أدبيات ذاكرة الوجع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أدبيات ذاكرة الوجع

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 31 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 12 أبريل 2019 .

أدبيات ذاكرة الوجع..

هيام فؤاد ضمرة..


غريبة هي الذاكرة حين تتشبث بالشريطِ المُوجِع مِن الذِكريات، ولا تَتَجاسرُ أبداً على مسح أحداثها عن شاشة العرض فيما هي تمر من أمام ناظريّ صاحبها كل حين، وتستخدم في استرجاعاتها صور واضحة المعالم، قاتمة الزوايا تستعر حمأتها كأنما هي حجري صوان يقدحان شراراً، فالأكدار لا تني تقلب الغصة تلو الغصة مستجلبة كثيرا من لواعج الأسقام، فينداح الأنين كأنما الأحبال الصوتية تستلُّ سيف الوَغى، وترغي كخيلٍ مأسور في الأصفاد

وللكاتب دوما ذاكرة أكثر ايلاماً من غيرهِ، تتجاوز في كثير من الأحيان حدود ذاتيته الداخلية، لتنداح إلى عوالم الخارج بشكل نصوص واعترافات تخلع عنه أحد معاطف الألم السميكة، مُتحرراً من أرزاءِ نكثاتها، ومُتشافياً من آثارِ وكزاتِها، ومن حساسية خلخلاتها.

وتظلّ مدائنُ الأحزان تشرِّعُ أبوابَها تُسافِرُ إليها الأقلامُ والورقُ، وتستوطنها قوافلَ الدمعِ كلما هبَّ في أنحائِها القلقُ والوَجَلُ، فما لهذه القلوب تُعَرّي جَسَدها للصقيعِ فيجمَدُ فيها الحِسُّ والدَمُ والحكم؟ فمن ذا يروم في الآهات معترك جنونه، وأضلعه زنزانة تحبس روحه في ظلمة الشجن؟ ألا ليت شعر الجوى يَنزّ دماً قانياً ينداحُ على القراطيسِ بلا وجل، وليت الحزن لا يعتلي الجفون ولا يلهبها بلطمات سوط يحِزُّ في العيون، فيغرق شواطئها الموج والسيل، نرتشف في الوجع السم الزعاف ونتلقى في أحزاننا سنان الشوك والبرد، فما للفؤاد نائبة تشق شفاه الآه بحد سيف العلل والمرض؟

مضى عمري كليماً، وحصَادي فيه سلسلة لا تنتهي من الخيبات، وكأنما اللعنات كانت تُلاحقني بلا وجَلٍ، لتنهش حسي وعصبي، وليقتحم رمد الأحزان شق جفناي، فيتساقط مدراراً دمعهما من جوفِ الأعماق، ليسيل مُختلطاً مع مرارِ شُعوري في مجرى الإحساس، ولتثور نوافير دمي إلى علٍ ترتطمُ بانبجاساتِ الأسى، وقد خاب الرهان على الحظ، وعايَنتُ ما عانيت حتى انتحبت حسرتي وقنوطي ولوعة مرارتي، فخلعت من جذرها صبارتي، علّي انتحلُ هدأة إمطاري.

وترحَّل العُمر كسيراً حسيراً، والانتظار محطة تغلق منافذ دربي عما يعرضه الرصيف من الأشكال والأشياء، فماذا تريد نفسي من بضاعة خاسرة وسط سوق يعاني الكساد؟ تتوارد معيارات الأحداث في مخيلتي، وكلما ازداد ثقلها، جرجرت أضلع صدري بأنحاء فراغي، لتنفخ الأنفاس في رئتي ما استطاع وسعها، حتى لا يستمر شعوري الكؤود يجرِّح جدران حشاشتي، مُقيما مَراسم حدادي على نطاق حدودي، حتى غيلت العيون وظللتها اجتراحات المرائي، لتنصب في أفقي بكائيات المراثي إلى أن تحصي عليّ أناتي، فلولا صلابة الأقدار التي زأرت في أعقابي لاعتذر الموت عن مقاربة بصماتي.

أتساءلُ وضِرام الألم ينبعث من جَنباتي، أنَّى لحُرقة الأنواءِ أنْ تواري سوءَة الزمن حين يقسو، وحين يتركُ أنجمي في خواءِ القلق مُثخنة بالجراح، فيا جُرُوحي لا تُزيلي رَوحي، وأبقي للعمادِ ماء الحياة لتستعيد السماءُ سُحُبها الحُبلى باللأمطار.

هناك في خبايا اللئام نقاط سود، تأطرُ من يتفنون في ازدراد سوء منطقهم ويقتاتون على جراح غيرهم، ويَزجُون تعاويذ شرورهم في الشقوق، كي يُطيحوا مراكب الهذيان في مرآب الخصام، هناك من هم تواقون لالتقاط لحظات زلتك كي تتسكع شماتتهم بالأحداق، وفي حجرات قلوبها ضيق يُعطّل اشتعالات الجوَى، وينقضُّ على تفاحة الأعناق، فمن ذا يأخذ حرصه منهم؟ من ذا يقترف الموت في حضرة الأنداد؟

ظللتُ أتنقّلُ وحقيبة حلمي في أعقابي أؤجل فتحها، وأمسح عنها غبار الطريق حتى لا يُغيِّبها تراكم النأيِّ في لجة الأيام، والراحلون يمرون عن حمولتي مرَّ الكِرام في زحمةِ الأسى، في حمأة النوى، في مراتبِ الأتقياء، فما دمتُ أسيرُ على غير هدى وأيدِ الغير تسيِّرني لمصالحها، وخارطتي مبهمة في مَعمَعةِ النِزال، هي والموت سيان، يحدقان بي بسخرية، يسألان في أيِّ برجٍ عالٍ تركت حقيبة حلمي، وهل للنسيان أنْ يُقيمَ لها وِفادة تحتمل الاعتكاف في زوايا الظلام.

فكيف أدع شهوة الحقيقة تغلبني وتكسر مرآتي على حافة كياني؟ كيف أخرج من حلمي وإن هو خرج مني، فأفك رباطاً التحم على غياهب رشادي؟ أطارد حلمي أينما ولى وجهه وفيه أمل كالقلب راعف، يضجُّ باللأواء على ناموس هرمي ومشيبي، والجسم بات بقايا أجزاء أخذت تراكيبها من مكعبات الوهن، فيا ويل عمراً يتسحب على وهنٍ، على لوعةِ المَوَاجع، وفي الفم ملحٌ حارقٌ يَسرقُ صوتي من أحبالِ حُنجَرَتي، يا لهفي على نفسي المقشورة عن حسي، وهي ترثي وجد المحال حين صار يباباً، وحين ساومه الهشيم لفرط انبجاس مكنوني على نحول جسمي.


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 31 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 12 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا