرشُّ جدّي بسمةً بلا أسنان، يلقي نظرةً على المعابد في الدّروب، ويبحثُ في الأفق القريب، تحتَ جَفْنَيْهِ، عن إلٰهٍ عاشقٍ. وفي اللّيلِ، عندما تنامُ الألوانُ، يصعدُ جدّي إلى صورتِه، يحملُ الحائطَ والمِسمارَ وحُزنَهُ، يتمسّكُ بالجديلةِ، وينتظر. )

هكذا بهذه التقنية السردية ، و الرسم الواضح الشفاف لمعاني النص و انظمته التركيبية ، يشعر القارئ بالقرب من صوت المؤلف ، كما انّه بذلك ايضا يعيش النص ، وهذه القدرة الراسمة و الناقلة للقارئ الى النص لا توفرها الشعرية العادية بسهولة و سلالة بل تحتاج الى تكلّف واضح ، بينما هي طبيعية و ذاتية و يسير في الشعرية السردية ، وهذه احدة اهم ميزات السرد التعبيري على القصيدة الحرة غير السردية كما هو ظاهر .

2- تجلّي الاحساس

تتجلّى الشعرية في النص السردي من جهة التعبيرية العميقة ، حيث تتخلى المفردات عن ثقلها المعنوي ليحل محله ثقلها الاحساسي الشعوري ، فتكون الكلمات ناقلات للاحساس اكثر ما تكون ناقلات للمعاني وان كانت هي ناقلة للمعاني ايضا .

انّ نقل الاحساس من اهم ما يجعل الرمزية قريبة وهو اداة فاعلى لدى المؤلف لكي يحافظ على فنية النص و لغته الرمزية و الايحائية و في ذات الوقت يقترب من القارئ و يشعره بالألفة . انّ الاحساس المنقول هو أحد عوامل الألفة و الشعور بعذوبة النصّ و دفئه .

في نص ( وقت مبعثر ) تتبعثر الاحاسيس في النص و تتناثر فلا تجد عبارة الا وفيها ثقل احساسي و توهج شعوري .

في عبارات ( ها هُناك، في الثّقبِ الأسوَد، حيثُ تضيعُ "هُنا" في المسافات الفائضة، ويختلطُ الآن في ما سيأتي وما كان،

ها هُناك، سنضبطُ نبضَ قلبَيْنا على إيقاعِ الصَّمتِ، ونستعيدُ وقتَنا الضّائع.

فعَسانا نُحِبُّ قليلًا.)

يتجلّى احساس الاحتواء و التلاشي و التكوّن بشكل آخر بصيغ تعبيرية من حيث اختلاط الازمان و تلاشي حدود الماضي بالحاضر ، و ينتهي الزمن . ثم بعد ذلك يظهر صوت الأمل و الحلم بان يكون الزمن و الوقت هو نبض القلب و الاهتداء الى عمق الانسان المحب المفقود ، وهنا يتجلى الاغتراب حيث يكون الجوهر غريبا و مفقودا و لا يمكن توفره الا كحالة حلم او حالة خلاص او حالة الخروج على الزمان و المكان ، ثم يبثّ الشاعر ألمه و شكواه في أمله باستعادة الوقت و الحياة الضائعة ، و أمله ان يستدلّ و يعثر على الانسان الذي يمثل جوهره الحبّ ولو قليلا وهو توجيه تعبيري احساسي هنا .

3- الخيال العالي

تتميّز كتابات فريد غانم بالخيال العالي ، و بالسرد الخيالي الذي يحقّق احيانا السريالية و التجريد ، و توظيف ذلك تعبيريا يتشكلّ عنه لغة متميزة تعبيرية متفردة ، وهذا ظاهر في جلّ كتابات فريد غانم . وهنا نجد السرد الخيالي حاضرا و بتوظيفات تعبيرية فذة و جلية . كما انّ الخيال هنا يتجلّى بسموتيات متعددة فخيال على مستوى المفردة و خيال على مستوى الاسناد بين مفردتين و خيال جملي و خيال فقراتي و نصّي .

فعلى مستوى المفردة نجد ( الثُّقبِ الأسوَد\ المجرّات\ عنزةٍ جاهليّة \ إلٰهٍ عاشقٍ ، شرقِ اليابان\ للوَطواط. الدَّائرةِ المُغْلَقة. (

و على مستوى الاسنادات ( الطّريقِ السّريعِ بين المجرّات\ المسافات الفائضة \

جِدارٌ مُعلَّقٌ على صورةٍ \ المسمارُ مُعلَّقٌ على صدَأٍ \ والصَّدَأُ مجبولٌ من قطرةِ ماءٍ نسمةٍ تسلّلَت في اللّيل \ حفنةٍ من الوقت الاعتباطيّ\ يحملُ طينَ رأسِهِ ورفشًا وإبريقَ ماءٍ \ تنامُ الألوانُ \ نركضُ فوقَ الفصول.)

و على مستوى الجمل وهي مركز الخيال و الوحدة الكتابية المحورية فالخيالية كبيرة و كثيرة منها ( حينَ تتّسعُ الأحداقُ فوقَ طاقتِها وترى العَمَاءَ وجهًا لوجهٍ \ سوفَ يصيرُ المكانُ فراغًا كاملًا \ حيثُ تضيعُ "هُنا" في المسافات الفائضة \ جِدارٌ مُعلَّقٌ على صورةٍ بالأبيض والأسود \ والصّورةُ مُعلَّقةٌ على جديلةٍ من شعرِ عنزةٍ جاهليّة.\ والجديلةُ معلَّقةٌ على مسمارٍ. \ والمسمارُ مُعلَّقٌ على صدَأٍ مؤجَّلٍ. \ والصَّدَأُ مجبولٌ من قطرةِ ماءٍ \ وفُتاتِ نسمةٍ تسلّلَت في اللّيل وحفنةٍ من الوقت الاعتباطيّ.\ يحملُ طينَ رأسِهِ ورفشًا وإبريقَ ماءٍ، ويحفرُ في الفَيْء.\ يبحثُ في الأفق القريب، تحتَ جَفْنَيْهِ، عن إلٰهٍ عاشقٍ. \ يصعدُ جدّي إلى صورتِه، يحملُ الحائطَ والمِسمارَ وحُزنَهُ، يتمسّكُ بالجديلةِ، وينتظر....)

و من هذه الخيالية الجملية تتحقق الخيالية الفقراتية و النصية .

4- الألفة النصيّة

لا بدّ لأجل نقل القارئ الى النصّ الرمزي الايحائي من مقرّبات و ألفة ، منها ما تقدّم من نقل الاحساس و السردية و من تلك الادواة ايضا الالفة النصية بمفردات و تراكيب مألوفة تحقق تموجا لغويا . فنجد المفردات و التراكيب الاليفة الى القارئ العام في النصّ

( الحَسْرةُ \ عقاربُ السّاعةِ \ نبضَ قلبَيْنا \ وقتَنا الضّائع \ نُحِبُّ قليلًا \ يومَ ميلادِه \ صورةٍ بالأبيض والأسود. \ عنزة \ مسمار\ جدّي \ إبريقَ )

ان هذا المستوى من الخيال الكبير و الرمزية و الايحائية ، انما يكون عذبا و مذللا و قريبا الى القارئ بواسطة تقنيات نصّيّة ضرورية اهمها السردية و نقل الاحساس و الالفة النصيّة .


  • 3

   نشر في 12 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا