الاستعمال العاطفي للغة في مجموعة " ناي قلق" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاستعمال العاطفي للغة في مجموعة " ناي قلق"

دراسة كمّية

  نشر في 13 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2018 .


انّ بحثنا في الاستعمال العاطفي للغة في مجموعة "ناي قلق" للشاعر العراقي عدنان جمعة يقع في اربعة مواضع، مقدمة و طريقة البحث و النتائج ثم خاتمة هي خلاصة البحث .

المقدمة :

لا بد كمقدمة لهذه الدراسة الكميّة من بحث جهتين الاولى؛ مجموعة "ناي قلق" و شاعرها، و الثانية تعريف مفهومي بالاستعمال العاطفي للغة.

الجهة الاولى : مجموعة "ناي قلق" و شاعرها

عدنان جمعة شاعر عراقي معروفة برقة مقطوعاته الشعرية و تجربته الأدبية و يعدّ حاليا من أهم اعمدة الشعر في بغداد، و نحن هنا لسنا بصدد بيان اهميّة هذا الشاعر لأنه غني عن ذلك و انما نريد ان نشير ان هكذا تجربة شعرية يجب ان تكون محطة دراسة و تعلّم لكل أديب ومتذوق و هنا و لحقيقة البوح العاطفي الذي يلون كتابات عدنان جمعة فاننا سنعمد الى تتبع الاستعمالات العاطفية في مجموعته الجديدة "ناي قلق".

المجموعة تشتمل على (70 ) نصا من نصوص السرد التعبيري التي اعتمدت التعبيرية السردية حيث الوحدات الشعرية تسرد في نص شعري . تراوحت احجام النصوص من الحجم القصير الى المتوسط بين (60-100) كلمة، و لقد بلغ عدد الكلمات في المجموعة (5000) كلمة.

و لقد بات معروفا ان السرد التعبيري هو نص ادبي شعري نثري يقع بين قصيدة النثر الغنائية و قصيدة النثر السردية، فهو شعري نثري يعتمد سرد وحدات شعرية؛ فهو يفترق عن قصيدة النثر الغنائية باعتماده السرد و يفترق عن قصيدة النثر السردية انه يبتعد عن القصصية و الحكاية و لا يقدس المكان و الزمان و الشخصية الحدثية و انما هو نظام كيانات شعرية مرتبة في النص بنسق سردي. كما ان السرد التعبيري يختلف عن الشعر الحر – اي الشعر النثري المكتوب بالتشطير و الاسطر عموديا- بانه اضافة الى البناء الجملي المتواصل فانه يكتب بشكل افقي و ليس عموديا.

هذا كله في البناء الشكلي لكن هناك ادوات اكثر عمقا في السرد التعبيري الا وهي التعبيرية السردية، وهي الشعر المنبثق من النثر، حيث الكيانات الشعرية المقصودة اولا و اساسا تظهر و تبرز في فضاء سردي وهذه هي الميزة المهمة و الجوهرية للسرد التعبيري، كما ان هذه التعبيرية العالية تمكن كاتب السرد التعبيري من بلوغ درجات عالية من التجريد مع الحفاظ على الفنية و البوح و السلاسة وهذا شيء نادر الحدوث في الشعر التجريدي،. ان التجريدية السردية تقدم نموذجا للشعر التجريدي المشتمل على رسالة واضحة و بوح واضح. و نصوص مجموعة "ناي قلق" حققت السردية التعبيري كشكل ادبي عام لها و تجلت التعبيرية السردية في النصوص بشكل واضح.

عدنان جمعة في هذه المجموعة كما في غيرها يعتمد الرمزية القريبة، التي تتجلى فيها الرسالة و البوح و يكون القصد الفكري و التعبير عن النفس قويا في النص وهذه ميزة تميز هذه الكتابة عن شكل اخر يعتمده البعض يكون فيه التجلي و الظهور للسطح النصي مع خفوت للرسالة و البوح حتى يبلغ درجات التعتيم و الانغلاق او مجرد تلاعب بالكلمات و بناءات تركيبية سطحية لا تنفذ عميقا وهي خسارة تعبيرية لا مبررة لها.

ان العمل الادبي الابداعي ما هو في حقيقته الى اكتشاف و انكشاف و ابحار عميق في النفس الانسانية سواء على مستوى المؤلف او القارئ او المجتمع ( مجموعة النوع ) التي هي مثال اللغة و التخاطب. و ما يفعله الشاعر كمبدع هو الغوص عميقا في التجربة الانسانية للامساك باللحظة الفريدة و التجربة المبهرة، وهذا النظام الفلسفي للابداع يتجلى و يتكشف في مستويين من الادارك؛ الاول هو العوامل الجمالية والتي تقع في مستوى الفكرة و الرسالة و الثاني مستوى المعادلات الجمالية و التي تقع في مستوى النص و التعبير و البوح ( لقراءة المزيد عن العوامل و المعادلات التعبيرية يرجى الرجوع الى كتابنا التعبير الادبي الجزئين الثالث و الرابع).

و مع ان المعادل الجمالي هو طريق تعبيري لتجلي العوامل الجمالية الا ان ما يجعل الابداع مفهوما و محببا و قريبا للنفس هو التجلي القوي للعوامل التعبيرية، و كتابات عدنان جمعة تتميز بتلك السلاسة و القرب و التجلي الواضح للعوامل الجمالية مع المستوى العالي من الاشتغال الجمالي على المعادلات الجمالية.

الجهة الثانية: الاستعمال العاطفي للغة

قد يتبادر الى الذهن اننا نريد بـ " الاستعمال العاطفي" هو البوح الرومانسي و التغزل بالمثال الجمالي لكن في الحقيقة نحن نقصد بالاستعمال العاطفي للغة ما يقابل الاستعمال المعنوي اذ اننا اشرنا في مناسبات سابقة ( ينظر كتاب التعبير الادبي الجزء الرابع) ان استعمال اللغة قد يكون بشكل معروف و معهود وهو الاستعمال المعنوي اي ايصال الرسالة من خلال المعاني و قد يكون باستعمال اخر هو الاستعمال التعبيري التأثيري حيث يُقصد البعد التاثيري للغة و التركيز على الثقل العاطفي للكلمات و هذا كما يمكن ان يكون متجليا بصور التغني و السرور و الانفعال الايجابي الانشراحي قد يكون بصور الحزن و الاسى و الانفعال السلبي الانقباضي.

ان الظاهرة الجمالية عموما و الادبية منها خصوصا تعتمد على الانظمة التعبيرية العاطفية، و في الحقيقة هذا الفهم للجمال يعد خطوة حقيقة لتخليص الاستجابة الجمالية – اي انفعال المتلقي- من الانطباعية و يبعث على السعي نحو ابحاث اكثر عمقا و ضبطا في قواعد و قوانين الاستجابة الجمالية. و لا بد عند الحديث عن الانظمة التعبيري للفن من التاكيد على ان المؤلف عند الكتابة او الفنان عن الابداع هو في حقيقته قارئ و متلقِ و مشاهد و محلل. و في الحقيقة ان تلك الانظمة التعبيرية و العاطفية و الانفعالية تقصد من خلال الخلفية التعبيرية و العاطفية لدى المؤلف، و هنا اشارة مهمة الى مرجعيات مهمة في التأليف و الابداع غير القاموس المعنوي، فالتشكل و التشخص و التشكيل و التشخيص و الشكل و الشخص كلها امور تقع في مجال المعنى، و المعاني كلها تقع في مجال لا يمثل الا قدرا صغيرا من نظام التعبير الجمالي و التأثير الابداعي، و انما هناك مرجعيات – اي مشتركات نوعية بين البشر- هي اهم بكثير من المرجعيات المعنوية و التشكلية و التشخصية- في عملية الابداع و الفن منها المرجعيات العاطفية. و في الحقيقة اخر ما يمكن الاستفادة منه في تبيّن الظاهرة الجمالية عموما و الادبية خصوصا هو المرجعية المعنوية و عملية الفهم و التفهيم بل الثقل الحقيقي و القصد الحقيقي للظاهر الابداعية هو التأثير و التأثيرية و التي تشتمل على طيف واسع من الادوات احدها المعنى، بل ان المعنى احيانا يقصد كعامل و طريق للتأثير و و ليس لكون رسالة، لذلك تجد بعض المبدعين قد تخلو عن المعنى كليا في حالات الأدب البصري لانهم وجدوا طرقا اخرى لتأدية الرسالة، بل ان من القراءة ما لا يعتمد على المعنى كتشكل و افادة و تشخص حتى في الفنون اللغوية نفسها كما في " التعبيرية القاموسية" او " القصيدة البصرية" التي تسعى الى بلوغ الرسالة و البوح من دون افادات تفهيمية.

اذن صار واضحا ان الاستعمال اللغوي قد يكون معنويا توصيليا و قد يكون عاطفيا تأثيريا، و الظاهرة الجمالية الابدعية و الأدبية في جوهرها تعتمد الاستعمال العاطفي التأثيري، اي السؤال عن مدى تأثير العبارة او النص في القارئ و ليس السؤال عن مدى الافادة و التفهيم المعنوي في النص. و طبعا هذا لا يعني اخلاء الادب من الافادة المعنوي و انما يعني بيان ان الافادة و التوصيل المعنوي و الفهم و التفهيم هي ادوات و طرق لأجل البوح الجمالي و الرسالة الادبية.

ان الخلط بين البوح المعنوي و البوح الجمالي و الرسالة اللغوية و الرسالة الأدبية ادى الى تأخر كبير في فهم الظاهرة الادبية فبينما يعتمد الادب و الجمال على التأثير و العاطفة و الشعور حتى قيل ( ان الشعر شعور) فان التفهيم و التخاطب يعتمد التوصيل و الافادة. لا بد من التأكيد و بحزم ان الاديب و المؤلف الادبي حينما يشتغل على النص الادبي فهو ليس في موضع تخاطب و تفهيم و انما هو في موضع تأثير و اثارة. وهذه الحقيقة تجيب على طيف واسع من التساؤلات بخصوص رسالة الأدب و موضع الفهم و المعنى منها.

طريقة البحث

منذ ان بينا الاسس الكمية للاستجابة الجمالية و رجوع اغلب الانفعالات الانسانية بعناصر المشاهدة الايجابية و السلبية الى امور واضحة و مفهومة من التعامل الحسي و الشعوري في مقالاتنا الاولى عن فيزياء الاستجابة الجمالية و ميكانزما الجمال ( في الجزء الاول و الثاني من كتابنا التعبير الادبي ) فانه بات واضحا عندنا امكانية تقديم مدخل جدي و واقعي نحو ادب علمي و تحليل ادبي استقرائي تجريبي، و مع ان هذا الامر لن يكون سهلا او مقبولا عند البعض و ربما الكثيرين الا انه حقيقة سيتم ادراكها عاجلا ام اجلا. و لقد توجنا هذه الابحاث بمنهجنا التحليل الكمي، و الذي يعتمد معادلات و قوانين للجمال مبثوثة في مقالاتنا الاخيرة.

ان المنهج الكمي في التحليل الادبي يعتمد ثلاث جهات بحثية موضوعية ( اي غير ادعائية و لا تكلفية ) و دقيقة ( ان مضبوطة و استقرائية)؛ الاولى تحقق العنصر الابداعي موضوع البحث في النص و شكله، الثانية درجة تجلي ذلك العنصر، و الثالثة الانظمة الجمالية المترتبة على تجلي ذلك العنصر الابداعي. و لقد وجدنا كفاءة عالية لهذا المنهج في الكشف عن العناصر الابداعية و الجمالية و فهم عملية الابداع و الاجابة عن الاسئلة الفلسفية المتعلقة بطبيعة الجمال و الظاهرة الادبية. وهنا سنعتمد المنهج الكمي بصورة تمهيدية لاجل خلق قاعدة معرفية و تطبيقية كمدخل الى التطبيق الاكمل القانوني و المعادلاتي في الابحاث الادبية.

الجهة الثانية: الاستعمال العاطفي للغة.

ما عاد مهما كثيرا التمييز بين اللغة و الكلام الا من جهة وجود مرجعيات مشتركة عامة يعتمد عليها فهم الكلام، و هذا التمييز انما هو من ادوات البحث اللغوي للنصوص، و في الواقع رغم اقحام هذا البحث من قبل مدارس نقدية في التحليل الادبي كالبنيوية و الاسلوبية الا انه اخفق اخفاقا كبيرا في تشخيص العناصر الجمالية في النص و حوّل التحليل الادبي الى بحث لغوي لا يشير الى مواطن جمالية ابداعية، بل و ادرى الى اقحام ابحاث اخرى في البحث الادبي كالتحليل النفسي و الثقافي و كلها لا علاقة لها بحقيقة و جماليات الظاهرة الادبية و حقيقة الجمال اللغوي. ان الادب ليس لغة انما هو اشتغال تعبيري و جمالي على اللغة بل ان النص الادبي يختلف عن النص اللغوي و العلاقة بينهما علاقة مرآتية و ليس بينهما اي اتحاد في الذات، فالنص اللغوي يحمل النص الادبي لكنه ليس هو بل النص الادبي شيء اخر موجود في عالم مستقل خارج النص اللغوي و هناك عوامل و عناصر و امور كثيرة تتدخل في بناء النص الادبي غير النص اللغوي.

النص الادبي هو اشتغال جمالي على اللغة، بمعنى ان الادب هو ظاهرة جمالية مادتها اللغة ، لذلك لا علاقة كبيرة بين الانظمة اللغوية العامة و الظاهرة الادبية و لهذا تجد اكثر المتبنين للمناهج اللغوية في التحليل الادبي يضطرون الى الارتكاز على الانحراف اللغوي و الانزياح ، و ما هذا الا لحقيقة ان الادب ليس فنا لغويا يمكن تشخيص عناصر ابداعه بانظمة اللغة و انما هو عمل تعبيري اساسه الجمالية و الرسالة التعبيرية غير المهتمة بقوانين اللغة ، بل ان الادب قائم على كسر قواعد اللغة و خرقها. ان هذا الفهم و كون الادب و كل فن هو عمل تعبيري انساني يهدي الباحث الى المواطن الحقيقة التي عليه البحث فيها و التدقيق فيها كما انه يساهم في البحث عن قوانين و قواعد عامة للتعبير و الجمال تشترك فيها جميع الفنون و لا يكون لمادة الفن من سمعية او بصرية، لغوية او لونية تأثيرا على تلك الكليات وهذا ما يمكن ان نسميه قوانين الجمال او " الكليات الجمالية".

ان المنهج الكمي و من خلال مراحل و طرق بحثه يؤكد هذه الحقيقة و يشير الى تلك العناصر الموحدة، ففي مناسبة سابقة بحثنا ( الدلالة العاطفية في قبال الدلالة المعنوية) في مجموعة شعرية للشاعر العراقي حميد الساعدي، و لا ريب ان الدلالة لعاطفية مع انها من صفات اللغة الا انها مما تشترك بها اللغة مع غيرها من الفنون ، و هنا سنبحث " الاستعمال العاطفي" كعنصر جمالي في قبال الاستعمال المعنوي، و لا ريب ايضا ان الاستعمال العاطفي هو عنصر تشترك به اللغة مع غيرها من ادوات التعبير الانساني.

يعمد المنهج الكمي بخصوص العناصر الجمالية التعبيرية يعمد الى فهم مفاهيم تلك العناصر بدقة و ضبط ثم تعقب مظاهر تحققها و تجليها في مادة الفن المعين كاللغة مثلا و درجة ذلك التجلي و الانظمة الجمالية المترتبة على ذلك. و ادوات المنهج الكمي منضبطة و ليست فضاضة و لا انطباعية بل هي موضوعية استقرائية تجريبية، حيث ان المنهج الكمي يسعى نحو تحقيق بحث علمي تطبيقي للتحليل الادبي و يسعى نحو " علم الادب".

النتائج و المناقشة

العناصر الفنية و الجمالية التي يهتم بها و يتعقبها المنهج الكمي في تحليل الظاهرة الأدبي تقع في ثلاث جهات؛ الاولى تحقق العنصر الفني كـ " الاستعمال العاطفي " هنا ، الثانية درجة تجليه في نماذج البحث و الثالثة ما ترتب عليه من انظمة فنية تحققت في النص.

الجهة الاولى: تجلي الاستعمال العاطفي في نصوص "ناي قلق"

بشكل مادي شكلي منضبط يتحقق نظام " الاستعمال العاطفي" في كل حالة تعبيرية تكون العاطفة اقوى من المعنى و تكون الرسالة واصالة بذلك التعبير العاطفي قبل التعبير المعنوي. اذن حالة الاستعمال العاطفي في النص هي كل حالة يكون التعبير بالعاطفة واضحا وقويا و تكون الرسالة التعبيرية واصلة بذلك التعبير من دون الحاجة الى الافادة المعنوية اي المعنى الجملي التفهيمي. و هذا التجلي للاستعمال العاطفي يمكن ان يكون على مستوى الكلمة (المفردة اللفظية) او على مستوى الاسناد ( التركيب اللفظي)

في قصيدة (( ناي قلق )) يقول الشاعر

(غنائي لم يعجبه القمر، أغمض عيني، تبتلعني الأرض، فوضى، ناي قلق يتسلى بمرارة الشوق، أتحسس نشيجاً خافتاً في عمق الليل، بسبات راعي غنم، تائهة حروفي في مراعٍ مقفرة، ذاكرتي منهكة بثقل الأحمال)

لقد استطاع الشاعر ان يلون نصه هذا بلون مميز من العاطفة لا عن طريق الافادات المعنوية الجملية و انما من خلال قاموس الكلمات التي بثها في نصه فكلمات : (تبتلعني \فوضى\ قلق\ يتسلى\ مرارة\نشيج\ خافت\ سبات\ تائهة\ مقفرة\ منهكة\ثقل\ الاحمال) تقع في مجالات عاطفية سوداوية هي القلق و الخواء و الانهاك فالقلق يتجلى في ( فوضى\ قلق\ خافت\تائه) و الخواء يتجلى في (فوضى \مرارة \ يتسلى\ سبات\ تائهة \مقفرة ) و الانهاك يتجلى في ( تبتلعني \ نشيج\ منهكة \ثقل\احمال).

ان ضغط الرسالة العميقة هو الذي دفع بعالم الانثيالات الى هذا الصف من المفردات و لا يمكن ابدا تبرير الاختيار وحده، و اضافة الى نجاح المؤلف في خلق جو عاطفي شعوري معين لنصه هذا فان هذه اللون ايضا كشف عن رسالة عميقة تقع خلف النص وصلتنا عن طريق اداة تعبيرية غير تفهمية و لا خطابية، بل هي رسالة تعبيرية تأثيرية تحققت باستعمال عاطفي للكلمات.

في القصيدة نفسها "ناي قلق" نجد اسنادات تعبيرية باستعمالات عاطفية توصل الرسالة بقوة العاطفة حيث نجد هذه التراكيب: ( غنائي لم يعجبه القمر \ أغمض عيني \ تبتلعني الأرض \ ناي قلق \ يتسلى بمرارة الشوق\ أتحسس نشيجاً خافتاً \ في عمق الليل \ بسبات راعي غنم \ تائهة حروفي \ في مراعٍ مقفرة \ ذاكرتي منهكة \ بثقل الأحمال \ ما أقسى هذا الوقت ) و لا نحتاج الى كثير من الكلام الى بيان اللون القاتم الذي خيم على تلك التراكيب و الى هاجس القلق و الضياع و الانهاك الذي ساد تلك الاسنادات حتى اننا لو اخرنا و قدمنا فيها فان المزاج العام و الصبغة العامة للنص ستبقى كما هي، و في الواقع هذا تجل واضح و قوي للعاطفة في التراكيب الاسنادية بل ان النص يبلغ التطرف التعبيري – أي البوح الاقصى في الارتكاز على العاطفة- في ايصال الرسالة في تراكيب منه مثل: ( يتبلعني الارض \سبات راعي غنم\ مراع مقفرة \ ذاكرتي منهكة يقل الاحمال) .

و نجد الاستعمال العاطفي يتجلى و باللون نفسه و على مستوى المفردات و الاسنادات في قصيدة (( انهيار )) حيث يقول الشاعر :

( أيّ الأزمنة ستأتي بثوبي الرمادي، أيّ طريق أحلم به، وأيّ فنجان ستقرأهُ العرافة . أتأمل الزوايا، تلوح بولائم الحزن وعودها كالرمل، أبتلع صراخي، وأتحلى للغدِ بإقدامي الحافية. تساؤلات تلوكها أسنان الجرح، أغمض عيني لا جواب بحنجرتي، وأنا الممنوع من عناق الشمس، أذوب شوقاً والليالي باكيات، أنا .. أنتِ، نلملم الدقائق لا مكان فيها إلا وجوهنا العارية تمتزج بالانهيار. )

و يمكننا ان نشير سريعا الى اللون و المزاج العام للنص و الرسالة التعبيرية و القاموس اللتعبيري الذي لون و صبغ الجو الشعوري للنص بالالفاظ و التراكيب التالية (الرمادي \ الحزن \كالرمل \ صراخي\ الحافية \ تساؤلات \ تلوكها \ أسنان \ الجرح\ أغمض عيني \ الممنوع \ باكيات\العارية \بالانهيار) و اما على مستوى الاسنادات فاننا نجد ( صيغة السؤال (أيّ ؟) \ ثوبي \ تلوح بولائم الحزن \ وعودها كالرمل \ أبتلع صراخي \ بإقدامي الحافية \تساؤلات تلوكها \ أسنان الجرح \ أغمض عيني \ لا جواب بحنجرتي \ وأنا الممنوع \ الليالي باكيات \ وجوهنا العارية \ تمتزج بالانهيار) و نترك للقارئ و كعملية تجريبية ان يرى المجال العاطفي و الصيغة العاطفية التي احدثتها تلك التراكيب في النص الا اننا نشير هنا الى شكل مميز من الاستعمال العاطفي وهو قلب " المجال العاطفي" اي تحويل المفردة من مجالها العاطفي المعتاد الى مجال عاطفي اخر وهذا شكل من اشكال الانزياح العاطفي كما في التراكيب التالية ( أتأمل الزوايا، تلوح بولائم الحزن وعودها كالرمل \ أتحلى للغدِ بإقدامي الحافية \ وأنا الممنوع من عناق الشمس \ أذوب شوقاً والليالي باكيات) من المعلوم ان الفاظ ( ولائم \ وعود \ اتحلى \ الغد\ عناق \ الشمس ) هي من مجال العاطفة الانشراحية السرورية الانبساطية الا ان الشاعر و بتراكيبه الخاصة قد قلب مجالاتها العاطفية وحولها الى رمزيات عاطفية ذات الوان حزينة و سلبية و سوداوية و صارت تلك المفردات و بفعل قصيدة ( انهيار) لعدنان الساعدي تعني و تثير و تسبب عاطفة و احساسا مختلفا، وهذا هو نظام " قلب المجال العاطقي " او الانزياح العاطفي "

و كما ان عدنان الساعدي استعمل المجال العاطفي السوداوي السلبي الانقباضي في نصوص من هذه المجموعة فانه استعمل المجال العاطفي التفاؤلي الايجابي الانبساطي الانشراحي وهذا ما نجده مثلا في قصيدة (( ضربة شمس )) حيث يقول الشاعر:

( مرت بفستانها ذي الأبعاد الثلاثية، تراءت لي ورقة توت، وحقول ومرايا، لازمني الجنون، احتفلتُ بزينة شالها الأنيق، ونظرة غير شرعية، لم أقدر على الكلام! فرح بكل الزوايا وأنساب شعر غير مألوف، أشعل النيران، باركني الوقت ثملاً، دقائق .. ضربة شمس!! )

و ربما لا نحتاج الى كثير كلام لبيان اللون الانشراحي الانبساطي للمفردات و الاسنادات في هذا النص و بينما شعرنا في النصوص السابقة باننا امام لوحة رمادية باكية قاتمة و نادبة فاننا هنا نشعر اننا امام لوحة بهيجة مزخرفة و ضاحكة و راقصة فمفردات ( فستانها \ ورقة توت \ حقول \ مرايا\ الجنون\ احتفلتُ \ زينة \ شالها \ الأنيق \ نظرة \ فرح \ أنساب \ شعر \ أشعل \ النيران\ باركني \ ثملاً )

من الواضح قوة الرسالة الواصلة الينا بمفردات مركزية احتفالية هنا مثل :

( احتفلت \ زينة\ فرح \ انساب\ باركتي)

و الفاظ مركزية جنونية مثل

( الجنون \ اشعل \ النيران \ ثملا )

ان "ضربة شمس" قصيدة احتفالية جنونية بحق.

كما ان التراكيب الاسنادية ايضا كانت احتفالية جنونية حيث نجد:

( مرت بفستانها \ تراءت لي ورقة توت \ لازمني الجنون \ احتفلتُ بزينة شالها الأنيق \ ونظرة غير شرعية \ لم أقدر على الكلام \ فرح بكل الزوايا \ أنساب شعر غير مألوف \ أشعل النيران \ باركني الوقت ثملاً \ دقائق .. ضربة شمس!!)

يمكننا القول اننا نادرا ما نقرأ شعرا تعبيريا بهذه الدرجة من البوح العاطفي فان الشاعر لم يترك مجالا للبوح الا وقد ملأه عاطفة و لم يترك أي مقدار من التعبير العاطفي الا و انزله في هذا النص و يبلغ النص درجات من البوح الاقصى – أي الذي يبلغ النهايات التعبيرية في هذه التراكيب :

( لازمني الجنون \ نظرة غير شرعية \ لم أقدر على الكلام \ فرح بكل الزوايا \ أنساب شعر غير مألوف \ أشعل النيران ) و يختم الشاعر مشهده الجنوني بعبارة هي ملخص الحكاية حينما يقول ( دقائق .. ضربة شمس!!)

ان هذا المقدار من التعبيرية الذي تسبق فيه السرع العاطفية السرع التفهيمية وبهذا الشكل المحقق للنهايات القصوى للتعبير يحقق حالة " التعبيرية التجريدية" حيث يتحقق نظام تعبيري ما يمثل فيه امام القارئ و ما يكوّن النص ليس وحدات لغوية و انما وحدات شعورية اذن قصيدة " ضربة شمس" هي قصيدة تجريدية.

درجات التجلي للاستعمال العاطفي

درجة التجلي للعنصر الجمالي يمكن حسابها عموديا و افقيا، فاما العمودية ففي قوة التجلي أي كثافة العنصر في المفردات و الاسنادات مقارنة بحجم النص ( أي الفقرات \ القصائد \ المجموعة ( الكتاب). و يمكن حساب درجة التجلي افقيا ايضا أي من حيث العمق على مستوى البوح ثم المستوى الاعمق أي التجريد.

فاما كثافة الاستعمال العاطفي على مستوى المفردات فقد عرفت و من خلال النماذج المتقدمة ان تلك النصوص مشحونة و مملوءة بالمفردات التي يتجلى فيها الاستعمال العاطفي، و بعملية استقرائية لباقي النصوص فاننا نجد انها تمثل اللون العام لكتابة الشاعر و تجربته، و الامر اوضح بالنسبة لدرجة تجلي " الاستعمال العاطفي " في الاسنادات، بل قد رأيت كثافة الوحدات التعبيرية الاسنادية ( أي الاسانادات التي تجلى فيها العنصر التعبيري وهو " الاستعمال العاطفي هنا" اقول قد رأيت كثافة تلك الوحدات في قصيدتي " ناي قلق" و قصيدة " ضربة شمس".

و اما على المستوى الافقي فقد رأينا بوضوح بلوغ النصوص درجات عالية من البوح بل بلوغها درجات " البوح الاقصى" كما بينا و بعضها بلغ درجة التجريد كما في قصيدة " ضربة شمس" .

وهكذا نجد الحال في باقي نصوص المجموعة التي تميزت بدرجات عالية من تجلي عنصر " الاستعمال عاطفي". و مما يجدر الاشارة اليه ان هذه الطاقات التعبيرية قد توفرت و تحققت بهذه القوة بمساعدة اعتماد اسلوب ( التعبيرية السردية).

ان التعبيرية السردية تفتح الابواب مشرعة بما توفره من حرية و سلاسة و عذوبة و توازن و مساحة تعبيرية بحيث ان المؤلف يتقدم و بسرع تعبيرية عالية دون خوف التذبذب التعبيري او خوف الجفاء و التحليق الرمزي الذي يقلل من عذوبة و عمق و توهج العبارات. ان التعبيرية السردية في نصوص " ناي قلق" كانت كسفينة ضخمة لا تتأثر بالرياح و الامواج ، هذا مقارنة بالأشكال الشعرية المعهودة ضيقة التعبير و المساحة و التي تكون اشبه بقوارب او سفنا صغيرة تتأثر بالأمواج و ربما تغرق.

الانظمة الجمالية المترتبة على الاستعمال العاطفي

ان تجلي عنصر " الاستعمال العاطفي" على مستوى المفردات ادى الى ظهور حالة " التعبيرية القاموسية" حيث ان قاموس المفردات كان كفيلا في تلوين النص عاطفيا و اعطائه صبغة و مزاجا عاطفيا، كما ان البوح الاقصى الذي بلغته تعابير النصوص حقق حالة " التطرف التعبيري" وهو حالة بلوغ نهايات البوح و التي يكون فيها المتكلم في اقصى درجاته بوحه و انكشافه. و من الانظمة التي ترتبت على الدرجات العالية لتجلي عنصر " الاستعمال العاطفي" هو الكتابة التجريدية ، حيث عرفت ان قصيدة " ضربة شمس" و بالسرع العاطفية الكبيرة لتراكيبها قد حققت حالة التعبير التجريدي.

خلاصة البحث.

من خلال ما تقدم يمكننا ان نقول ان مجموعة " ناي قلق" مثلت تجربة فنية متقدمة للشاعر عدنان جمعة على مستوى التعبير الادبي حيث انها اشتملت على اشتغالات فنية متميزة كما ان نصوصها انطوت على زخم عاطفي كبير و تعبيرية عاطفية عالية تمثلت في التجلي العالي للاستعمال العاطفي حيث ان الرسالة وصلت الى المتلقي بالتعبير العاطفي قبل التعبير التفهيمي و قبل احصاء فعلي للافادات الجملية. وهذا النظام مع اننا قد اثبتناه بشكل واقعي و استقرائي فانه يمكن ايضا اثباته بشكل تجريبي، حيث يعمد القارئ الى تأجيل المعنى الافادي الجملي ( اي التفهيم للجمل) و اعتماد قوة العاطفة و الثقل العاطفي للمفردات و الاسنادات ثم يقارنه بما تفيده الجمل من معان تامة تفهيمية توصيلية. و الاشارة الثالثة ان من نصوص هذه المجموعة كنص ( ضربة شمس ) ما بلغ حالة التجريد وهي اعلى درجات التعبير الادبي. و مع اننا متابعون لكتابات عدنان الساعدي و انها على هذا المستوى من التجربة قديما الا ان اعتماده اسلوب ( التعبيرية السردية) في نصوصه السردية التعبيرية في هذه المجموعة وفر له طاقات تعبيرية اضافية غير معهودة وهذا امر يبعث على اهتمام اكبر بأسلوب التعبيرية السردية و اعتماده في الكتابة الأدبية.


  • 1

   نشر في 13 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2018 .

التعليقات

المنهج الكمي ما موقه في الأدب مقارنة بالمناهج النقدية كالتفكيكية و السيميائية...وهل يعتبر منهج متكامل بالنسبة للبقية ..وهل هو عملية احصائية للعمل الأدبي بما يحتويه من بيان
0
د. انور غني الموسوي
المنهج الكمي هو خطوة متقدمة نحو علم الادب يعمد الى احصاء العناصر الجمالية و الفنية و العاطفية و ينطلق من فكرة ان التجريد و العاطفة هي اساس الادب و هو يستمد جذوره من النقد الاسلوبي لكنه مطور كثيرا. وهو خاص بي . واهلا بك.
لينة بغدادي
شكرا ااااااااااااااا أستاذ

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا