الحياة حلم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحياة حلم

  نشر في 17 ماي 2018 .

كانت الساعة الرقمية ، وأنا أسترق النظر إليها في شاشة هاتفي الأبيض الذكي تزحف ببطء شديد و تكاد تشير ، للتوقيت نفسه إلا بفرق دقائق معدودات ، كلما نقرت الأيقونة الزرقاء لأطلع على جديد صفحتي الفيسبوكية المرة  تلوى المرة لأقتل الملل ...
 لكن دون جدوى فكنت كلما اقتحمت العالم الافتراضي إلا وطار بي ذهني لعالم الخيال فأتأرجح بينهما كذلك الجلمود الذي حطه السيل من علٍ ..
ولعلي كنت في حقيقة الأمر وبدون وعي  مني  في تلك اللحظات الثقيلة  من ثلاثاء  ذلك الأسبوع الأثقل، أراوغ عالم الحقيقة من حولي وأحاول أن أتجنب كل ما من شأنه أن يعكر مزاجـِيَ  العكر أصلا من أخبار سيئة أو أنباء محزنة كما اعتاد أن يفجعنا بها الواقع. 
وماهي إلا تأرجحات معدودات بين  عالمين بينهما بعد المشرقين , حتى  صدق الحدس  وغلب الواقع على الافتراض في حدود الساعة الثانية زوالا حين تحرك هزاز هاتفي بين يدي واهتز لاهتزازه  قلبي ونطقت السلامة يارب ..   
ارتسم على شاشة  الهاتف رقم غريب عن أرقام سجل هاتفي فلم أدر هل أجيب أم لا  ، ثم  لم أدر  كيف بادرت بزحلقة أصبعي في اتجاه الزر الأخضر لأجيب بتلك السرعة وأنا التي اعتدت التريث كثيرا قبل أن أجيب كل غريب .
ألوو ... -
 ألو نعم من معي من فضلك ؟ قلت بتأدب شديد -
أعتذر آنسة سعاد  إن كنت اتصلت بلا سابق إعلام وإن كان في ذلك إزعاج في هذه الساعة من نهار ؟
لا عليك سيد "مارك"  ليس هناك أي إزعاج ، ما الأمر ؟ -
تردد الصوت في الانبعاث بعض الثواني ... 
فلابد إن مارك تفاجأ من تعرفي على هويته من أول اتصال بيننا بالهاتف، وما لا يدريه هو أنني أيضا شاركته في التفاجئ من نفسي كيف استحضرت صوته بلا عناء ... لينطلق  بعدها مترددا بجملة مباشرة باردة برود جسد من جاء الخبر بشأنه : 
هذا الصباح ... وسكت Sauerampfe  - توفيت السيدة
وسكتت ...
لم أشعر ببغتة الخبر المنتظر وحاولت أن أتمالك أعصابي وأُصبر الرجل ، لكن حزنا  غريبا أسرع بالتسلل إلى قلبي بلا استئذان فحال دون ذلك  ، ومنعني من  الإفلاح في إتمام جملة العزاء بالألمانية بلا ارتباك ، ولعل عذري أني لأول مرة أنطقها في لغة غير لغتي الأم ...
تقبل مارك  جملتي المرتبكة ، ورد عليها بجملة لا تقل عنها ارتباكا ... ربما لأن ذلك التقليد دخيل على ثقافتهم .. ثم استأذن وودع ...
وسلمت وودعت 
لا أدري لماذا حلق بي طائر الخيال إلى ذكرى جدتي الكريمة، التي صمدت في أيامها الأخيرة واختارت سامحها الله ألا تموت ... إلا وأنا بعيدة عنها في هذه الديار الباردة .. كأن  برودتها كان من شأنها أن  تطفئ قليلا من حر الفراق، وليتها أفلحت ... ولو  قليلا   .. لكن هيهات
ولكم تمنيت أن  أحضرعندها وهي تودع دار الوهم إلى دار الحقيقة وأتعزى بالتسامح معها وأستقبل عزاء الناس فيها وأرد على جمل العزاء المحبوكة بجمل أكمل حبكة بلا تردد ولا ارتباك
غرقت في حزن كثيف وأنا أذكر جدتي العزيزة من جهة ، ومن جهة أخرى أودع هاته الجدة العجوز التي عرفتها من سنتين تقريبا في إطار عقد مع شركة للتأمين تتولى رعاية العجزة تحت نفقة الدولة الألمانية ، أزورها لأعتني بها وأنظر حاجاتها مرة في الأسبوع . 
 لكن العقدة ما انفكت أن انفرطت بالفراق، وكل فراق  للمرارة جلاّب
رحلت  السيدة التسعينية وكأنها  لم  تلبث سوى عشية او ضحاها  ، كما رحل قبلها  وسيرحل العابرون من بعدها ، فلا يبق إلا وجه الرب الكريم
 أتذكر  صديقا لي مفعوصا . كان يقول لي  دائماً اعلمي انك ستموتين ولن تجدي اسمك في الوصية ، رحمه الله  ... مات أيضا
 السبت الماضي حيث  لم  تستطع  كتمان فرحتها بحلم عذب راودها    كان اخر لقاء مع السيدة  فما إن رأتني حتى استرسلت تصف لي كيف رأت نفسها  تمشي وتجري بلا عكا زين  بل تطير وهي في سعادة لا توصف
كانت عيناها الزرقاوان في مقدمة وجهها المتعب المثقل بالتجاعيد العشوائية الاتجاهات تلمعان  ببريق غير عادي وهي تتحدث بحماس عن حلمها وتداعب شعرها القوي الكثيف بأناملها المتخشبة كغصن يابس تفرع من جذع أيبس من شجرة أعياها الوقوف دهرا.
ساقاه الرقيقتان لا تكادان تحملان جسدها الضعيف المختفي تماما ، ككل مرة كنت أقابلها فيها ، في ثوب يلفت النظر من فرط أناقته ونظافته .
 ولعل زيارات أبنائها الثلاث لها كضيوف كرام  يجلسون معها سويعات لا تغني ولا تسمن من جوع عاطفي، يهتمون  خصوصا ببعض حاجاتها المادية،  تفسر بعضا من تلك الأناقة ... لكن في ظني ما يفسر ذلك حقا هو الحضن المادي الدافئ الذي  توفره الدولة الألمانية  لكثير من أبنائها  وهم في ذيل العمر حين لا يبقى منه قدر ما فات ...
فلكم كانت محظوظة أن ماتت  في هذا البلد السعيد مقارنة بعجائز أغلب دولنا العربية المنكوبة اجتماعيا و المستقيلة تكافليا،  ولولا حضن بعض الأسر الدافئ وتآزرهم لاستوى  أمواتهم بأحيائهم في الشقاء  
 ... 
 لكن الحقيقة أن حظ السيدة بالموت في هذا البلد، الذي لم يكن دائما سعيدا ولا دافئ الحضن، يناقض طولا وعرضا حظها في المولد فيه، فلطالما  كانت في حديثها معي دائمة السفر عبر آلة الزمن  ثمانين سنة إلى الوراء تحديدا إلى محطة سبتمبر  1939 و بداية حرب العالمية الثانية لتستحضر ذكرياتها مع كل ألوان الألم  والحزن من جوع وضياع وقتل وفقد , حيث ودعت إلى غير لقاء في حرب العار تلك، الأم والأخ الأوحد ورِجْل الأب ... وكثيرا من الخلان والأصحاب
والغريب أنها كانت تبتسم دائما وهي تحكي لي كيف أنهم من فرط الجوع جعلوا  كل غير صالح للأكل من أوراق الشجر وخشب النجارة والأزبال بكل أشكالها، أشياء صالحة للأكل ... صحيح أنها لم تسمن من جوعهم شيئا لكن لم تقتلهم
وبالمقابل كانت السيدة العجوز تتجهم كلما نطقت اسم ذلك المجنون الذي خاض بهم تجربة العار وتتعجب كيف أسر الملايين بجنونه حتى استبدل غالبيتهم  تحية لقاءاتهم المعهودة بتحية واحدة
"Hei Hitler "  
….
اللغم اللعين  الذي أخذ رجل أبيها لم يثنه عن الزواج مرة أخرى ليبدلها عن  أمها الطيبة , أما مزيفة غاية في القسوة والأنانية
فاجتمعت لها كل الأسباب للفرار إلى ألمانيا الغربية مهاجرة من بلدها إلى بلدها من أجل حياة جديدة .
فتشاء الأقدار لها أن تنجح في العبور فتولد من جديد
 ...
هدأت طبول الحرب ووضعت أوزارها بعدما تفنن الإنسان في قتل أخيه الإنسان بأبشع الطرق الممكنة فتجرأ لأول مرة في تاريخه على استعمال السلاح النووي مرتين مخلفا أبشع صور الدمار والفتك ٠٠٠ وأسدل الستار على فصل آخر من فصول الصراع بين الخير والشر دون أن يتحدد القطب الذي خَلُص له الحق كله والقطب الذي استأثر بالشر كله .. فهما في الأمرين سيان ، يتبادلان الأدوار ، كما في جولات الصراع الإنساني السابقة واللاحقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها 
  
ألمانيا الظالمة نفضت عن نفسها غبار وعار حربها الغاشمة واستفاقت واستفادت من مشروع مارشال العظيم لإعادة إعمار أوربا، فعمرت  بسرعة, بكثير من الصبر والجلد من أبنائها إلى جانب اليد العاملة التركية  والإيطالية والمغربية المستقطبة و المستلبة ... لينتعش اقتصادها ويصير الأقوى أوروبيا بل عالميا.
في ظل ذلك  الميلاد الجديد لدولة تحترم نفسها وأبناءها ومحيطها ، ستجني السيدة  أولى ثمار العيش الكريم فتقوم  بأول رحلة مع زوجها إلى الخارج في أواخر السبعينيات وتشتري أول سيارة جديدة في حياتها  ظلت  تذكر لونها وشكلها وحتى رائحة صالونها الجلدي  الراقي ...
 
كانت تمازحني دوما بقولها ، أنها تشكر الرب  أن سهام الحرب أخطأتها بينما أصابت أكثر من ستين مليونا من العالمين، فعاشت حتى تصالحت معدتها مع طعم اللحم والفواكه والخضر والشوكلاطة الرفيعة ، ونسيت تماما طعم نشارة الخشب وورق الأشجار

ها قد  تركتنا اليوم السيدة رغم عمرها الطويل ومرت مرور سحابة صيف مثقلة بسراب مطر لم يمطر  ، فهل من معتبر ...
 ... 
ستظل ذكرى جميلة لكل من عرفها،  عاشت الدنيا بمرها وحلوها ،  وحظها من المر ذاك , كما من الحلو , كان  سببه الإنسان أولا وأخيرا  في تأرجحه بين العقل والجنون  ،ليمثل النار والجنة في نفس الآن ,تماما  كما  قال سارتر
ولا أدري متى يقرر هذا الإنسان أن يصفو لأخيه الإنسان فيكون له الجنة , حصرا, دون النار.
وكم كان مصطفى محمود صادقا حين قال :
 
نلتمس الأسرار والأسرار فينا 
ونبحث عن السحر ونحن السحر 
ننتظر معجزة ونحن المعجزة 
...

               سعيدة سعادي  


  • 2

   نشر في 17 ماي 2018 .

التعليقات

بين ذكريات إمراة عجوز وجدت نفسي ...و انا اقرا كلماتك ... و سط حرب باردة .. ارتمي من مكان لاخر محاولا التخفي ...
سردك للاحداث كان ..متسلسلا و شيقا ...
سافرت بنا بعيدا ..دام سحر قلمك ..دام ابداعك
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا