الغائب الوحيد. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الغائب الوحيد.

  نشر في 27 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2018 .

هناك بجانب منزلنا القديم الذي كنت أراه من وراء تلك الاشجار المتعانقة ..متحفا يضم بين اركانه أجمل الذكريات و أروع اللحظات التي أمضيتها به رفقة عائلتي .. جنبا الى جنب ..

كان لكل جدار بذلك المنزل القديم قصة يرويها عني ..و عن طفولتي ..عن بداية رحلتي ....

لقد كانت حقا أياما جميلة لا تنسى ..

وصلت أخيرا بعد ان دامت رحلتي ثلاث ساعات ..فتحت السيارة و اخرجت كل الأمتعة المخصصة للنزهة كالمعتاد ..كل شيء كان كما هو مخطط له ..ولكنني احسست بنقص ما ..تفقدت اغراضي مجددا ..ولكن لم انسى شيئا .. كل شيء حاضر هنا ...فقط كنت انت الغائب الوحيد بهذه الجلسة يا أبي ....مضت ثلاثة أسابيع على رحيلك عنا ..ولكني لحد الآن لم استوعب الأمر..و لا تقبلت الفكرة ..فرحيلك المفاجيء ترك بداخلي فجوة كبيرة و ثقبا أسود لا أظن أنه سيزول مع مرور الزمن .

.لقد فاجأت الجميع بذلك المساء الحالك المظلم ..فخبر وفاتك كان صدمة للكبير و الصغير ..كم من دموع ذرفت بذلك المساء ..و كم من قصائد لرثاءك كتبت ...

لازلت اتساءل هل غادرتنا حقا .. اي سرعة تلك التي حلقت بها ..

كان الجميع يعلق عليك آمالا .. لقد كنت في نظرهم مثالا ..للرجل الصادق الامين .. المخلص ..الطيب ..المساعد ..العادل ..العالم الفقيه ..الحكيم الذي يلجأ لإستشارته الكثير من اهل المدينة ..

صدقني يا أبتاه لقد تركت فراغا كبيرا بعد رحيلك .

هل حقا رحلت؟

..لازلت هنا انتظرك ....

لا زلت تحت شجرة الزيتون الممتدة بضلها .. انتظر عودتك بفارغ الصبر ..انتظر رؤيتك .. جالس هناك فوق بساط تتضارب فيه الالوان مثلما تفعل برأسي الكثير من الافكار ...بوسادتين لا اكثر ..

لقد جمعت قطع الحطب و أوقدت النار كما إعتدنا أن نفعل معا ..حتى إبريق الشاي الاخضر صار جاهزا ..فقط يحتاج الى لمساتك السحرية في مزجه و طريقتك التقليدية في طهيه .. المستوحاة من عمق الثقافة الاردنية ....و تاريخها العريق ..

انا انتظرك هلا أتيت ...!

لا داعي ﻻن اتعبك معي ..لا تتأخر سوف تجده جاهزا في بضع دقائق لا اكثر ..

لقد صار إعداد الشاي الاخضر بجانب تلك الزيتونة .. الشيء الوحيد الذي اصبح يذكرني بك .. و يمنحني صورة واضحة عن ملامحك ..يذكرني بإبتسامتك ..بسحر ضحكتك ..بشكل عينيك ..و لون بشرتك ..و بكل جمال فيك .... حتى بصمتك ..حين كنت تفكر

أين انت يا أبي .. لقد صار الشاي جاهزا ...فصراخ الإبريق يتعالى و صداه يخترق اذني ..

لا تتحرك من مكانك ...سوف أحمل كأس الشاي عنك ....

سوف أسكب لك قليلا منه .... كما علمتني و على طريقتك ..

فالمسافة الكبيرة التي كنت تتركها بين الكأس و الإبريق كانت مميزة ..و إستثنائية ...كانت تعجبني حقا ..

سوف أضيف كأسا آخر لي أيضا .... كانت رائحة الشاي المتصاعدة من فوهة الإبريق .... المحملة بنكهة هذه الارض.. تداعب أنفي و تتوغل بعمق ذاكرتي حقا .. لتخيط الكثير من الثقوب التي خلفها النسيان بمروره ..

.... و تعيد على مسامعي ..الكثير من قصصك المشوقة  و حكاياك الرائعة  التي لم يكن لها عنوان ..

لازال كل شيء عالقا هناك بداخلي يا أبي ..كل شيء ..

احتاج فقط الى حضورك لتكتمل الصورة .. و نتقاسم معا اروع لحظة ..

و لكنني لا أراك بجانبي .. هل ستأتي ..

حدثني يا أبي ... أرجوك ..

لم أيأس ..بل لازلت هنا انتظر ...

ها هي ذي الشمس تغرب .. والنار الموقدة تنطفىء ...

و مازلت أنا هنا أنتظر ..و حتى كأس الشاي لازال دافئا و لم يبرد ..

كل شيء هنا ينتظر ..

نغمات حزينة توقظني من نومي العميق .. إنه صوت هاتفي و هو يرن  ... لقد تلقيت رسالة من صديقي العزيز إبراهيم ...

كانت رسالة تعزية ...تقول في طياتها:

إنا لله و إنا إليه راجعون ....يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي ...

رحم الله شيخنا القدير و أدخله فسيح جناته ... صبرا جميلا يا أخي ..صبرا جميلا ..

بعد تلك الرسالة تيقنت يا أبي أنك لن تأتي ..

بدموع تملأ الاجفان ..قلت

رحمك الله يا أبي .. رحمك الله ...

لن أنساك ..و سوف تبقى هناك بأعماق قلبي الى الابد ...

رحمك الله .. رحمك الله يا أبي .

..


  • 6

   نشر في 27 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2018 .

التعليقات

مريم منذ 1 شهر
لم أجد كلاما أخفف به وطأة حزنك عنه..لكن في المقابل سأدعوا لك على طريقة المغاربة في هذا الأمر وسأقول:الله يبدل المحبة بالصبر...أي بمقدار حبك له بمقدار صبرك على فراقه "إن إنا لله و إنا إليه راجعون" وسأختم قائلة "إفعل ماتتمناه أن يراك تفعله وهو على قيد الحياة..ستكون بذلك روحه لاتفارقك وسيعيش في قلبك...صدقني... أعانك الله وإيانا..دمت سالما معافى إن شاء الله
0
الله يرحمه ، ولكنني متأكد بأنك تستغفر له على الأقل 27 مرة في اليوم اليس كذلك .
1
مريم منذ 2 شهر
لشهور طويلة بعد رحيلها كان دعائي فى كل سجود ان يشفيها الله ويخفف عنها الألم.بطريقة ما كنت متأكدة انها فى الغرفة المجاورة.لنا الله ولهم...اللهم ارحمهم واجمعنا معهم فى جناتك.
2
Abdelghani moussaoui
نعم يبقى كل شيء عنهم عالقا بذلك المنزل ..في كل زاوية او غرفة من غرفه ..تبقى بصماتهم ..و ذكراهم
رحمها الله و اسكنها فسيح جناته ...
هم في قلوبنا ..و لازالو
مثل هاؤلاء لا يرحلون بل يسكنون القلوب ليوم نلقاهم في جنة الرضوان
3
Abdelghani moussaoui
نعم صدقت ..اختي الغالية
هم باعماق القلب يسكنون ...
شكرا لمرورك العطر الذي اضاف الكثير ..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا