بين المجتمع السنغالي وبين السُّلطات لمن الحكم؟ أمام جريمة الخروج عن وعلى المعروف (المثلية) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين المجتمع السنغالي وبين السُّلطات لمن الحكم؟ أمام جريمة الخروج عن وعلى المعروف (المثلية)

بين ضرورة التعبير عن هويته العرفية والدينية، وبين وجوب الخضوع لقوانين غير معبرة عن تلك الهوية المجتمع السّنغالي ينازع السُّلُطات حقَّ معاقبة الخروج على المعروف (التمظهر بمظاهر المثلية)

  نشر في 28 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أبريل 2016 .

في الآونة الأخيرة أُعيد طرح قضية الـمِثلية تحت محكِّ النظر، بين السِّياسيِّ والمواطن العادي وآحاد من الزعماء الدينيين (شيوخ الطرق الصوفية) كلٌّ يدلي بدلوه تعبيرا عن وجهة نظره وموقفه من هذه الطارئة على المجتمع السنغالي. ولقد احتدَّ هذا النِّقاش في الأيام الأخيرة عندما أصبحتْ مظاهرُ المثلية تتفشَّى بشكل غير مُسبَق في المجتمع السنغالي، خاصة عَقِب نشر صورة لأحد أشهر الفنانين السنغاليين على المواقع الاجتماعية، وهو يحمل فيها قِمْطَرةً من جنس قماطر النِّساء؛ بالإضافة إلى تصريح بعض المسؤولين في الدَّولة بمساندته المعنوية وتشجيعه لذلك الفنَّان. وبعد ذلك بأيام مَنَعتِ السلطات السياسية مظاهرةً سلمية ضد المثلية في البلد السنغال، وواجهتِ السلطات المعاندين لهذا المنع السلطوي بالضرب. فأصبح المواطن يُحِسُّ بتآخ ضمني بين بعض رجال السلطة وبين المثليين؛ وفهموا من هذا الموقف تقبُّلا ضمنيا للمثلية. فاتجهوا نحو منازعة السلطات حق المعاقبة، لكي يعاقبوا كلَّ من يتلَّبس بأحد مظاهر المثلية، كحمل حقيبة النساء وما أشبهه...


الضمير الجماعي (لجمهور السنغاليين):

تعتبر السنغال من أقدم بلاد السودان الغربي التي دخلها الإسلام، كما أنها منذ نهاية القرن الـ 18 الميلادي إلى منتصف القرن الـ 20، كان من أظهر تلك البلاد ازدهارا على مستوى الحركة العلمية والصُّوفية، حيث كانت منبعَث الطريقة التجانية بفضل حركة العلامة الحاج عمر الفوتي وجهود الشيخ الحاج مالك ومقدَّميه، والشيخ عبد الله انياس وأبنائه، وكانت مستمَدَّ الحيوية للطريقة القادرية المختارية الكُنتية. كما أنها كانت منبِت الحركة المريدية الصوفية التي انبعثتْ بنهضة دينية مزدَوَجة بالتعبير عن الهوية الثقافية. كل هذا يطبع في نفس السِّنغالي حِسًّا عميقا بالاستنكاف عن كل ما يتنافى مع الضمير الجماعي الذي تبلَّلتْ طينتُه بماء الإسلام والمروؤة والأَنَفة...

كل هذا يجعل في السنغالي عُدَّة نفسية لرفض كل سلوك يمس كرامة هذا الثالوث!

الوضع القانوني:

من حيث القانون، ينص قانون الجنايات والعقوبات ما يلي:

"Quiconque aura commis un acte impudique contre nature avec un individu de même sexe sera puni d'un emprisonnement d'un à cinq ans et d'une amende de 100.000 à 1.500.000 francs. "

أي أن كل من يمارس مع شخص من نفس الجنس عملا يتنافى مع الحياءِ ومع مقتضى العشرة الطبيعة سيعاقب...

هذا النص وإن كان محتملا، فإنه كان ولا يزال مستند القضاة السنغاليين لمعاقبة كل من يمارس المثلية أو يدعو إليه علنا، بدعوى انتهاك الحرمة الجماعية ( Atteinte à la pudeur).

ملاحظة:

هناك ملاحظة لا بد أن نسجلها على القوانين التي يحتكم إليها المجتمع السنغالي. هي وجود فجوة بين الهوية العرفية للمجتمع السنغالي وبين الدستور الذي يحتكمون إليه. من نافلة القول التأكيد بأن المجتمع السنغالي يتشكل من نسبة 95 % من المسلمين، وأنه يتسم بالمحافظة على القيم المبنية على المروؤة وعلى الدين المطبوع على المالكية، والتصوف، والسنية. بينما الدستور، أوان وضعه، لم يراعِ الكثير من هذه الخاصيات، بل اتجه نحو العلمانية (بصيغتها الفرنسية الأقرب إلى الإلحاد بوجود الآلهة) مبالغا في الاقتباس منها.


الحالة السياسية:

ومنذ سنين أصبحت الدولة تعيش تحت ضغط دولي حيث إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما طالب السنغال بإلغاء العقوبة المرتبة على ممارسة المثلية. كما أنه في سنة 2009 لما حُكم على تسع أشخاص اتهموا بجريمة ممارسة المثلية في السنغال قام تحالف دولي لتنديد هذا الحكم، وآل الأمر إلى إلغاء هذا الحكم.

تحليل ووِجهة نظر:

إن هذه الحالة تُشكِّل مأزقا في المجتمع السنغالي، فبين وجوب احترام القوانين الوضعية، وبين ضرورة التعبير عن الهوية الدينية والثقافية أصبح السنغالي حائرا. مما دفع ببعض الشباب نحو استلاب حق المعاقبة من يد السلطات الذين، في نظر بعض الشباب، يبالغون في التسامح في ردع هذه المخالفات.

ويتذرَّع البعضُ بالدين لتجويز معاقبة هذه المخالفة، لكن هذا الاعتماد على الدين في مثل هذه القضية لا يستقيم! وذلك لأن المعاقبة شرعا لا تكون إلا بيد الحاكم وبإذن منه (كما قرره القرافي في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام). وقد عاش بعض الزعماء الدينيين في بداية سيطرة فرنسا على السنغال تحت وضع شبيه بما نعيشه اليوم بحنكة تامة وباحترام عام لهذا المبدأ. فلم نسمع أن أحدهم طبق حكم الإعدام على من لزمه هذا الحكم، بل تعاملوا مع هذا الوضع بما اقتضاه الكتاب والحكمة.

فنجد على سبيل المثال أن الشيخ أحمد بمب، رغم شدة حِرصه على مراعاة الشرع في جميع شعائره حتى وصل به الأمر إلى أن أمر بتطبيق الحدود الشرعية (التي تكون بالضرب) في قرية غد (Guédé) التي كان أهلها تحت موالاته، وأما غيرها من التي تكون إعداما، كعقوبة الزاني المحصن، فإنه اتخذ منهجا آخر مفاده أن يأمر الذي صدرت منه الجريمة بأن يعيش وكأنه ميِّت، بمعنى: يتجه بكليته إلى مولاه جل وعلا، وينقطع عن زينة الحياة الدنيا وملذاتها مقتصرا على الضروري منها. فإن قبله الشخص فذاك، وإلا أمره الشيخ بأن لا يساكنه، وأن يرحل إلى أي مكان شاءه.

خلاصة:

فالإشكال يكمن في القوانين التي يحتكم إليها السنغاليون. هي في نظري تحتاج إلى تحيين حتى تواكب التطورات، ويُستدرك ما فيها من نقص من جهة ملائمة الهوية السنغالية. هذا هو الذي يضمن للسنغال أن تخرج من هذه العُقدة. إن هذه الأحداث التي أشرنا إليها في مطلع المقالة لم تكن إلا مظهرا واحدا من بين عدة مظاهر لمشكلة جذرية هي الفجوة الموجودة بين الشعب وبين القانون الموضوع لهم. وهذا ما يجعل أغلب المواطنين السنغاليين يحتالون على القانون، وخاصة قانون الأحوال الشخصية، فبعضهم لا يكاد يلقي له بالا، ولا يلتفت له.

وأخيرا عند استحضار وزن ومكانة الزعماء الدينيين (شيوخ الطرق الصوفية) في المجتمع السنغالي، يحق لنا أن نقف وقفة مساءلة:

أي إسهام لهؤلاء في معالجة هذه المشكلة الجذرية؟

إلى متى سيبقى بعض أولئك الزعماء الصوفيين لا يرفعون عقيرتهم استنكارا إلا إذا سيم شيخهم الأكبر خسفا، أو كان مسٌّ بمصالحهم الشخصية؟

هل السِّنغالي الذي يوالي إحدى هذه الطرق سيبقى يغض الطرف عن هذا الانحراف الصريح عن منهج السلف؟

وللتاريخ كلمته...


  • 1

   نشر في 28 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا